سباق دولي وإقليمي على تقاسم النفوذ السوري في غياب التأثير العربي

الثلاثاء 2017/11/28
عندما يغيب العرب

دمشق - تنطلق الثلاثاء الجولة الثامنة من مباحثات جنيف، وسط مشاركة المعارضة السورية للمرة للأولى بوفد موحد، لعبت السعودية دورا واضحا في التوصل إليه خلال اجتماع الرياض 2 الذي عقد الأسبوع الماضي.

بالمقابل أبلغ وفد النظام السوري المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا أنه لن يحضر الجولة، في سابقة من نوعها تعكس رغبة في وضع العصا في دواليب جنيف.

ويرىّ محللون أن الجولة الجديدة محكومة بالفشل على ضوء موقف النظام، الذي ما كان ليتخذ خطوة مقاطعة المباحثات لولا وجود ضوء أخضر روسي.

وتتولى الأمم المتحدة الإشراف على المحادثات التي ستحضرها بالتأكيد وفود من الدول المنخرطة بشكل مباشر وغير مباشر في النزاع السوري، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران، فيما الحضور العربي لن يتجاوز السقف المأمول وربما يقتصر على وجود سعودي وأردني على أبعد تقدير.

وهناك اليوم حالة تململ من ضعف التأثير العربي على الملف السوري، رغم أنه من المفروض أن يكون للدول العربية اليد الطولى في هذا الملف، فسوريا هي عمق الوطن العربي، وترك تقرير مصيرها بيد القوى الكبرى وإيران وتركيا في غاية الخطورة ليس فقط عليها بل على الأمن القومي للمنطقة بشكل عام.

وتزاحم اليوم دول مثل إيران وتركيا كل من روسيا والولايات المتحدة على لعب دور رئيسي في صياغة مستقبل سوريا، وتقاسم النفوذ على أراضيها، فيما المجموعة العربية في مجملها باستثناء بعض الجهود تفضل البقاء على الربوة بانتظار ما تؤول إليه الأمور.

وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية لدولة الإمارات أنور قرقاش في تغريدات على موقعه على تويتر الاثنين “المؤسف في التطورات الدولية للأزمة السورية تهميش الدور العربي، فباستثناء جهود الرياض في توحيد صفوف المعارضة، نرى أن التوافق الروسي الإيراني التركي هو الغالب والدور العربي ثانوي”.

أنور قرقاش: المؤسف في التطورات الدولية للأزمة السورية تهميش الدور العربي

وشدد قرقاش على أن “الحلّ السياسي في سوريا هو الطريق الوحيد لأزمة دموية مشتدّة، ولكنه، وبكل واقعية، لا يمكن أن يكون حلاّ إيرانيا أو تركيا وأن يغيب عنه الدور العربي”.

ويرى محللون أن ضعف الحضور العربي في الأزمة السورية يعود بالأساس إلى غياب رؤية موحدة لحلها، فضلا عن أن بعض الدول وعلى رأسها قطر كان لها دور هدام من خلال مساهمتها بشكل واضح في تحريف الثورة السورية عن مسارها عبر ضخ الدعم لمجموعات متطرفة على غرار جبهة النصرة (فتح الشام حاليا)، وقد استغل النظام السوري وحليفتيه إيران وروسيا هذا الوضع لقلب المعادلة.

ويرى خبراء أنه لا يمكن فهم التهميش العربي في الملف السوري دون العودة إلى بدايات الأحداث، ففي الأشهر الأولى من اندلاع المسيرات الاحتجاجية في عدد من المحافظات السورية في العام 2011 بدا واضحا الإرباك على باقي الدول العربية، كما أن دولا محورية منها مصر آنذاك سبقها “طوفان الربيع العربي” وبالتالي هي في وضع لم تكن تستطيع معه الاضطلاع بدور في حل المعضلة السورية.

وبعد مضي نحو العام من الأزمة وتحولها إلى مسلحة بدأت تبرز رؤى ومواقف عربية متناقضة لحسابات داخلية وإقليمية، حيث خيّرت دول تبني الحياد فيما خيرت دول أخرى دعم المعارضة السورية المعتدلة، لكن الإشكال الأبرز هنا كان عندما تصدرت دولة قطر المشهد في سوريا وتحالفت مع تركيا على مدار الثلاث سنوات الأولى من الحرب وراهنت على دعم الجماعات الإسلامية المتطرفة المرتبطة بتنظيم القاعدة وجماعة الإخوان المسلمين وعلى وجه الخصوص حركة أحرار الشام والنصرة.

وانحصر دور الأردن المجاور لسوريا على تأمين حدوده الشمالية، عبر دعم مجموعات تنتمي بالأساس إلى العشائر، وفصائل من الجيش السوري الحر، التي نجحت في السيطرة على معظم محافظة درعا وجزء مهم من القنيطرة والسويداء، جنوب البلاد.

وشكل الرهان القطري التركي على الإسلاميين خاصة في شمال سوريا وغربها الطامة الكبرى بالنسبة للثورة السورية، حيث نجح النظام في استثمار ذلك للترويج إلى أن من يقاتلهم هم مجموعات إرهابية، وليس هناك “معارضة معتدلة”.

ويشير الخبراء إلى أن قطر وبعد سنوات من الحرب وفشل رهانها خيرت التخفيف من حضورها في المشهد مع الاستمرار في تقديم الدعم المادي للمتطرفين، لتتولى المملكة العربية السعودية الدور الأكبر عبر دعم المجموعات المعتدلة مع التركيز على المعارضة السياسية حينما فتحت أبوابها لاحتضانها لتشجيع الوصول إلى تسوية، ولكن حضور الرياض كان سبقه تعقد المشهد بانخراط روسي مباشر في الأزمة في 2015.

واستطاعت روسيا بالفعل قلب موازين القوى بشكل جذري لصالح النظام لتتحول إلى متحكم بزمام الحرب في هذا البلد.

ويرى مراقبون أنه لا يمكن تحميل كافة المسؤولية عن ضعف الحضور العربي على دول العربية، فالمعارضة السورية نفسها التي ساندتها تلك الدول لم تكن على قدر التحدي وانخرط بعضها في حسابات لصالح دول إقليمية مثل تركيا دون أن تكون البوصلة الأساس سوريا.

ويقول المراقبون ليس الحضور العربي فقط هو الضعيف في سوريا اليوم، فحتى الدول الغربية والأمم المتحدة تراجع دورها وتأثيرها مع أنها كانت هي الأخرى متصدرة للمشهد، وهذا يعود إلى أن موسكو من باتت المتحكم الفعلي في المشهد.

ويشير هؤلاء إلى أنه لا يمكن توقع الكثير في جولة جنيف، حيث أنه من الواضح أن روسيا تسعى لضرب هذه المنصة والاستعاضة عنها بمنصة سوتشي، وليس أدل على ذلك من التعاطي الباهت مع استحقاق جنيف، ورفض وفد النظام حضوره. والاثنين أعلنت موسكو تأجيل مؤتمر سوتشي إلى فبراير.

ويرى مراقبون أن الخطوة ترمي إلى إعطاء مساحة أكبر للمشاورات مع الدول الفاعلة في الأزمة حول خطوط التسوية، قبل أن يتم عرضها في سوتشي الروسية. فماذا يستطيع العرب فعله ضمن هذا الهامش من الوقت؟

2