سباق لإصلاح التعليم العربي قبل تراجع مكانة النفط

الثلاثاء 2016/08/23
محو الأمية التقنية

دبي - تنكب مجموعة من المحللين في غرف مغلقة بعدة عواصم خليجية على إيجاد حلول لتحسين نظم التعليم في المنطقة، في خطوة مسرعة تهدف إلى الدخول في سباق مع تراجع أسعار وأهمية النفط كسلعة استراتيجية عالمية.

وتحاول حكومات خليجية استثمار الكثير من احتياطاتها النقدية في تطوير التعليم، الذي لا يبدو أنه خرج بعد من حيّز الحفظ عن ظهر قلب.

ويفسد التعليم الرديء آفاق الشباب في جميع أنحاء العالم العربي، ويتسبب في خسارتهم لمواهب جمة كما يتسبب في تراجع اقتصادات دولهم ويغذي حالة عدم الاستقرار السياسي في المنطقة.

وستحتاج خطط إصلاح التعليم إلى شجاعة سياسية كبيرة من قبل حكومات تواجه اضطرابات حادة في منطقة تموج بالصراعات.

ويقول كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، كوشيك باسو، إن إعادة توجيه نظام التعليم في المنطقة أمر “ضروري”. ووعدت الحكومة السعودية ببذل “جهود مضاعفة” لتحسين نظامها التعليمي. وبعد ذلك، أصبح عدد الآباء الذين يستطيعون تحمل رسوم إرسال أطفالهم إلى المدارس الخاصة أكبر من أي وقت مضى.

وتكمن المشكلة الرئيسية في أن المدارس في المنطقة مازالت تعتمد بشكل كبير على الحفظ. ويفشل هذا النوع من التعليم في تشجيع التلاميذ على التفكير النقدي الذي يحتاجونه عند البدء في البحث عن عمل.

وخلال سنوات الطفرة، يمكن للحكومات أن تقدم الإعانات أو الوظائف الهيّنة لمواطنيها. وتحولت الشركات الخاصة إلى العمالة الوافدة لتوفير الوظائف “الرخيصة”، وفي نفس الوقت الوظائف الموجهة للخبرات ذات الأجور العالية.

لكن انخفاض أسعار النفط قلب هذا الترتيب المريح. واليوم تشهد الحكومات الخليجية عجزا كبيرا في الميزانية ما دفعها إلى اللجوء إلى مدخراتها المالية.

ويشعر الكثير من قادة الخليج بأنهم في حاجة ماسة إلى إيجاد نماذج اقتصادية جديدة ومستدامة، من شأنها أن توفر وظائف لمواطنيها في القطاع الخاص.

ويقول كثيرون إنه يجب إصلاح نظام التعليم، يجب أن يلعب دورا حيويا في ذلك، إلى جانب المشهد الديموغرافي في المنطقة -ثلث العالم العربي تحت 15 سنة- يعني أنهم لا يستطيعون الانتظار.

ولا يتعلق الأمر بتغيير المناهج التي يتم تدريسها. وتقول الخبيرة ريبيكا وينثروب، المدير في مركز التعليم العالمي بمعهد بروكينغز، إن كامل الطريقة التعليمية تحتاج إلى تغيير.

وأشارت إلى أنه “حتى وقت قريب، تعمل الدفعة الكبيرة في مجال التعليم العالمي من أجل دفع الأطفال إلى المزيد من الالتحاق بالمدارس. وكان العالم قد حقق نجاحا ملحوظا في ذلك، وارتفعت معدلات الالتحاق بالمدارس من 2 مليون شخص في جميع أنحاء العالم في عام 1815 إلى حوالي 700 مليون طفل في المدارس الابتدائية وحدها في العام 2015. تقريبا كل الأطفال الصغار، الآن، التحقوا بمؤسسات التعليم الرسمي ونصفهم واصلوا دراستهم إلى ما بعد المرحلة الابتدائية. ولكن مع ذلك، حان الوقت لإدراك أن ذلك غير كاف”.

ريبيكا وينثروب: التحاق الأطفال بالمدارس لا يعني اكتسابهم لمهارات القرن الحادي والعشرين، فالدراسة لا تساوي التعلم

وتقول وينثروب، وهي تتحدث خلال سلسلة من المحادثات في البنك الوطني العماني في مسقط، في 20 يوليو الماضي، إن “التحاق الأطفال بالمدارس لا يعني اكتسابهم للمهارات؛ فالدراسة لا تساوي التعلم. هناك حوالي 250 مليون طفل في جميع أنحاء العالم من الذين لا يستطيعون القراءة الأساسية أو الرياضيات، وما يثير الاكتئاب أن 130 مليونا من هؤلاء الأطفال قضوا أربع سنوات في المدرسة”.

وتتمثل حجة وينثروب في أن هناك حاجة للتركيز على إعطاء الأطفال مهارات أخرى يحتاجونها في المستقبل. ومع استبدال الروبوتات وأجهزة الكمبيوتر للبشر في مجال العمل على نطاق واسع، من خطوط الإنتاج في المصانع إلى المحاسبة، فإن مجرد القدرة على القراءة والكتابة والحساب لن يكون أمرا كافيا.

وتعتبر المهارات اللازمة الأخرى، والتي يشار إليها أحيانا بأنها تشمل مهارات القرن الحادي والعشرين، بالإضافة إلى أشياء مثل الإبداع والتعلم وخفة الحركة، إلى جانب محو الأمية الرقمية.

وتقول وينثروب إن “الإبداع هو إحدى المهارات التي نحتاجها في المستقبل، ولكن هناك مهارات أخرى، منها التعاون، وحل المشكلات، والتفكير الناقد والقدرة على التواصل، والقدرة على تعلم أشياء جديدة. هناك زيادة في الطلب على المهارات غير الروتينية”.

ويتطلب التعامل مع هذا المشهد الجديد بعض التغيير الجوهري داخل المدارس وخارجها، إذ يتطلب من المعلمين إدارة الدروس بطرق جديدة من خلال تشجيع التفكير والتساؤل لدى الأطفال وتشجيعهم على التفاعل والتعاون أكثر مع بعضهم البعض. كما يحتاج ذلك إلى دعم الآباء والأمهات لتطوير هذه المهارات خارج الفصول الدراسية، ويتطلب تطلع أرباب العمل إلى ما بعد نتائج الامتحانات.

ويبدو أن بعض أرباب العمل المحليين يميلون إلى دعم هذه التغييرات. وقال محمد العارضي، رئيس مجلس إدارة البنك الوطني العماني وبيت الاستثمار البحريني إنفستكورب، إن “ما نبحث عنه عندما نقوم بتوظيف الناس هو قدرتهم على النظر في المشكلات وإيجاد حلول عملية لها أولا، وثانيا متابعة طريقتهم في التواصل”.

وقطعت عمان شوطا طويلا في العقود الأخيرة. وعندما تولى السلطان قابوس بن سعيد السلطة عام 1970، كانت هناك ثلاث مدارس فقط في كل أنحاء البلاد وبها 900 طالب وطالبة. اليوم، هناك أكثر من 1000 مدرسة حكومية وأكثر من نصف مليون طالب وطالبة. وكان لعمان أيضا دور كبير في تطوير جزء من تعليم أهداف التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، مع اقتراض أموال باسم اتفاق مسقط عام 2014. ولكن كما هو الحال مع دول أخرى من المنطقة، يتمثل التحدي في تعليم الأطفال في المدرسة ما يحتاجون إلى معرفته فعلا.

ويقول العارضي إن الدعوة إلى إصلاح التعليم دفعت الحكومة إلى تحسين التعليم، “هل نحن ندرب أبناءنا على التفكير النقدي الكامل؟ أنا لا أعتقد ذلك. هناك طريق طويلة يجب أن نقطعها، ولكن بالتأكيد منطقة الخليج على الطريق الصحيح. تغيير نظام التعليم يحتاج إلى إرادة سياسية. الأمر ليس سهلا”.

ويبدو وضع بعض دول الخليج أفضل من غيرها لإجراء التغييرات المطلوبة، ولكن مازال هناك القليل من الوعي بما يجب القيام به في معظم أرجاء المنطقة، حتى لو تم تسريع جميع الإصلاحات المطلوبة.

17