"سبعة أحجار للخاطئة" رواية فرنكوفونية جريئة

الأحد 2014/02/16
فينوس خوري: رواية التقنية الصوتية وأساليب التورية والحدث التاريخي

يُحكم على نور بالرجم حتى الموت بعد أن يُكتشف حملها من رجل غريب يعمل كمهندس في القرية الصحراويّة النائية، الخاضعة للأعراف والتقاليد البالية. قرية «خوف»، الاسم الروائي لهذا العالم، قررت “الغريبة” (الاسم الذي ستحمله بطلة الرواية)، السفر إليها كمنفى طوعي لها، تتألف من أربعين بيتاً وحانوت وعطار ومسجد ومعمل للآجر. تقع القرية على تخوم الصحراء في منطقة تشهد نزاعات تاريخية، يتوزّع السلطة فيها الشيخ والقاضي. تحكمها وتتحكّم بها معتقدات وأساطير شعبية، مع ما تكونه هذه البيئة من فعل عدمي، من متاهة تاريخ، من زمن تضيع جهاته، من مفارقات الواقع، من علاقات قهر قائمة بين الأقوى والأضعف… الخ. تنتصر الغريبة المتحدّرة من أصول شرقية، المقيمة في باريس التي يدفعها تخلّي حبيبها عنها، ورحيل قطّها، وخوفها من الوحدة، إلى الالتحاق بمركز غوث البلدان المنكوبة في منطقة صحراوية تنتمي إلى الجنوب، لقضيّة نور، وتنجح في إقناع الملا بتأجيل الرّجم ريثما تضع نور مولودها.

وتضطر إلى البقاء وحدها بعد مغادرة أعضاء البعثة في وسط اجتماعي متخلّف ومعادٍ لأية بادرة تغيير، تقصد المدينة البعيدة بعد أن أعياها البحث عن سبل اختراق الذهنيات، ودعوتها إلى التفكير المشترك حول وضعيات عامة تخص القرية، وحول العدالة الاجتماعية، لتقابل بعض رموز السلطة لعلها تحصل على تأجيل لتنفيذ الفتوى. هكذا، تجد نفسها مضطرة إلى أن ترتبط بزواج صُورِي مع عبده، سائق الحافلة، لأنّ الوزير لا يستقبل النساء من دون أزواجهن، والفنادق لا تستقبل النساء الوحيدات. ويكون عليها أيضاً أن تواجه شيخ القرية ومعارضته الشديدة لفتح المدرسة.


موت عابر


” أمينة”، خادمة الغريبة في مركز الغوث وصديقة نور المقرّبة، التي تسهم في المساعدة بعد أن تخلّى أبناء نور الثلاثة عنها، وغرق زوجها في السكر والضياع، فهي أيضاً ضحيّة قرية تتنكّر لها وتعتبرها غريبة، وضحيّة باختيارها لكونزاكيس، الطبيب الفرنسي الشاب العامل في المركز الذي يمارس الجنس معها في وضعيّات شاذّة، وكأنه يحاول أن يمارس قهراً مازوشياً على هذه الذات لكي تحافظ على أسرارها وطقوسها الداخلية.

وحدها «أمينة» دفعت الثمن، ليمر موتها المرعب بشكل عابر في أحداث القرية، عندما رُجمت بدلاً من «نور» كأي قربان آخر.ينبثق بصيص ضوء في نهاية الرواية يتمثّل بإهداء نور مولودها إلى الغريبة، اعترافاً بفضلها وبحثاً له عن فرصة حياة أفضل، فتقول الرواية إن الطفل الغريب هو من حقّ الغريبة التي ناضلت ليبصر النور وتبقى أمّه على قيد الحياة.

الرواية صادرة عن دار الساقي- لبنان -2014 ترجمة سميرة بن عمو وهي للشاعرة والروائية اللبنانية الفرنكوفونية فينوس خوري – غاتا. للرّواية سطوتها التي تدفع المتورّط فيها إلى المواجهة عبر عدة جبهات، فينوس تراقب شخوص روايتها بشكل حاسم، أفعالهم وأفكارهم وكلامهم، وكذا ميزاتهم الأخرى، وتعلم كل شيء عنهم، تفحص بدقة التفاصيل الفيزيائية للوجه واللباس والجلسة، تدخل الأنثى إلى عالمها الروائي دخولا جارفا، ويبقى الجسد المؤنث في موقع التأسيس الذي يمثل نواته الحكائية والدلالية، في كثافة اللغة، وقوّة المجاز، وطاقة الترميز، طرحت نصّاً يحتمل مضاعفات دلالية عدّة، وسياقاً يحتمل دلالات شتى، وجملة تحتمل جملاً متعدّدة. نلمس الميل إلى التوحد بـ (الأنثى)، وتوحّد الآخر (المذكر)، وغيابه في الأنثى، يتدخّل الزمن الخارجي؛ ليحل محلّه الزمن النفسي القائم على التداعيات الداخلية التي يعوّل عليها في تكسير خطية المسلّمات الموروثة في البنية الاجتماعية التقليدية، في عالم لا يحوز على اطمئنان كامن. مع هذا التوصيف، تخلق مسافة صارمة وقوية مع شخوصها، ويعني ذلك احترام السرية الذهنية للشخوص، والاعتراف بأن تقييماتنا للأشخاص محدودة وحدسية مستعملة بهذه الطريقة المنظور الخارجي.


شمال وجنوب


وكواحد من الأعراف الواقعية حملت الرواية إشارات متعددة فهي رواية التقنية الصوتية ورواية أساليب التخفي والتورية وتوظيف الحدث التأريخي ( استعمار الشمال للجنوب) والسيرة والمادة الإحصائية وهذا التركيب يكشف عن قدرات تخيلية نامية يتحرك فيها الحدث وكأنه كرة الثلج التي تتحول إلى جرم أبيض كبير تتداخل فيه الصور والدلالات والتفاصيل فضلاً على ما عمدت إليه من توظيف البنية الرمزية كمحور حيوي في التعبير عن إشكالية الفكرة المركزية في الرواية ( علاقة الشمال – الجنوب) إذ أن هذه البنية المقرونة بالتورية هي تداخل زمني فكري أحاط بالرمز من دون التفريط بقوة إشارته فهو يستخدم الزمن الاستعماري يمثله “لكونزاكيس"، الطبيب الفرنسي كرمز لزمن استعلائي قديم وعائم. كما أن الدكتور بول، الطبيب العجوز الذي يعالج المرضى برحابة صدر، ويتمتّع بحسٍّ إنساني عالٍ، وينذر نفسه لمهمّة إنسانية في بيئة صحراوية قاسية، كرمز لإنسانية الغرب، ولقد ركزت فينوس شعور انعدام الذات في الاسم الذي اختارته لأهم شخصيات روايتها وهو “الغريبة” غير أن هذا التأويل سيأخذ منحىً آخر إذا نظرنا إلى ثنائيات الأنا والآخر في هذه الرواية، وذلك بموجب تحولات مواقع المرأة ضمن الرمزي، من موقع المنظور إليه- المفعول به ( الموضوع ) إلى موقع الذات، وعلى الخصوص إبان طرح سؤال النهضة، من موقع اكتشاف العرب لأزمة التخلف مع الاحتكاك بالغرب الأوروبي( فرنسا على الخصوص)، بعيدة – إلى حد ما – عن الانفعالية، أو اتخاذ موقف عداء من الآخر، والإعلاء من شأن الأنا بشكل عاطفي مثلما نجده عند الكاتبات بالفرنسية.


لغة الرواية


كذلك اللغة المستخدمة في ” سبعة حجارة للخاطئة” من زاوية وظيفتها التواصلية تؤسس هوية الفرد وتحقق اجتماعيته وتتيح له أن يكون، وتمنحه وهو فرد اجتماعي قدرا من التعالي لأنه يعيد تصريف اللغة بشكل فردي يباعد بينها وبين وظيفتي التبليغ والإحالة المباشرين، لتظهر بمثابة نظام تاريخي قابل لأن نشرح تغيراته اللفظية والدلالية والتركيبية في ضوء الصراعات بين الجماعات الاجتماعية، أي بين لغات جماعية، وإقامة علاقة بين النص وسياقه الاجتماعي لا يرتبط بالرؤية للعالم، بقدر ما يرتبط بقدرة النص على تقديم العالم الاجتماعي باعتباره حوارا وصراعا بين مجموع لغات جماعية تظهر في البنيات الدلالية والسردية للتخييل وفي المنظورين معا. فاللغة هي التي تمنح الرواية تمظهرها المجرد ومادتها المدركة ضمن نسق حواري مصنوع من تشخيصات أصناف “الكلام” والأساليب والتصورات الملموسة الملازمة له، الملفوظ في الرواية لا يعبّر فقط ولكنه يتّخذ هو ذاته موضوعا للتعبير.

تحيل خوري في روايتها أيضاً استعمال اللغة بقصد محاكاة بنية أفكار الشخصية جانبا من الخطاب الشخصي المقارن، وتفترض قبلا وجود نص، ووجود قارئ، وتفاعلا بين النّص والقارئ، فاللغة المصاغة هي لغة الشخصية (الغريبة) وليست لغة الراوي أو المؤلف الضمني (فينوس)، إذ يتم نقل أفكارها بشكل مباشر تقريبا، أو ما يسمى بالأسلوب الحر غير المباشر، وهو نمط تعاد فيه صياغة الأفكار والكلام بشكل جزئي فقط لملاءمة صيغة ماضي السرد، من خلال المسارات المجسدة لتيمة الجنس وتشير إلى تزامنها قبل وبعد زواج “نور”، ويتميز فضاء الزنا عموما بالتنوع في الأمكنة (العيادة – الصحراء) ويتصف بكونه ثقافيا أي أنه يتحقق بواسطة معرفة حضارية. ذلك أن الخجل يمّحي كلياً وأيضا الموانع الخارجية، لأنه يتلازم مع إقصاء كلي للعالم الخارجي، وتعويضه بعالم آخر يفاقم المتعة ويجعل التركيز على اللذة كاملاً كالموسيقى، السفر (أمينة) مع العمل على إطالة لحظات المتعة وتعنيفها وتصعيدها إلى مستويات عدة، غير أن مجمل هذه المسارات تجهض وتنتهي بالتخلي، بعد انكشاف المستور. الرواية مترجمة عن الفرنسية لذلك فتجليات القراءة تختلف من نص إلى نص ومن متلق إلى متلق، ذلك أن معايير النص الأجناسية والتيمية والتخييلية تعمل على إرباك منظومة المتلقي القرائية وتضعها في حال هدم وتأسيس، فتنبني الذات القارئة انطلاقا من نصية النص، مرتحلة عن نصية أخرى. وهي التي ترسم ذلك التطور في اللحظة التي تتعرض فيها إلى تجاوزات في الشكل والموضوع واللغة، وهذه اللحظة هي لحظة الخيبة حيث يخيب ظن المتلقي الثاني (العربي) في مطابقة معاييره السابقة مع المعايير التي ينطوي عليها العمل المترجم، فهو يدخل في وعي المتلقي بتقسيط غير مريح على الأغلب حيث يدخل في لعبة الحوار مع الأجزاء التي يقرؤها آنيا دون أن تغيب عن وعيه لا تلك الأجزاء التي قرأها قبلا، فهي لا تتوقف في غيابه عن الحضور، ولا تلك التي لمّا يقرأها بعد، فهي لا تتوقف عن خلق أفق توقعه، وهكذا تصبح وجهة نظر القارئ في النص من دون قرار إذ أنها ذات طبيعة جوالة.


جوائز كبرى


وُلِدت الشّاعرة والرّوائية الفرنكوفونية فينوس خوري _ غاتا سنة 1937 في بشري، بلبنان. اشتغلتْ في البداية بجريدة النّهار اللبنانية، وكانتْ تكتب متابعات أدبيّة بالعربيّة، وتترجم إليها قصائد من الشّعر الفرنسي.. كان ذلك قبل حوالي 40 سنة.. وفي سنة 1972 هاجرتْ إلى باريس، وهنالك أصبحت تكتب الشّعر والرّواية بالفرنسيّة، وقد صدرَ لها حتّى الآن ما يزيدُ عن 20 مجموعة شعريّة و20 رواية.

وقد حصلتْ فينوس خوري-غاتا على العديد من الجوائز الأدبية، من بينها: جائزة غيوم أبولينير، جائزة مالارمي، جائزة جول سوبرفييل. وأخيرا جائزة غونكور للشّعر –لسنة 2011- عن مجموع أعمالها.

14