سبعة أفلام عربية في مهرجان لندن السينمائي الـ58

الجمعة 2014/10/17
"فيلا توما" لم يتناول الحالة الفلسطينية في علاقتها بالأحداث الساخنة في الضفة الغربية

لندن - تعرض بالدورة المقامة حاليا وهي الـ58، من مهرجان لندن السينمائي، سبعة أفلام تنتمي إلى العالم العربي بشكل أو بآخر، منها فيلم من إنجاز مخرج موريتاني (بتمويل فرنسي) وفيلم آخر من إخراج مخرجة فلسطينية من عرب إسرائيل (بتمويل إسرائيلي).

فيلم المخرجة المغربية- العراقية “إطار الليل” (بتمويل فرنسي- بريطاني) سبق أن قدمنا له نقدا تفصيليا، على كونه أحد الأفلام الجديدة التي لم تعرض في مهرجانات دولية كثيرة من قبل.

كما سبقت الكتابة تفصيلا عن فيلم “ذيب” للمخرج الأردني ناجي أبو نوار عند عرضه في مهرجان فنيسيا (البندقية) الأخير (بتمويل ألماني).

ولعل الملحوظة الأساسية أن معظم الأفلام العربية هي من الإنتاج المشترك أو بالأحرى بتمويل غربي، باستثناء الفيلمين المصريين كما سنرى.


لعبة وهمية


الفيلم الموريتاني من الإنتاج الفرنسي هو فيلم “تمبكتو” للمخرج عبدالرحمن سيساكو، فهو يتناول مشكلة التطرف الإسلامي، أو ظاهرة ما يسمى بـ”الجهاديين” الذين يريدون النكوص إلى ما قبل التاريخ بدعوى تطبيق “الشريعة”، ويمارسون في سبيل ذلك القتل وترويع السكان، وسبي النساء، وارتكاب كل الموبقات والجرائم.

أحداث الفيلم تدور في تمبكتو بمالي، حيث نرى كيف يرغب المسلحون القادمون من ليبيا والجزائر وموريتانيا، في إرغام السكان المحليين على التخلي عن عاداتهم وتقاليدهم، ويهددونهم بقطع أيديهم وأرجلهم، ينزلون بنسائهم العقاب بالجلد في حال عدم الاستجابة لتعليماتهم، التي تقضي بضرورة ارتداء الحجاب أولا ثم القفازات والجوارب.

لكن الفيلم يعاني من غياب الحبكة التي تربط بين مشاهده المتفرقة، فالفيلم يعرض مجموعة متنافرة من المشاهد التي تعاني ضعفا واضحا في الإخراج وفي الخيال، ويكتفي بأنماط يعرفها المشاهد سلفا، كما يعاني من ترهل الإيقاع.

ولكن هناك بعض المشاهد القليلة الجيدة مثل المشهد الذي نشاهد فيه مجموعة من الشباب يلعبون مبارة كرة قدم وهمية أي دون كرة، على غرار المشهد الشهير لمباراة التنس الوهمية في فيلم “تكبير” لأنتونيوني (1967).

وهو مشهد يتميز بإيقاعه السريع والسيطرة على تفاصيله وممثليه على خلفية من موسيقى، والمقصود أن يصور كيف يتحدى الشباب المتطرفين الذين يحظرون لعب الكرة.

ويشارك فيلم “ماء الفضة” للمخرج السوري أسامة محمد في المهرجان، وهو فيلمه الوثائقي ذائع الصيت، عن الثورة السورية أو بالأحرى، الذي يعرّي منظومة القمع المخيفة في سوريا ضد المعارضين.

يشارك فيلم "ماء الفضة" في المهرجان، الذي يعري منظومة القمع المخيفة في سوريا ضد المعارضين

إننا أمام تجربة بصرية وصوتية مذهلة وعمل لا مثيل له في السينما العربية. وهو ليس فقط شهادة على مسلسل القتل المستمر في سوريا، بل ومحاولة فريدة لخلق معادل بصري وسمعي سينمائي حداثي، يستخدم كل ما تتيحه اليوم تقنيات كاميرا الديجيتال الصغيرة والكومبيوتر والإنترنت.

لكن السر الأول في تميزه عن عشرات الأفلام والأشرطة التي تظهر يوميا وتستخدم نفس التقنيات، يكمن في كونه صنع على يدي سينمائي خبير وموهوب، يتميز بثقافته الكبيرة وخياله السينمائي البديع الذي يجعله يقدم موضوعه دون صراخ مباشر أو تعليق صوتي فخم.

بل من خلال تلك اللغة الشعرية التي تخلق جدلية تتسم بالحيوية الشديدة بين شريطي الصوت والصورة، بل وبين كل الثنائيات التي ينتقل عبرها الفيلم دون أن يرهقنا.

يتألف هذا الفيلم من آلاف اللقطات سواء مما ينشره نشطاء سوريون على مواقع الإنترنت، أو ما نجحت وئام سيماف بدرخان، زميلة أسامة في صنع الفيلم، في تصويره سرا بسوريا، ثم إرساله له بصعوبة عبر الإنترنت أيضا، ومن لقطات محدودة صورها في باريس.

ويتميز الفيلم بإيقاع سريع مع نفس شاعري لا تكشف عنه الكلمات والتعبيرات التي تستخدم في التعليق الصوتي على مشاهده ولقطاته فحسب، بل تتبدّى من خلال طريقة تركيب الفيلم نفسه.


فيلا توما


أما فيلم “فيلا توما” -الذي كتبته وأنتجته وأخرجته- سهى عراف، فهو أبعد ما يكون عن تناول “الحالة الفلسطينية” في جدليتها وعلاقتها بالأحداث الساخنة اليومية التي تحدث في الضفة الغربية.

صحيح أنها تختار رام الله كموقع للأحداث، وتصور كيف انحدر الحال بثلاث شقيقات فلسطينيات تنتمين إلى عائلة فلسطينية مسيحية من عائلات “الطبقة الراقية”، بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية عام 1967.

لكن الزمان في الفيلم لا يبدو واضحا، فنحن نسمع بعد قليل من يشير إلى أيام الانتفاضة الأولى، أي إلى أواخر الثمانينات. والمشكلة التي تواجه الشقيقات الثلاث، مع كبيرتهن (التي تقوم بدورها نسرين فاعور) الشخصية المهيمنة المحافظة المتزمتة، أنه لم يعد هناك فلسطينيون كثيرون مسيحيون يصلحون أزواجا لهن.

وعندما تأتي ابنة شقيقهن اليتيمة للعيش معهن بعد أن تغادر الدير، تنقلب حياتهن رأسا على عقب، فالفتاة الشابة “بديعة”، لا تتمكن من التأقلم مع نمط الحياة الجافة التي تعيشها الشقيقات، وسرعان ما تقيم علاقة بشاب فلسطيني مسلم من أبناء المخيمات، تنتهي إلى أن تحمل منه، ثم نعلم بشكل عابر أنه استشهد في إحدى عمليات المقاومة.

هنا يتحول الفيلم إلى ميلودراما ثقيلة عتيقة، عن كيفية الخلاص من تلك “الفضيحة” التي تهتز لها العمة الكبرى، ما يجعلها تتمنى موت الفتاة الأمر الذي يحدث بالفعل عند الولادة!

الفيلم الجديد للمخرج أحمد عبدالله "ديكور" يتطلع إلى أفلام الخمسينات المصرية الكلاسيكية المصورة بالأبيض والأسود

ويعاني الفيلم من التكرار والإيقاع البطيء والشخصيات المسطحة والمبالغات الميلودرامية التي تحدث أثرا عكسيا لما هو متوقع منها، وتعتمد المخرجة في بناء المشاهد على التصميم المسرحي، سواء في الحركة أو في الإضاءة مع الإفراط في الحوارات المسرحية، مع استعانتها بموسيقى ثقيلة متكررة حزينة، تستخدم فيها نغمات التشيللو والكمان والبيانو.


من مصر


فيلم “لا مؤاخذة” للمخرج عمرو سلامة من مصر يشارك في المهرجان، ليس لقيمته الفنية العالية، فهو أيضا من نوع الميلودراما الكوميديا الخفيفة، لكن بسبب موضوعه الذي يجذب اهتمام المشاهدين في الغرب، وهو ما يمكن أن نطلق عليه “المأزق المسيحي” في العالم العربي، أو تحديدا مأزق الأقباط في مصر حاليا. فبطل الفيلم طفل مسيحي ينتقل إلى إحدى المدارس العامة بعد وفاة والده، بعد أن كان يتعلم في إحدى المدارس الخاصة، وهناك يضطر للتظاهر بأنه مسلم.

يخضع الفتى لما يمليه عليه زملاؤه المسلمون في الفصل، إخفاء لهويته لكي يستمر في التعايش مع “الأغلبية”. لكن المشكلة أن هذا الموقف الذي كان يمكن أن يصنع عملا جادا متميزا، يتحول إلى فيلم هزلي مليء بالمبالغات التي تصلح كتعليق ساخر على ما وصل إليه حال المدارس العامة في مصر من تدهور، أكثر من كونه ينتقد التفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

ومن مصر أيضا يأتي الفيلم الجديد للمخرج أحمد عبدالله “ديكور” الذي يتطلع -بحنين واضح- إلى أفلام الخمسينات المصرية الكلاسيكية المصورة بالأبيض والأسود، وتحديدا إلى “الدراما النفسية” التي كنا نشاهدها في أفلام فاتن حمامة القديمة.

كنوع من “التحية” لهذا النوع من الأفلام التي تركت بصمة واضحة على ذاكرة أجيال من مشاهدي السينما في العالم العربي، خاصة وأن الفيلم مصور باللونين الأبيض والأسود، لكن المشكلة أن الفيلم في الوقت نفسه، “يغمز” منتقدا رومانسية تلك الأفلام.

مشيرا إلى ما يمكن أن تتركه من أثر على من يدمن مشاهدتها من تمزق، يصل إلى مستوى الفصام، كما يحدث لبطلة الفيلم التي ترفض العيش في الواقع وتهرب باستمرار إلى الأحلام والهواجس والأوهام والخيالات، كأنها تعاني من قهر ما، يجعلها عاجزة عن اتخاذ قرار بشأن حياتها، وما تريد تحقيقه والزوج الذي ترغب في البقاء معه: هل هو الحبيب السابق أم الزوج (المتخيل) الحالي الذي ترفضه في خيالها؟

المشكلة أن الفيلم ليس من الممكن اعتباره من نوع “المحاكاة الساخرة”، أو ما يعرف بـ”البارودي” في الدراما، ولا حتى أنه يستعيد تقاليد تلك الفترة من العصر الذهبي في السينما المصرية، بل إنه ينسج على منوال الأفلام القديمة في سياق جدي تماما، كما لو كان يحاول أن يعرض أزمة امرأة عاجزة عن التحقق في مجتمع ما بعد صورة يناير 2011 التي يشار إليها أكثر من مرة في الفيلم.

ولكن دون أن ينجح حتى في إعادة تجسيد الأسلوب والتفاصيل التي كانت تميز الأفلام القديمة، فنحن لسنا هنا أمام عمل ملهم مثل “الفنان” الفرنسي الذي كان يقدم صورة متخيلة لفيلم أميركي صامت من أفلام الماضي، بروح جديدة تستلهم كل تراث السينما الأميركية الصامتة.

16