سبعون شاعرا عربيا في مغامرة جماعية لتعريف الشعر

الكثير من الشعراء ومن مختلف الأجيال في زمنيات متعددة حاولوا تعريف الشعر وتفسير ماهيته الوجودية والخيالية.
الجمعة 2019/01/11
كل الشعراء يبحثون عن ماهو الشعر بلا جدوى (لوحة للفنان سعد يكن)

لم يكن الشعر معرّفاً إلا بأنه شعر كخاصّيّة شخصية تجاوزت خيال اللغة إلى أفقٍ بعيد، ولا يُلزم أي “تعريف” محتمَل أن يتحول إلى قانون يسير على هداه الآخرون، وبالتالي فإن الشعر كمادة توصف بأنها عابرة للزمن لا تستقر على تعريف زمني تأتي به اللغة أو يأتي به شاعر محترف أو مخضرم، لكن هناك وجهات نظر في ملامسة هذا الطيف اللغوي الساحر ملامسة وجدانية حساسة بتعريفٍ محتمل أو برؤيا تختزل المعنى.

بالرغم من أنّ الناقدة  سهير أبوجلود حاولت في مقدمتها القصيرة أن تبرر بأن الشعر “قيمة لا يمكن تجاوزها سواء في النص أو في الاختيار أو حتى التعريف” إلا أنها خضعت إلى حد واضح  لما قدّمه شعراء كتابها الظريف والصغير “ما الشعر” الصادر ببغداد 2018، من تعبيرات وتلميحات إلى معنى الشعر بأحاسيس متعددة لشعراء عرب بلغوا حوالي السبعين شاعراً متوزعين على الخارطة الشعرية العربية، بأسماء مهمة لها شأن في صياغة الوعي الشعري عبر تجاربهم الفنية المختلفة.

هذا هو الشعر

مع أن “تعريف” الشعر أمر عسير يصعب الوصول إلى ماهيته وارتباطاته النفسية والذاتية والداخلية، إلا أن هذه المحاولة التي قامت الناقدة بـ”إعدادها وتجميعها” أمر يمكن أن يحقق شيئا من التوازن في معرفة ما يفكر به الشعراء وكيف يجسدون مفاهيمهم الروحية نحو الشعر وبالتالي فإن هذا الكتاب “دعوة إلى قراءة خيال الواقع في لحظات غيابه”، كما تقدمه الناقدة أبوجلود.

بتقديرنا إن هذا المجتزَأ من التقديم يصلح -أيضاً-  لتعريف الشعر، فخيال الواقع هو التكثيف اللغوي لصورة الشعر الغائب، ومع أن أبوجلود ناقدة ومتذوقة للأدب ولها إلمام واسع في قديم الشعر وحديثه، إلا أن هذه الجملة تشفُّ عن روح شعرية ليست متلقية فحسب، بل هي منتجِة ضمن الحقل الواسع الذي حاولت فيه أن “تجمّع″ كل التعريفات الممكنة لشعراء بارزين، وهذا ما يتيح التعرف على ما يفكر به كثير من الشعراء العرب الذين ضمهم هذا الكتاب في محاولة لالتقاط الكيفية التي يفكرون بها أمام قامة الشعر عبر بوّابة التعريف الضمني الذي قدمته الناقدة بطريقة (لا تعريفية) غير أنه انصبّ في التعريف الواعي/ أو اللاواعي الذي يكتبه الشعراء أنفسهم عندما يحوّلون طاقة الكلمة إلى شرح وتعريف وتأويل ووجهة نظر.

محمود درويش يرى بأن الشعر “محرّك للجوهر الإنساني ورافع لقيمة المخيلة في تشكيل الوجود وصناعة أدواته”، ومحمد الماغوط يكتفي بأنّ “الشعر متعة” وتراه زهور العربي “ليس رفاهية بل هو حضور عميق في قلب العالم” غير أن محمد علي شمس الدين يجعل منه عملا صعبا، فيما تراه نازك الملائكة بأنه “وسيلة للحياة” ويراه أبوالقاسم الشابي “صرخة الروح الكئيب”، فيما يفلسفه محمود البريكان على أنه “إمكانية خلق” ويدرجه سميح القاسم كـ”عكّاز الروح”، أما أحمد عبدالمعطي حجازي فيقدم شرحاً بدلاً من لمحة، فالشعر عنده “أن يبدأ الشاعر من القصد ثم تصبح تداعياته إلى المعاني التي طالما حبسها في قمقمه الخاص الذي هو لا وعيه” مثلما يجعل حسب الشيخ جعفر له تأويلاً، فالشعر “لا يعيش إلا في الظل وفي الظل تتوهج الروح وتتعرّى”.

الكتاب يحاول أن يقدم "تعريفا" للشعر عبر آراء الشعراء وهو أمر عسير يصعب الوصول إلى ماهيته وارتباطاته النفسية والذاتية
الكتاب يحاول أن يقدم "تعريفا" للشعر عبر آراء الشعراء وهو أمر عسير يصعب الوصول إلى ماهيته وارتباطاته النفسية والذاتية

 ولا يبتعد يوسف الخال عن الشرح المباشر فـ”الشعر تجربة شخصية ينقلها الشاعر إلى المتلقي بشكل فني مناسب لها”، ويحاول سركون بولص أن يؤاخي بين الواقع والخيال “هو نوع من السحر الذي ممكن أن يغير حياتك كاملة”، كذلك ميخائيل نعيمة الذي يعرّفه بإنشاء خالص “هو غلبة النور على الظلمة والحق على الباطل. هو ترنيمة البلبل ونوح الورق”.

وهكذا يأتي كثير من الشعراء ومن مختلف الأجيال في زمنيات متعددة لتعريف الشعر وتفسير ماهيته الوجودية والخيالية في كتابٍ جديد في نوعه، في محاولة قراءة ما يفكر به الشعراء وهم يتداولون القصيدة في تجارب لا تتشابه وجوداً ومعانيَ وظروفاً.

تعريفات منقوصة

لكن ما يقدمه الشعراء من أجوبة حول سؤال: ما الشعر؟ ليس بالضرورة أن تكون أجوبة صالحة للعمل الشعري في ميدان التعريف الحر، فهذه الأجيال المتناوبة شعرياً؛ وعبر تعريفاتها التي نقرأها في هذا الكتاب؛ لم تقدم مستوى مرموقا للتعريف الشعري، ونظن أن الفترات الزمنية التي قيلت فيها هذه التعريفات والشروح كانت متباعدة، وربما بعضها لم ينضج كثيراً.

وقد تكون بعض التعريفات “انفلاتات” شعرية في تحميل اللغة موصوفات خيالية ليس لها رصيد في الواقع الشعري، أو شطحات لغوية لا يؤخذ بها كثيراً، بل لردم ثغرة التعريف المفتوحة على زمنية غير محددة، وهذا طبيعي في مراحل شعرية حداثية متفاوتة في زمنها وتجاربها، ونضج يتقادم مع الزمن الشعري والحياتي في بلاغة الحياة الثقافية التي تثمر مع كل مراحلها، لتقدم الوافر من تعريفات الشعر والأدب بشكل عام. وهي في الحالات جميعها آراء لا تفسّر الشعر ولا تطرح نظرية معرفية في ماهيته متعددة الوجوه والخيالات؛ لكنها -وعلى نحوٍ ما- تقدّم استقراءات نفسية وبيانات لغوية في الأغلب الأعم من دون أن تكون لها أرصدة في واقع الحال الشعري في تعريفاته الكثيرة التي قرأنها في هذا الكتاب.

جاء الكتاب منقسماً إلى نصفين، إذ قامت بترجمة “التعريفات” العربية الأستاذة مي أبوجلود إلى اللغة الإنكليزية كدالّة وأيقونة لإشارية النص العربي برموزه الكثيرة في استقطاب المعنى الشعري وتعريفه والاحتكام إلى معادلاته الموضوعية، كونه سفيراً إنسانياً بين الشعوب والأمم،عبر أسماء شعراء عرب بارزين ذكرنا بعضاً منهم في هذا العرض.

 ونعتقد أن ترجمة النصوص التعريفية المصاحِبة للنص إلى لغة أخرى ممكنة لنصوص قصيرة ربما فيها دلالات “تفسيرية” أو تعريفية قد يرى فيها الآخر شيئاً من معرفية الشعر العربي عبر شعرائه الكبار وكيف ينظرون إلى هذا الهاجس الداخلي المثمر، وهذا أقل احتمال يمكن أن نكسبه في مثل هذه الترجمات.

14