سبقنا ظلنا

يأتي "الفن الهولوغرامي" أو فن السبعة أبعاد ليمسح بأشعة الليزر المتداخلة الأجساد المُراد استحضارها أثيريا وبواقعية مخيفة، ليصدع شيئا فشيئا الحدود التي تفصل ما بين الحقيقة والوهم.
الجمعة 2018/10/26
أم كلثوم تعود لتُنشد رائعتها "الأطلال"

عندما وقفت السيدة أم كلثوم سنة 1965 أمام جمهورها لتنشد لهم أغنية “الأطلال”، لم تكن تعلم أنه بعد أكثر من أربعين سنة على وفاتها ستقف أمام جيل لم تعاصره، ليصدح صوتها عميقا في “الأطلال” مُستعيدا سطوة حضورها ومؤججا روعة تلك الأغاني، ومُضاعفا لهيبة أطلال أي تجربة عاطفية/وجودية كنا نقف عندها متأملين قبل أن تحتدم نيران المُعاصرة لتطيح بمعنى البطء والتمعن في ترابط الأشياء.

أما هذا الظهور لأم كلثوم سنة 2018 بمقطع قصير من أغنية “الأطلال” فقد جاء على خشبة مسرح في القاهرة في إطار حفل أقامته القناة التلفزيونية “أم.بي.سي”، تمّ هذا العرض القصير بواسطة تقنية حديثة وهي الهولوغرام التي تعتمد على “مسح للضوء المتناثر من الجسم، الذي يكون مسجل إعادة بنائه لاحقا كأنما الجسم في الموقع نفسه “، غير أن الجسم الذي يظهر أمام الآخرين ليس إلاّ صورة رقمية ثلاثية الأبعاد وبالغة الدقّة.

القيمون على القناة التلفزيونية أشاروا إلى أن هذه الخطوة التي استخدمت أول مرة في العالم العربي، هدفت إلى التركيز وإعادة إحياء “عظمة الفن الغنائي والطرب الأصيل في مصر”.

ومن المعلوم أن العلماء في العالم استعانوا منذ سنوات بهذه التقنية لدراسة الأجسام الثلاثية الأبعاد، وتتالى بعد ذلك توظيفها في مختلف المرافق العلمية والطبية والأمنية، وصولا إلى مجال الفن سنة 2012 الذي تلقف هذه التقنية بذهن منفتح على كل الاحتمالات وكل مجالات الاستخدام، ومن ضمنها صياغة عوالم موازية تتداخل في ما بينها وتؤسس لنظرة مغايرة إلى الكون الذي نشكل كبشر جزءا ضئيلا منه.

ولعل أهم ما انشغل به الفن البصري والسمعي، من خلال هذه التقنية، إمكانية أداء تجارب فريدة يعيشها الآخرون خارج حقل الإدراك المباشر للأشياء وللحياة البشرية المادية.

هكذا لامس الفن “المتورط” بهذه التقنية بشكل أو بآخر حدود الفلسفة. فالميتافيزيقيا المشحونة بطاقة شعرية قادرة على إخراج الإنسان من حالة الخدر والسبات التي أصابته، بعد تخلخل كل القيم وبعد بروز حاجة مُلحة إلى إعادة تعريف معنى كل كلمة اعتاد على استخدامها، ليشير إلى أمر أو شيء دون الآخر.

يأتي “الفن الهولوغرامي” أو فن السبعة أبعاد ليمسح بأشعة الليزر المتداخلة الأجساد المُراد استحضارها أثيريا وبواقعية مخيفة، ليصدع شيئا فشيئا الحدود التي تفصل ما بين الحقيقة والوهم، وما بين الجسدي والروحي، وبالتالي لينفض الغبار عن الرغبة في سبر أغوار ما يُمكن أن تعني كلمة “أثير” وارتباطها بطاقة كونية عليا تحتضن أسرارها هائلة التجدد.

هل يمهد لنا الفن الهولوغرافي رؤية الكون ووجودنا فيه كأثير مشحون بتقاطع وحدات معلوماتية مُشفرة لا متناهية تتداخل وتحل في بعضها البعض؟ هل يدفعنا للتساؤل وبإلحاح إن كان كل جزء في هذا الكون يستوعب الكل، كما يحمل الكل، كل الأجزاء؟ وهل يفتح أبصارنا إلى كون كل عنصر موجود “كون” ضمن كون لا نهائي وغامض يتجاور أو “يتزامن” فيه الماضي والحاضر والمُستقبل بشكل لم نأخذه من قبل على محمل الجد؟

لم تكن لي الفرصة أن أشاهد وأسمع أم كلثوم “الأصلية” تغني على أي مسرح لصغر سني، ولا رأيت هامتها المتجسدة “هيوليا” في الحفلة المذكورة أنفا، إلاّ أنني لن أبالغ إن قلت إن الفن اليوم مدعوم بالعلم ومنقوش بالفلسفة، نقش الرصاص في الصفيح الصلد، هو في أقوى أزمنته.

بدأ الفن هذا ببديع لمساته ومنذ بضعة سنوات يندمج مع “العلم الضال”، إذا صح التعبير، ليعيده وبرضاه إلى حضن “والدته” وهي الفلسفة، أما هذه الأخيرة المتقوقعة طويلا في أبراجها الموشحة بالظلال فلم يكن مُقلا معها، إذ منحها لغته البصرية/السمعية الجذابة لتتواصل مع الجمهور العادي/العاشق في نصوص مشهدية لا بد أنها ثورية، كتلك التي جعلت أم كلثوم تقف لتشدو بملامح ودية صوتها المُصدّع لجدران الكلل والملل “وضحكنا ضحك طفلين معا/ وعدونا فسبقنا ظلنا”.

17