"سبلنديدز" عمل مسرحي باريسي يشبه الأفلام البوليسية الكلاسيكية

قدّم مسرح “الهضبة” بباريس مؤخرا مسرحية "سبلنديدز" لجان جينيه، وهو عمل مازجته ثلاث مفارقات؛ الأولى أن صاحبه مزق النص لأنه لم يكن راضيا عنه، والثانية أنه كُتب بالفرنسية وعُرض بالإنكليزية ببطولة ممثلين أميركان، والثالثة أنه، رغم ذلك، أو بسبب ذلك، فهو عمل ممتع، يكشف لنا بطريقة موحية خبايا الحياة داخل السجون.
الاثنين 2016/04/04
دراما تقوم على التوتر والانتظار

“سبلنديدز” نص ينهي حلقة الأعمال التي ألفها جان جينيه (1910/1986) عن المنحرفين والمجرمين، كتبه خلال سنوات حبسه، وانتهى منه عام 1948، ونال إعجاب جان بول سارتر الذي اعتبره أمتن من مسرحية “الخادمات”، ولكن جينيه أنكره وأهمله، ولم يُعثر على نسخة منه في مكتب ناشره إلاّ عام 1993، أي بعد وفاته.

بدا جينيه في هذا العمل متأثرا بالأفلام البوليسية الأميركية الكلاسيكية، حيث يمتزج الحب بالعنف، والتنافس بالغيرة، والمكابرة بالتحدي، ويكون السلاح فيصلا في الحرب التي تضع وجها لوجه الخارجين عن القانون ضد البوليس، وعادة ما تُجمّل النهاية المحتومة إما ببطولة ملحمية، أو باقتناع أحد ممثلي القانون بمشروعية تمرد من يعتبرهم المجتمع منحرفين، وغالبا ما ينظر إلى أولئك الخارجين عن القانون من زاوية تقرّب المتفرج من وجهة نظرهم وتجلب التعاطف نحوهم، لا سيما إذا كانوا حسان الخلقة أو ذوي بنية جسدية لافتة.

بين أحلام وكوابيس

المسرحية التي عرضت مؤخرا على مسرح “الهضبة” الباريسي عنوانها “سبلنديدز” على اسم الفندق الذي لاذ المجرمون بطابقه السابع، بعد أن حجزوا ابنة رجل ثريّ رهينة، وتضم كل العناصر التي تجعل منها فيلما بوليسيا؛ الأسلحة، والكلام المتبادل، والعضلات المفتولة، والوشم الذي يغطي الأجساد، والشرطي المتسلل بينهم خفية، والأخبار التي يبثها الراديو عنهم وعن الشرطة التي تطوق المكان بكل العتاد اللازم.

هي دراما إذن تقوم على التوتر والانتظار، انتظار هجوم محتوم، خصوصا بعد أن فقد المنحرفون أعصابهم وقتلوا الرهينة التي كان يمكن أن يساوموا بها الشرطة لفكّ الطوق، بدا فيه الزمن معلّقا، يمضي كما تمضي مشاهد بطيئة أو صور تلمّ بالنائم في شكل أحلام أو كوابيس.

في هذا الزمن المعلّق تدور أحداث المسرحية، فيبدو الأبطال ميتين في وجه من الوجوه، لأنهم وضعوا أنفسهم داخل سجن ليس دونه إلاّ الموت، بل هو الموت نفسه في نظر جينيه، جاء في مسرحيته (أعجوبة الوردة) “لقد متّ إذن، أنا ميّت يرى هيكله العظميّ في مرآة، حيث شخصية حلم لا تعيش إلاّ في المنطقة الأشدّ ظلمة في نفس الفرد، وتجهل عند الصحو وجهها”.

على غرار أفلام الأربعينات، يصور جينيه أبطاله في نوع من الرقة التي طبعت أفلام هوليوود، وهم يلفظون معا آخر أنفاس الحرية

اختار المخرج أرتير نوزيسيال في هذا العمل، الذي لم يعرض سوى مرة واحدة عام 1995، تكريم روح جينيه، وشفَعه بعمل ثانٍ بمثابة المقدَّمة، وهو شريط قصير صامت بالأسود والأبيض بعنوان “أنشودة حبّ” كان جينيه أعده عام 1950، لكونه يصوّر حياة المساجين وأنواع الكبت التي يعانونها، ما جعله محظورا على من هم دون سنّ السادسة عشرة، وكأنه يريد أن يذكرنا بأن جينيه طوى صفحة السجون والمنحرفين وقوات الأمن بعد هذين العملين، ليصبح شاهدا على الصراعات الكبرى التي حفلت بها مرحلته، وصوتا مدافعا عن مآسي المستضعفين.

ومن ثمّ كانت الشاشة قائمة في مقدمة الخشبة، ما جعلها تسدّ الأفق، وتمنع المتفرج من تبيّن ما وراءها من ديكور، وقد أرادها المخرج دلالة على انغلاق السجين داخل زنزانة، حيث لا يجد له من منفذ لاختراق جدرانها سوى التخيل، وهو ما عاشه جينيه نفسه، إذ استطاع بفضل مخيلته أن يتجاوز قضبان حبسه إلى عوالم متخيلة، ليصوغ أعمالا خلّدت ذكره.

المسرحية الفيلم

عندما أزيحت الشاشة، لاح ممر فندق يشكّل منعرجُه زاوية حادة تمتد نحو الجمهور، وسلسلة أبواب تفتح من الناحيتين ليظهر منها قطّاع طرق تذكّر حركاتهم بأجواء الحلم الضبابية، وفي ذلك إحالة على عالم السجن كما يراها المؤلف، وحال العصابة التي قاد التوتر أحد أفرادها إلى خنق الرهينة، ابنة الملياردير الأميركي، وبذلك تحول طابق الفندق إلى سجن مطوّق، وبدا أن لا أمل للمختطفين في النجاة، وأن نهايتهم محتومة، وأن أقصى ما يستطيعون فعله هو إرجاء الهجوم ولو إلى حين.

وعلى غرار أفلام الأربعينات، يصوّر جينيه أبطاله في نوع من الرقة التي طبعت أفلام هوليوود، وهم يلفظون معا آخر أنفاس الحرية، الزعيم الذي بدأ ينهار ويغيّر موقفه، ريتون الوسيم الذي يتوق إلى المطلق، سكوتْ الحكيم الذي يكتفي بالمتابعة، وكذلك الشرطي المتخفي، الذي انتهى به المطاف إلى تبني وجهة نظرهم والوقوف في صفهم ضدّ زملائه وضدّ المجتمع. ثمانية رجال يشهدون نهايتهم الوشيكة، فتتنقل الكلمات بينهم من جسد إلى جسد مثل أنشودة حبّ أو موت، وإذا هم ملائكة موشومو الأذرع والصدور، بقدر ما هم قتلة مزوّدون بالأسلحة، مستعدّون لأن يبذلوا حياتهم على أن يستسلموا للبوليس.

استعان المخرج بمترجم إنكليزي وبممثلين أميركان -وفرنسي واحد قام بدور الشرطي-، كان تعامل معهم قبل سبع سنوات في مسرحية “يوليوس قيصر” بالإنكليزية أيضا، ليخرج المسرحية على طريقة فيلم بوليسي أميركي، وكأنه يلبي الحلم الذي راود جينيه في نهاية الأربعينات.

16