سبل الخروج من عصر الارتداد

الأحد 2017/06/18
لوحة: بكري الدوغري

لا ينكر إلا عنيد مكابر ما يشهده الغرب منذ أعوام من تحولات سلبية عميقة، ونكوص على شتى المستويات، أهونها الكساد الاقتصادي، فإنكلترا تحنّ إلى حلمها الإمبراطوري في صيغته القديمة منذ قرنين، والولايات المتحدة تريد استعادة عظمتها في صيغة ما بعد الحرب الكونية الثانية، فيما وجدت أوروبا القارية نفسها وحيدة، ضعيفة، مشتتة كأشد ما يكون التشتت. ذلك أن بولندا تحلم ببلد خيالي وهنغاريا لم تعد تحتمل إلا المجريين الأصليين، والهولنديون والفرنسيون والإيطاليون يواجهون أحزابا تسعى إلى الانغلاق داخل حدود وهمية. أما أسكتلندا وكتالونيا وإقليم الفلمندر فهي تروم الانفصال عن المركز لتشكيل دول مستقلة.

يحدث هذا في وقت تزداد فيه أطماع روسيا، وتشهد الصين تحقيق حلمها في العودة إلى ما كانت عليه من قبل أي “إمبراطورية الوسط”، تلك الإمبراطورية التي تتجاهل مصالح كل الأطراف المتاخمة لها. فبين الانكفاء القائم على الانتماء الهووي وتنامي الديماغوجيات المتسلطة يتعرض العالم لارتداد مهول وانقلاب أيديولوجي كبير يزعزع المؤسسات السياسية. فمن المفارقات مثلا أن البلد الذي ابتدع الفضاء اللامتناهي للسوق برّا وبحرّا ولم ينفك عن جعل الاتحاد الأوروبي مجرد متجر كبير، قرر في لحظة طائشة، أمام بروز بضعة آلاف من المهاجرين في الضفة المقابلة بمدينة با-دو-كاليه الفرنسية، أن يتخلى عن دوره كطرفٍ في العولمة.

هذا الوضع الحرج دفع ناشرا ألمانيّا شابّا هو هاينريش غايسلبرغر إلى دعوة عدد من المفكرين عبر العالم إلى التفكير في أسباب ذلك الارتداد، وإعادة إحياء اليسار الذي أفقدته الهيمنة اليمينية توازنه، وصارت تهدّد وجوده. ثم نشر مساهماتهم في كتاب عنوانه “عصر الارتداد” وتزامن صدوره الشهرَ الماضي في ثلاث عشرة لغة عالمية، عن دور نشر كبرى أمثال بوليتي الإنكليزية، وسايكس بارّال الإسبانية، وفيلترينيلّي الإيطالية، وميتيس التركية، وآفاق الصينية، فضلا عن سوركامب الألمانية المتخصصة في نشر أعمال كبار المفكرين الألمان.

خمسة عشر مثقفا عالميا هم البولندي زيغمونت بومان والأميركية نانسي فرايزر والبلغاري إيفان كراستيف والفرنسي برونو لاتور والإنكليزي بول ماسون، والهنديّان بانكاج ميشرا وأرجون أبادوراي والنمساوي روبرت ميسيك والألمانيّان أوليفر ناختفاي وفولفغانغ ستريك والإسباني ثيسار رندويليس والبلجيكي دفيد فان ريبروك والإسرائيلية إيفا اللوز والسلوفيني سلافوي جيجك يشخّصون أوضاع العالم، ويحاولون إنعاش روح المقاومة أمام تصاعد المخاطر: تعاظم الأحزاب القومية والشعبوية المتسلطة، تنامي الديماغوجية، توخي الانكفاء على النفس، نزوع الخطاب السياسي إلى العنف، هيمنة ما بعد الحقيقة، تحول التصويت إلى سلاح ضد الديمقراطية.

ويذكر غايسلبرغر أن عددا من المفكرين كانوا استبَقوا مسار الارتداد هذا منذ بدايات العولمة، كأثر من آثارها الجانبية. مثل الأميركي ريتشارد رورتي، وكان قد وضع قائمة في كل الارتدادات التي ستحلّ، كتفاقم التفاوت الاجتماعي والاقتصادي وظهور عالم أورويلي (نسبة إلى الكاتب البريطاني جورج أورويل مبتدع الأخ الأكبر) وانفجار الكراهية وانتشار حملات التحقير والتشهير بالنساء والأقليات. وكذلك عالم الاقتصاد التركي داني رودريك الذي تنبأ بأن العولمة ستؤدي إلى التفكك الاجتماعي وحذّر من العودة إلى الحمائية.

أما الـ”نحن الكونية” التي تحدث عنها عالم الاجتماع الألماني أولريخ بيك فإنها لم تتشكل أبدا.

هؤلاء المثقفون، وإن أجمعوا على أن (العالَم يتقهقر ويسودّ)، يحاولون بناء شبكة قراءة جديدة لتبين الأسباب التي تجعل الناس ينتخبون ممثلين يمارسون دائما سياسات لا تخدم مصالحهم

كما يعترف غايسلبرغر بأن الفكرة نشأت عقب أحداث 13 نوفمبر 2015 في فرنسا، وتولدت عنها أسئلة بسيطة في ظاهرها، ولكنها عميقة الغور في الواقع “ما الذي أوهانا إلى هذا الوضع؟ وفي أيّ وضع سنكون بعد خمس سنوات، أو عشر أو عشرين؟ وكيف السبيل إلى وضع حدّ لهذا الارتداد الشامل، وكيف نُحدث حركة مضادّة؟ وأخيرا كيف نَخرج من عصر الارتداد؟”، تلا ذلك جدل حامٍ في ألمانيا حول استقبال المهاجرين، كان من نتائجه انتشار الشعبوية واليمين المتطرف عبر العالم. يقول غايسلبرغر “حاولنا خلق منتدى عابر للبلدان لنقاوم عالمية القوميين. وإذا كان كارل بولانيي قد تنبأ في كتاب ‘التحول الأكبر’ بنهاية الاقتصاد الليبرالي، فإن غاية هذا الكتاب مواصلة لجهوده، بأصوات متعددة”.

وفي رأيه أن المسألة تستدعي نوعين من ردود الفعل: الاستياء، مع ما يتبع ذلك من أنماط أخرى من المشاعر القريبة كالنيهيلية واللامبالاة والاكتئاب والتسليم بالأمر الواقع؛ أو النظر النقدي، وما يتصل به من إرادة ترفض الاستسلام للخيبة ونهاية الآمال، وتشتاف آفاقا سياسية مستجدة.

وما هذا العمل المشترك إلا وفاء للموقف الثاني، موقف النظر النقدي الذي يقترح هنا تشخيصا للأسباب التي أدّت إلى النكوص والارتداد، مثلما يقترح سبلا ممكنة لإنعاش التطور. ولئن بدا هذا المسعى غير جديد -لكون تشخيص المفكرين لمرحلتهم هو أقل ما يحويه مشروع كل نشاط فكري- فإن ما يميزه تعدد الأصوات وتنوّع أصولها وتباين آفاقها، وكأن رهان نظرة نقدية إيجابية حول الأزمة الحالية يتجاوز الإطار الوطني الصرف أو الحقل المعرفي المخصوص. وفي ذلك دلالة على أن الأزمة تهمّ الجميع، وأن الخروج منها يستوجب تضافر جهود كل الأطراف ووضع صيغة مشتركة لتأمّلاتهم النظرية. ولو أن من بين تنوع الأنظار تلك تبرز رغبة ملحة في وضع حدّ لنزوع العالم إلى اليمين، وإدماج التحولات الإيكولوجية، من أجل إنعاش تقدم خاص بالقرن العشرين، متحرّر من الرؤية الاشتراكية الديمقراطية التي عفا عليها الزمن. تقدّمٌ ينتشل الديمقراطية مما أصابها من إنهاك، ليواجه “الارتداد الكبير” الذي يمر به الغرب عبر تحول جديد نحو “مسار تحضّر حثيث”، وليس نحو ما يسميه أوليفر ناختفاي مسعى “إزالة الحضارة”، المتصل بالضغينة، أي خلاف ما عناه نوربرت إلياس في “نكران” الحضارة اليومية، باسم “حضارة غربية خيالية”.

هؤلاء المثقفون، وإن أجمعوا على أن “العالَم يتقهقر ويسودّ”، يحاولون بناء شبكة قراءة جديدة لتبين الأسباب التي تجعل الناس ينتخبون ممثلين يمارسون دائما سياسات لا تخدم مصالحهم. وخلافا للسلام الأبدي الذي نظّر له فوكوياما في “نهاية التاريخ” عند انتهاء الحرب الباردة، يشهد العالم “انتفاضة ذات شمولية عالمية”، انتفاضة “تنذر بنبذ الديمقراطية الليبرالية على الصعيد العالمي وتعويضها بشكل آخر من الاستبداد الشعبوي” على حدّ رأي الهندي أرجون أبادوراي، أو أنه يجد نفسه أمام وعدٍ بحياة سعيدة تمخّضَ عن كابوس كما يقول البلغاري إيفان كراستيف، الذي يشبّه ما يجري في العالم بأبطال رواية “تواتر الموت” لجوزي ساراماغو حين كفّ سكان بلد صغير فجأة عن الموت، فانشغلوا بعد الفرحة بمشاكل كثيرة، منها حيرة الكنيسة في إقناع الناس بوجود الخالق، إذا ما انتهى الموت والانبعاث، وحيرة الدولة أمام عجزها عن دفع معاشات المتقاعدين إلى ما لا نهاية، والنتيجة أن رئيس الوزراء اقتنع في النهاية بأن البلاد لن يكون لها مستقبل إلا إذا عاد مواطنوها يموتون. وفي رأي كراستيف، فإن تجربة العولمة تشبه الكيفية التي عاش بها سكان هذا البلد تجربة الخلود، فالحلم في الحالين تحوّل إلى كابوس. فكيف يمكن والحال تلك أن ينظر الباحث إلى مرحلة البينَ بين هذه، كما يقول عالم الاجتماع الألماني فولفغانغ ستريك “مرحلة زالت خلالها علاقات السببية، وصار يمكن أن تقع في أيّ لحظة أحداثٌ غير متوقعة، خطيرة، خارجة عن الأطر المعتادة بشكل مثير”.

أما البولندي زيغمونت بومان مبتكر نظرية “المجتمع السائل” فيرى أن العولمة حوّلت بقاع الأرض جميعا إلى “أوانٍ مستطرقة” تتسرب محتوياتها فيما بينها باستمرار، وأن تنافر العناصر الثقافية يتحول بسرعة قصوى إلى ملمح مميز نهائي، ومُعْدٍ، للنمط المديني للتعايش البشري.

تخطيط: ساي سرحان

قد يكون النقد حادا أحيانا تجاه النخب الكونية التي خذلت الشعوب ببرودة دم، وتجاه يسار ثقافي تأقلم مع الليبرالية الاقتصادية بسهولة، فالبريكسيت وانتخاب دونالد ترامب هما في نظر الفيلسوفة الأميركية نانسي فرايزر تمرد انتخابي ضد النيوليبرالية التقدمية، واتحاد الحركات الجديدة (النسوية، مناهضة العنصرية، مناصرة المثلية…)، والاقتصاد المتطور. فبينما كانت أوضاع العمال تتردّى، حتى في عهدي كلينتون وأوباما، كانت التصورات الفردانية للتطور تعوِّض تدريجيا تصورات التحرر والمساواة.

وردّا على الأوضاع المتردية، سارع بعضهم إلى إلقاء تبعاتها على النخب السياسية والثقافية والاقتصادية -إضافة إلى الملوَّنين والمسلمين- إذ لا فرق في نظرهم بين وول ستريت والنسوية، بل هما شيء واحد تمثله هيلاري كلينتون بامتياز. أما الكاتب الهندي بنكاج ميشرا الذي حاز شهرة واسعة عن كتابه “زمن الغضب”، فيذهب إلى القول إن مُثُل الديمقراطيات الليبرالية الداعية إلى المساواة، حينما تعولمت ولّدت الضغينة. لقد وقع استبعاد الدين والتقاليد منذ أواخر القرن العشرين على أمل أن يتوصّل أناس عقلاء إلى تكوين مجموعة سياسية ليبرالية، بيد أن هذا السعي الأساس للحداثة العلمانية، الذي لم يكن يهدده غير الأصوليين الدينيين، صار مهددا أيضا بديماغوجيين في قلب هذه الحداثة العلمانية نفسها، أي أوروبا والولايات المتحدة.

والخلاصة أن ثمة إجماعا على أن العولمة أدت إلى التفكك الاجتماعي، الذي ولّد بدوره رغبة مرَضية في عالم منغلق على نفسه، خلقت ضغائن ضد الأقليات في الداخل ونزوع إلى قطع الصلة بالخارج، كما أن المال كسب معركته مع الأديان للفوز بالكونية، فلم يعد ثمّة وجود ليمين ويسار، بل لناهبين “تحلقوا حول عِجل ذهبي”، بعبارة ميشيل ومونيك بانسون. ولا عزاء لبقية العالم.

وأمام هذه الدعوات الشعبوية إلى التقوقع داخل مجموعات قومية أو عرقية أو دينية، يسلط الكتاب الضوء على مجموعات من نوع آخر، تقوم على العيش في نفس الجوار، والعمل داخل نفس المؤسسة، ومواجهة نفس المشاكل. أي أنها، كما قال الإسباني ثيسار رندويليس، دعوة إلى العودة إلى حياة عائلية ومهنية طبيعية.

“عصر الارتداد” هو زمننا دون ريب، وهو أيضا زمن الوعي النقدي، الذي ينشط في شبكات الفكر بكل أشكالها، وإن لم يكن لها ما لمحترفي السياسة من حضور، فهي التي تساعدنا على تبين الطريق الصحيحة. بقي أن نشير إلى استثناء المفكرين العرب والمسلمين في هذه المبادرة، وكأنهم أبعد ما يكونون عن تقديم الوصفة الشافية لهذا العالم المعتلّ.

كاتب من تونس مقيم بباريس

11