سبل جديدة لاتقاء كوارث مقبلة

إدغار موران يؤكد أنه حان الوقت لإعادة النظر في العولمة التقنية الاقتصادية، وذلك بجعلها تحتوي على نقيضها لإنقاذ الأراضي المحلية والشعوب المهددة في فضائها الحيوي.
الخميس 2020/07/09
الحياة مغامرة غير مضمونة

ما زالت البشرية كلها مذهولة، لا تفهم كيف استطاع فايروس ضئيل لا يُرى بالعين المجردة أن يزعزع العالم. هل تكفي هذه الهزة كي تعي البشرية أن مصيرنا واحد، وأن الوقت حان كي تراجع الدول المصنعة هذا السباق المحموم نحو التطور التقني والاقتصادي؟ في كتاب جديد عنوانه “لنغيّرِ السّبيل، دورس فايروس كورونا”، يؤكد إدغار موران أن المستقبل غير المأمون هو الآن في حالة مخاض، ولا بدّ أن تتضافر الجهود كي نجعل قوامه تجديدا في السياسة، وحماية للبيئة، وأنسنة للمجتمعات.

تتوالى الإصدارات الجديدة التي يحاول أصحابها فهم الجائحة وأسبابها، أو استخلاص العبر ممّا خلقته في العالم من آثار غير مسبوقة، فقد عرفت البشرية أوبئة وجوائح كثيرة، ولكن لم يسبق أن أحدث وباء أو طاعون وحتى جائحة هذا الشلل الذي أصاب العالم كله، وأدخله في أزمات آخذ بعضها برقاب بعض.

من المؤلفات التي رصدت مظاهر الخلل واستخلصت منها عبرا، وسعت إلى تقديم ما يمكن اعتبارها نصائح كتاب “لنغيّرِ السبيل، دورس فايروس كورونا” لعالم الاجتماع المعمّر، والفيلسوف صاحب نظرية التعقيد إدغار موران.

 بعض العبر يهمّ البشرية بأسرها، وبعضها يخص بلاده فرنسا، فقد أوضح أن الأزمة كشفت بجلاء نقائص سياسة قدّمت رأس المال على العمل، وضحّت بالحيطة والوقاية باسم المردودية والتنافسية.

ما كشفته الجائحة

يستخلص موران أن ثمة مشكلين أساسيين لا بدّ من علاجهما بشكل عاجل: أولهما مشكل العقيدة العلمية المزعومة المسيطرة على أغلب بلدان العالم، والتي تحصر كل سياسة في الاقتصاد، وكل ما هو اقتصادي في مذهب التنافس الحر كحلّ لكل المشاكل الاجتماعية، وهي عقيدة تُفاقم في الواقع التفاوت الاجتماعي بشكل فظيع، وتمنح سلطة لا حدود لها للقوى المالية. وثانيهما مشكل إدارة دولة ذات بيروقراطية مهولة خاضعة في قمتها لضغوط ومصالح تعطل كل إصلاح. وفي رأيه أن ذلك ناجم عن الفكر السياسي أدى بدوره إلى تشظي الحزب الاشتراكي، وتآكل اليمين الجمهوري، والبحث العبثي هنا وهناك عن مشروع مجتمعي متكامل، وغضّ النظر عن سبل إنقاذ سياسي وإيكولوجي واجتماعي وحضاري.

“إذا لم نستطع إضفاء المعنى على هذه الجائحة، فلنحاول على الأقلّ أن نستخلص منها دروسا للمستقبل”، ذلك مطمح كتاب فيلسوف المسائل المعقدة إدغار موران، الذي كان شاهدا طيلة حياة تناهز القرن على حروب وثورات ومشاكل اجتماعية واقتصادية لا حصر لها. دروس حول وجودنا، ووضعنا الإنساني، وعدم يقينية حياتنا، وعلاقتنا بالموت، ويقظة التضامن، والتفاوت تحت الحجر الصحي، واختلاف الوضعيات، وطرق التصرف مع الجائحة عبر العالم، وطبيعة الأزمة، والعلم والطب، والذكاء، وتقصير الفكر السياسي.

إذا لم نستطع إضفاء المعنى على هذه الجائحة، فلنحاول على الأقلّ أن نستخلص منها دروسا للمستقبل

لقد غيرت هذه الجائحة علاقتنا بالموت، لأن الحداثة العَلمانية كبتت شبحه، ولم يبق له حضور إلا في أذهان المؤمنين، ثم جاء الفايروس ليعيد الموت إلى راهن المعيش اليومي، ولاسيما الموت الفردي الذي طالما كان يتمّ إرجاؤه إلى المستقبل. غير أنه ظهر في أبشع صورة، أملاها الواقع الصحي بحرمانه الطقوس الضرورية لتثبيت الغياب اجتماعيا، وقد أعرب حتى العلمانيون مثل موران أن الإنسان يحتاج إليها ليُحيي في الأذهان صورة الشخص الميت، ويخفف ما يصيبه من ألم. يقول موران إن كل حياة هي مغامرة غير مضمونة، فنحن لا ندري مسبقا كيف تكون حياتنا المهنية، ولا كيف ستكون صحتنا أو عواطفنا، ولا ما سوف يحدث، رغم أننا نعرف أن موتنا محتوم.

وبرغم ما أحدثته الجائحة على شتى المستويات، يعتقد موران أن لها مزايا كثيرة، فقد أنعشت الذاكرة بعد أن طمست الأوبئة الكبرى التي شهدها العصر الوسيط، والأزمات الاقتصادية السابقة حيث ظن الإنسان أنه ككائن جبار فرض سيطرته على الطبيعة سيطرة مطلقة، كما أيقظت روح التضامن ودفعت إلى مقاومة الفردانية الأنانية، ونبّهتنا إلى اختلاف الأوضاع البشرية وفداحة التفاوت والشكوك العلمية. والمطلوب اليوم رفع التحدّيات التي تطرح على الإنسان، منها تحدّي العولمة المأزومة، والتحدّي الوجودي والسياسي والرقمي والإيكولوجي والاقتصادي. وإذا لم نرفع تلك التحديات، يقول موران، فالخطر الذي يتهددنا سيكون تراجعا فكريا وأخلاقيا وديمقراطيا.

معالجة الإخلالات

موران لا يقترح ثورة، لأن الثورات غالبا ما خلقت قمعا منافيا لمهمتها التحريرية التي تجمح بها عند الانطلاق، بل سبيلا يضم ما ينبغي أن تكون عليه التوجهات السياسية والإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية، أي تلك القضايا التي سبق أن فصّل فيها القول في كتابه “السبيل” الصادر عام 2011. هذا السبيل أو الطريق الجديد يفترض حوكمة تشاور بين الدولة والجهة والمواطن، وديمقراطية تشاركية، وسياسة تمزج بين العولمة ونزعها، بين التنمية وانحسارها، بين التطور وكبحه. ويرى في هذه المتقابلات سبل انفتاح وتضافر وتكامل، ويضرب مثلا على ذلك بالطبيعة نفسها، فعناصرها المتناظرة في الظاهر، هي في الواقع مترابطة، يكمل بعضها بعضا لخلق التوازن.

الحداثة العلمانية كتبت شبح الموت
الحداثة العلمانية كتبت شبح الموت

ومن المسائل التي ركز عليها موران في ما يخص الإخلالات التي شابت سياسة فرنسا حتى تهاوت إلى وضع كارثي، جعلها تواجه جائحة كبرى بنوع من الاستهانة لكون البؤرة في أقصى جنوب آسيا، وبكثير من الاستعلاء إذ لم تبادر مؤسساتها الصحية الرسمية بالاتصال بنظيراتها الصينية كي تعلم على الأقل أصل الأزمة وسبل توقيها، السيادةُ والاقتصاد والمجتمع.

في ما يخص السيادة لاحظ موران أن نقل المصانع خارج البلاد كان من جرائره رهن فرنسا للاقتصاد الخارجي وتركها عارية من المنتوجات والمنتجين عند اجتياح الفايروس. وهو ما يطرح مسألة السيادة التي عادة ما توضع خطأ في مقابل العولمة، وفي رأيه أن الوقت حان لإعادة النظر في العولمة التقنية الاقتصادية، ولا يكون ذلك إلا بجعلها تحتوي على نقيضها لإنقاذ الأراضي المحلية والشعوب المهددة في فضائها الحيوي.

 وأما في ما يتعلق بالاقتصاد، ففي رأيه أن التنمية التي ينبغي أن تتواصل هي اقتصاد الحاجيات الضرورية وفي مقدمتها الخدمات العامة من صحة وتعليم ونقل وطاقات خضراء وفلاحة إيكولوجية، أما التي ينبغي تقليصها وحتى وضع حدّ لها فهي تلك التي تدخل في اقتصاد ما ليس منه كبير فائدة، كالأطعمة المصنّعة والأشياء التي تلقى بعد الاستعمال لأنها لا تقبل التصليح، إضافة إلى ضرورة تخفيض حركة النقل، البري والجوي بخاصة.

وأما من جهة المجتمع فقد رأى موران أن مواجهة التفاوت الاجتماعي، المتنامي هو أيضا، لا تكون إلا عبر فرض ضرائب على مضاربات البورصة، والترفيع في جباية المداخيل الكبرى، واللجوء إلى الأداء على الثروة والميراث مع تخفيض الضرائب على ذوي الدخل المحدود. يمكن مواجهة التفاوت أيضا من خلال إعادة الاعتبار للمهن المنبوذة، التي أثبتت جدواها أثناء الحجر الصحي كالحرفيين وأعوان النظافة والممرضين وأعوان النقل وموظفي الموزع الصوتي…

ورغم كل هذا الكمّ الهائل من المشاكل التي عدّدها، يبدو إدغار موران متفائلا، ففي رأيه أن في الإمكان تجاوز كل ذلك إذا تحلينا بالشجاعة، فمن الشجاعة اليوم أن ننخرط في سبيل جديد، لتجنب كوراث محتملة، قد تكون أشدّ خطورة من الكوفيد – 19.

14