سبونج بوب "الكردي" متهم بالتحريض على الفتنة والإرهاب في تركيا

كان احتفال أكراد تركيا، بعيد النيروز في مارس السنة الماضية، مضاعفا، احتفالا بالعيد، واحتفالا بإطلاق أول فضائية مخصصة للأطفال ناطقة باللغة الكردية، فيما روّجت الحكومة في أنقرة لهذا الحديث باعتباره يندرج في سياق الحريات التي تنعم بها الأقليات في اتركيا؛ لكن تغيرت الصورة مع محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو الماضي، وأضحت هذه القناة، التي تعرض أشهر أفلام الكارتون في العالم مدبلجة باللغة الكردية، متهمة بالترويج لأنشطة “انفصاليّة وتخريبيّة” في تركيا.
الأربعاء 2016/10/26
تركيا تغلق قناة للأطفال لأنها تعتبر محتواها تخريبيا

أنقرة – “حتّى سبونج بوب لا يمكنه الإفلات من الإجراءات المشدّدة في تركيا بعد الانقلاب”، تختزل هذه الجملة رغم طرافتها أحدث إجراءات التضييق والقمع التي تمارسها في السر الحكومة التركية منذ سنوات، ثم خرجت إلى العلن ومنحتها الشرعية محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو الماضي.

وسبونج بوب ليس الوحيد الذي تعرض لعملية القمع، بل هو واحد من بين مجموعة من أبطال الرسوم المتحركة، الذين تعرضهم زاروك، القناة الأولى والوحيدة في تركيا الموجهة للأطفال والناطقة باللّغة الكرديّة، حيث كتب محمود بوزارسلان، في صحيفة المونيتور، الأميركية، منتقدا قيام السلطات التركية بإغلاق القناة “أخيرا العام الماضي، بدأت السّنافر، ومايا النّحلة وسبونج بوب سكوير بانتس تتكلم اللّغة الكرديّة في تركيا، لكن أصواتها أسكتت الأسبوع الماضي عندما وقعت القناة ضحيّة عمليّة التطهير التي تواصلها الحكومة التّركيّة منذ الانقلاب الفاشل في 15 يوليو”.

حالة الطوارئ تمنح النظام صلاحيات استثنائية
اسطنبول – أدانت منظمات حقوقية تركية ودولية الممارسات القمعية للحكومة التركية التي تأتي تحت حجة حالة الطوارئ؛ حيث جاء في أحدث متابعات منظمة هيومن راتس للوضع الحقوقي في تركيا بعد انقلاب 15 يوليو، أن فرض حالة الطوارئ وصلت إلى مستوى منح الشرطة “تصريحا مفتوحا” لتعذيب وإساءة معاملة المعتقلين وتهديدهم.

وأشارت المنظمة إلى 13 حالة من إساءة المعاملة اشتملت على التعذيب والحرمان من النوم والضرب المبرح والإساءة الجنسية والتهديد بالاغتصاب تعرض لها معتقلون بعد المحاولة الانقلابية. وقال هيو ويليامسون، مدير مكتب المنظمة في أوروبا وآسيا الوسطى، في بيان “برفعها الضوابط ضد ممارسة التعذيب فإن الحكومة التركية منحت فعليا تصريحا مفتوحا للأجهزة الأمنية لممارسة التعذيب وإساءة معاملة المعتقلين”.

وضمنت المنظمة تقريرها العديد من الأمثلة عن معتقلين ظهرت رضوض وكدمات على أجسادهم، مؤكدة أن الخوف يمنع بعض المحامين من تسجيل أدلة على تعرض موكليهم للتعذيب. وصرح متخصص في الطب الشرعي للمنظمة “لم يخل أي جزء من جسد أحد المعتقلين من الرضوض”.

وفرضت السلطات التركية حالة الطوارئ في البداية لأيام عدة بعد محاولة الانقلاب، ومددتها 12 أسبوعا إضافيا في وقت سابق من هذا الشهر. كما مددت السلطات مدة الاحتجاز دون مراجعة قضائية من أربعة أيام إلى ثلاثين يوما، ومنحت تخويلا بحرمان المعتقل مقابلة محام لمدة تصل إلى خمسة أيام. واعتقل أكثر من 35 ألف شخص منذ محاولة الانقلاب للإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان.

وإلى جانب قناة الأطفال تم إغلاق مجموعة من الفضائيات الموجهة خصوصا للأكراد، من بينها فضائية جوفند التي تبث موسيقى شعبية، إلى جانب محطات إذاعية، في خطوة انتقدها روبرت ماهوني، المدير التنفيذي للجنة حماية الصحافيين، مشيرا إلى أن “تركيا تستهدف جانبا كبيرا من حرية التعبير الثقافي والسياسي من خلال إغلاق قنوات إذاعية وتلفزيونية للأقليات”. وأضاف “حين تعتبر الحكومة أن برامج الأطفال تمثل تهديدا للأمن القومي فإن هذا الأمر يكون إساءة استغلال واضحة للصلاحيات المخولة لها بموجب حالة الطوارئ”.

ويشاطره الرأي محمود بوزارسلان، الذي اعتبر بدوره أن قرار الغلق الذي طال 23 محطة تلفزيونية وإذاعية يأتي ليثبت الغاية من إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وهو يأتي كـ”جزء من حملة القمع واسعة النّطاق التي تشنّها أنقرة، مستعملة صلاحيات استثنائيّة أتيحت بفعل حالة الطّوارئ المعلنة، ضدّ مؤيّدين للانقلاب مشتبه بهم وغيرهم. ومع أنّ محاولة الانقلاب ألقيت لائمتها على مجتمع فتح الله كولن، اتّسع نطاق القمع ليطال الأكراد وغيرهم من مجموعات المعارضة”. وتبنى بوزارسلان سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي من إعلان، مستشهدا بأحد التعليقات الساهرة التي جاء فيها “من هو الانفصالي: سبونج بوب أو بابا سنفور؟”.

وليست المرة الأولى التي يتم فيها التضييق على المحطّات التّلفزيونيّة النّاطقة باللّغة الكرديّة في تركيا، لكنّ أحدا لم يتوقّع على الأرجح أن يطال الأمر قناة رسوم متحرّكة للأطفال، خاصة وأن التهمة التي ساقها النظام لتبرير قرار الغلق تزعم أن الأمر يأتي في سياق “محاربة الإرهاب والدعوات الانفصالية”.

وقد عبّرت رئيسة تنسيق البث في قناة زاروك، ديلك دميرال، عن استهجانها وقالت في تصريحات صحافية “إن القناة تعرض صورا متحركة وتنقل برامج عالمية للأطفال بعد دبلجتها إلى الكردية والزازاكية، على غرار السنافر وغارفيلد وسبونج بوب”، وتتساءل مستنكرة “كيف يُعقل أن ننخرط في أعمال تخريبية وانشقاقية ببرامج كهذه؟”.

وتؤكد الباحثة التركية سبيل هروتش أن القنوات التي أغلقت، لم تقتصر كما روج لها على الفضائيات التابعة لجماعة فتح الله غولن، المتهم بتدبير الانقلاب، كما لم تقتصر على الفضائيات الناطقة باللغة الكردية، بل شمل المنع أيضا وسائل إعلام موجهة لمشاهدين علويين ويساريين بشكل عام. واتهمت القنوات بنشر الدعاية الإعلامية دعما لنشاطات انشقاقية وتخريبية.

ومنذ إعلان حالة الطوارئ، تراجع وضع حرية الإعلام والتعبير في تركيا إلى ما دون الحدّ المروّع الذي كان عليه قبل محاولة الانقلاب.

وبحسب جمعية الصحافيين الأتراك، تمّ اعتقال أكثر من 100 صحافي منذ 15 تيوليو، بالإضافة إلى 2.500 شخص أصبحوا عاطلين عن العمل و660 شخصا أُلغيت بطاقاتهم الصحافية، وتم إغلاق عدد كبير من وسائل الإعلام، الأمر الذي رفع من عدد الصحافيين العاطلين عن العمل إلى أكثر من 10.000، بعد أن كان 7.000 صحافي عاطل، وهي حالة يقول محمود بوزارسلان لا تعطي أسبابا كثيرة للتّفاؤل.

12