"ستاتيكو" مسرحية سورية تغني "كل ده كان ليه"

بعيدا عن الاقتباسات المعتادة من النصوص المسرحية العالمية أو العربية، يحضر عرض “ستاتيكو” السوري ليعلن نفسه حالة مسرحية خاصة في أيام قرطاج المسرحية الـ19 التي تنتهي السبت بتونس، هو عمل مسرحي يحكي الهمّ السوري بعيدا عن غوغائية الخطب المباشرة والنمطية.
الأربعاء 2017/12/13
أمل في الحياة على حساب الآخرين

واكب عشاق الفن الرابع، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من أيام قرطاج المسرحية التي تنعقد بتونس في الفترة الممتدة بين 8 وحتى 16 ديسمبر الجاري، العرض السوري المعنون بـ”ستاتيكو” والمشتق من المصطلح اللاتيني (status quo)، أي الوضع الراهن، أو بمعنى آخر الثبات والجمود والهدوء في المكان والأفكار والرؤى، وهو ما قدّمه المخرج جمال شقير عن نص أصلي لشادي دويعر، حيث ينطلق العرض بأغنية لمحمد عبدالوهاب “كل ده كان ليه” التي تصدر من المسجلة الموجودة على الطاولة في شقة حكم المرتبة (قام بالدور سامر عمران)، الذي يدخل صالة شقته خارجا من الحمام ويستكمل ارتداء ثيابه ويتأنّق، وكأنه يجهز نفسه لموعد غرامي.

ينظر حكم متأملا مكتبته المليئة بالكتب ويتابع سيره ناظرا من النافذة المطلة على دمشق، ويتوقف عند لوحة “الغارنيكا” المعلقة على الحائط لبعض الوقت، ثم يتوجه باتجاه الطاولة ويوقف آلة التسجيل ويخرج المسدس ويبدأ بتسجيل رسالة انتحاره.

جمال شقير المخرج وشادي دويعر المؤلف، قدما في "ستاتيكو" الحرب السورية دون أن ينزلقا في الحديث المباشر عنها

انتحار مؤجل

ينتهي حكم ويرفع المسدس ويضعه على رأسه، لكن طرقات عنيفة على الباب توقفه وتشتت تركيزه فينهض ويفتح الباب ليجد جاره الأهوج الذي يعطل عليه فعل الانتحار بدخوله الفج إلى الشقة طالبا منه استعارة بصلة (قام بالدور محمد حيدر حمادة)، وبينما حكم يحضر البصلة التي طلبها الجار الشاب من مطبخ الشقة يقوم الآخر بتغيير ديكور الشقة بحجة أن الشقة تبدو كئيبة، الأمر الذي يستفزّ حكم عند خروجه من المطبخ، ثم يعطي حكم الجار البصلة ويطرده ويعود مسرعا ليضيف بعض العبارات الغاضبة الجديدة إلى وصية انتحاره.

يرفع حكم المسدس ويضعه على صدغه من جديد ليعود الطرق العنيف على الباب مرة أخرى ما يدفع حكم بالتوجه نحو الباب بعصبية، وكأنه قرّر إطلاق النار على من يطرق على بابه قبل أن ينتحر، لكن هذه المرة تظهر على الباب أمل (قامت بالدور نوار أحمد يوسف)، وهي الفتاة الجميلة المليئة بالطاقة والحيوية والتي تطلب من حكم أن يبقيها عنده بعض الوقت حتى يحضر لها الجار الشاب “فردة كندرتها” (فردة حذائها) بعد أن اضطرت إلى الخروج والهرب من شقته نتيجة وصول والده ووالدته غير المتوقع والمفاجئ إلى الشقة.

ومن خلال الحوار البارد المقتضب بين أمل وحكم، تعرف أمل أن حكم كان ينوي الانتحار فتصيبها حالة من الفرح الهستيري الغريب، فقد كانت الصدفة قد جمعتها بصديقة لها صباح ذلك اليوم، والصديقة تنبّأت لها عبر فنجان القهوة أنها، أي أمل، سترى رجلا مضرجا بدمائه ليلتها، وعندها ستدخل السعادة حياة أمل من كل الأبواب.

هذا الارتباط العبثي بين انتحار حكم وسعادة أمل يولد نوعا من العلاقة الغريبة بينهما، تلك العلاقة التي تتطوّر بينهما سريعا برغم الوقت القصير الذي لا يتجاوز الساعة والذي قضياه سويا.

قتل على سبيل الخطأ

يعود الجار في نهاية المسرحية حاملا فردة حذاء أمل المنقوصة، ليقوم خطأً بالمسك بالمسدس الذي كان حكم ينوي الانتحار به، ويطلق على حكم رصاصة طائشة فيسقط ميتا بعد أن كان على وشك أن يلغي انتحاره بعد لقائه بأمل.

وبعد موت حكم تخرج أمل من الشقة راكضة إلى الخارج فيلحق بها الجار، بعد أن يضع المسدس بيد حكم كي يظهر أمام كل من يمكن أن يأتي أن حكم قد انتحر وأن شريط انتحاره موجود في المسجلة.

عبثية الموت

هي حكاية عبثية، عن الموت العبثي، الذي نريده أن يأتينا فيتمنّع، وحين نقرّر أن نستعيد الأمل في الحياة كحال حكم بعد أن عشق أمل، يقتحمنا الموت دون سابق إنذار، ليعود المشاهد بطريقة أو بأخرى إلى بداية المسرحية حين كانت المسجلة تصدر أغنية عبدالوهاب “كل ده كان ليه”، وكأنّه عتاب من مؤلف المسرحية ومخرجها للقدر الذي عجّل بالهمّ السوري الراهن وأجّج حمام الدم فيه، دون الحديث ولو لمرة واحدة عن الحرب، عدا بعض الإشارات الركحية الدالة على حرب أهلية ربما تقع رحاها خارج الشرفة، وذلك من خلال لوحة “الغارنيكا” لبيكاسو المعلّقة على جدار الغرفة.

وبين الفينة والأخرى تحدث جلبة وصخب موسيقي عال لا يحتمل، مأتاه البناء المجاور لبيت حكم، حيث يدق أحدهم على آلة الدرامز دون أن يظهر على الخشبة (قام بالدور سيمون مريش) وكأنه مشي عسكري، بحذاء عسكري متواتر الإيقاع، ينبئ بكارثة، أو ربما ببطولة زائفة، ولم تفلح كل محاولات حكم الاحتجاجية في إيقافه.

هذه الرمزية تتكثّف أكثر في المشهد الأخير من المسرحية بعد أن يقتل الجار على سبيل الخطأ حكم، ويهرب هو وأمل، بعد أن ترك المسدّس بين يدي القتيل، وهو الذي سجّل قبل ساعة وصيّة انتحاره، فتُقيّد الجريمة ضدّ مجهول، كحال الثورة السورية التي انطلقت سلمية، لتنتهي إلى حمّام دم، من دون محاكمة أحد.

جمال شقير المخرج وشادي دويعر المؤلف، قدما في “ستاتيكو” الحرب السورية دون أن ينزلقا في الحديث المباشر عنها، مستعيضين عنها بحرب الفرد مع ذاته، مع حياة مثقلة بالهزائم والخيبات على وقع حمّام دم، وعنف يستنزف الذات ويعكّر صفو الملذّات، فيختار الانتحار بديلا، لكن الانتحار لا يأتيه، بل يقتل، وكأن قدر العرب، كل العرب، أن لا يختاروا شيئا، حتى طريقة موتهم.

16