ستاندال.. الكاتب الخارج عن القانون

السبت 2013/12/07

قبل أيّام، انتهيت من قراءة سيرة جديدة أعدّها فيليب بارتييه لواحد من مشاهير الروائييّن الفرنسيّين الكلاسيكيّين كان معاصرا لكلّ من شاتوبريان وبالزاك، أعني بذلك ستاندال (1783-1842)، صاحب الروائع مثل "الأحمر والأسود" و"شاتروز دي بارم" و"حياة هنري بريلار"، وغيرها.

ومثل كلّ المبدعين العباقرة، عاش هذا الروائيّ حياة تخلّلتها العديد من المغامرات والأحداث المثيرة والخارقة على مستويات متعدّدة. وهو ينتمي إلى عائلات مرموقة من مدينة غرونوبل. فقد كان والده محاميا في البرلمان، وكان مساندا للنظام الملكي. أمّا جدّه من الأمّ فقد كان بورجوازيّا مستنيرا، اشتهر بأعماله الإصلاحيّة لفائدة الطبقات المعدمة والفقيرة. وكان ستاندال في السادسة من عمره لمّا اندلعت الثورة الفرنسيّة في الرابع عشر من يوليو- تموز 1789، مُطيحة بالنظام الملكي، ومُعلنة الحرب ضدّ الكنيسة.

ورغم صغر سنّه، شعر ستاندال بميل لها. وعندما شُنق الملك لويس السادس عشر في الثالث من نوفمبر- تشرين الثاني 1790، وقف أمام أفراد عائلته المذهولين ليصرخ عاليا معبّرا عن ابتهاجه بذلك. وكانت صرخة الابتهاج تلك بداية تمرّده على عائلته المحافظة، وعلى الطبقة الارستقراطيّة بصفة عامّة منحازا للنظام الجمهوري، ولمبادئ الثورة.

ولمّا علم بأن قادة الثورة وضعوا اسم والده في قائمة المعادين لها اعتبر الأمر طبيعيا، ولم يحتجّ على ذلك. وفي ما بعد سيكتب قائلا: "كنت أكره القسّ، وكنت أكره والدي الذي يقويّ سلطة القسّ. وكنت أكره أكثر المسيحيّة التي باسمها كانوا يعذّبونني ويضطهدونني".

وفي سنّ السابعة عشرة، اجتاز ستاندال جبال الألب ليشارك في الحرب التي شنّها بونابرت على النمسا لتحرير إيطاليا. وفي مختلف المدن الإيطالية التي عشقها وعنها كتب أروع الصّفحات، عاش قصص حبّ عنيفة مع نساء فائقات الجمال. لذلك سيكتب في ما بعد ليقول إنّ الحب هو جوهر الكتابة. وبعدها عاد الى باريس ليعلن أنه سيكون موليير زمانه! وبطبيعة الحال، عاش صاحب "الأحمر والأسود" مغامرت مثيرة أخرى، غير أن مواقفه السياسيّة التي كشف عنها كاتب سيرته فيليب بارتييه استوقفتني أكثر من غيرها من المواقف. فصحيح أنه ابتهج بانهيار النظام الملكي، وانحاز إلى الثورة، وحارب في صفوف جيش نابليون الذي كان يطمح إلى الإطاحة بكلّ عروش أوروبا العجوز، غير أنه ظلّ متمسّكا بحريته الفرديّة حتى النهاية، حريصا على المحافظة عليها حتى في أكثر الفترات حلكة وحرجا.

والحرية عنده هي أن لا يمنع الفنان نفسه من تغيير أفكاره وآرائه في السياسة وفي غير السياسة، وأن يعارض نفسه بنفسه إن اقتضى الأمر ذلك. ورغم أنه كان مدافعا شرسا عن الديمقراطيّة، وعن مبادئها السامية، فإنه كان يظهر ميلا للحياة في صيغتها الأرستقراطية. وكان جلّ عشيقاته من العائلات المحافظة والنبيلة.

كما أنه كان ينفر من "الرعاع والعامة وسفلة القوم" بحسب تعبيره. لذلك كتب يقول في "حياة هنري بريلار"، التي فيها روى فصولا من سيرته الذاتيّة: "أحبّ الشّعب، وأكره الظّالمين والمستبدين، غير أنه سيكون لي ذلك بمثابة العقاب في كلّ لحظة من لحظات حياتي إذا ما أنا قبلت العيش مع الشعب".

وكان يرى أيضا أنّ الديمقراطيّة تؤديّ بالضّرورة إلى أن يصبح في السلطة الرديئون، والمنحطون ثقافيا وروحيّا، والسطحيّون، ومحدودو الآفاق. ولمّا عمل قنصلا لبلاده في بعض العواصم الأوروبيّة، قرأ ميكيافيلي بعمق، وأعجب بأفكاره، ومثله أصبح يعتقد أن السياسة عنف أو لا تكون. وهي أيضا كذب وخداع ودسائس بلا بداية ولا نهاية. وكان يقول: "السياسة مسرح للكوميديا الإنسانيّة". وبالنسبة إلى ستاندال، كانت الحرية وسيلة تمرّد ضدّ المجتمع، وضدّ الآخرين. لذلك كتب الناقد الفرنسي بيار دوكروزي يقول: "الفرد بمفهوم ستاندال هو الذي يجتثّ ذاته من ذاته، ويحرّر نفسه من سلاسله. ولكي يتخلّص من كلّ ما يكبّله، عليه ألاّ يرفض العنف الذي لا يمكن أن يكون غير الحريّة كفعل، وإرادتنا المجسّدة فيه. اعتمادا على هذا يمكننا أن نقول إن ستاندال خارج عن القانون سياسيّا واجتماعيا. وهو ليس لا هنا ولا هناك.

16