ستان لي رجل خارق يحمل قلب طفل

ستان لي صاحب الفضل في تحقيق نقلة نوعية في عالم الكوميكس، عبر ابتكار عدد غير محدود من الأبطال القريبين من اليافعين بشكل كبير جدا.
الخميس 2018/11/29
أبطال أحد أعظم الحالمين في التاريخ يرفضون رحيل ستان لي

كيف يمكن لرجل بلغ من العمر عتياً، وقارب المئة عام، أن يتمكن وبكل اقتدار من تحريك قلوب ومخيلات أناس لم يدركوا أعمار أحفاده أو أبناء أحفاده؟ سؤال بقي طيّ الكتمان، خاصة بعد رحيل هذا العملاق مؤخرا.

إنه ستان لي مارتن ليبر، الشهير بلقبه الفني الذي ألفه به رفاق عمله ستان لي والمولود في 28 ديسمبر عام 1922. والذي قرر أيضا في سني مراهقته ويفاعته، ألا يكون رجلاً عادياً حينما يكبر. لا بل قرر، وحسب مقابلات أجريت معه لاحقاً، أن يكون كاتباً روائياً عالمياً وأن يحتل المراتب الأولى في العالم.

هكذا بدأ ستان لي ينظر إلى نفسه وإلى قلمه. ويفخر فخراً كبيراً بموهبته، حينما بدأت العائلة بالتداول في مستقبل هذا الشاب الذي أضاع سنوات طويلة وهو يفتش عن نفسه في الأحلام. تدخل عمّه سولومن، حسب كاتب سيرة حياة ستان لي، واستطاع إيجاد وظيفة كاتب مساعد في مجلة “تايملي كوميكس” حيث رفض ستان لي الأمر بداية، ولكن ضغوط الأهل والأصدقاء عليه كي يدخل في الحياة الواقعية جعلته يقبل.

عالم وسط الحروب

ظهور ستان لي يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الولايات المتحدة الأميركية قد زجت بنفسها بشكل كامل في الحرب
ظهور ستان لي يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، حيث كانت الولايات المتحدة الأميركية قد زجت بنفسها بشكل كامل في الحرب

وما هي إلا أسابيع حتى تورط ستان لي في العمل الفني للكوميكس فالتقط الناشر والمالك للمجلة مارتن غودمان موهبته وأصالته في الإبداع التخييلي وجعله مساعده الأساسي ولم يكن قد بلغ من العمر حينها إلا السابعة عشرة. كانت الولايات المتحدة الأميركية قد زجّت بنفسها بشكل كامل في الحرب العالمية الثانية، في تلك الأثناء، وكانت البلاد عموماً بحاجة إلى أبطال خياليين يحققون ما لم تقدر عليه الجيوش في تحقيق العدل والسلم وقهر الظلم. فكانت مجلات الكوميكس التي تنشر قصصاً مصورة مرسومة رسماً في مربعات متجاورة تشكل في ما بين الرسم المثير والقصة الإبداعية شكلاً فنياً خاصاً بأميركا وفنونها الشعبية. لذلك كان ستان لي غير مقتنع بالمرة بهذا الفن الذي اعتبره أنه يخاطب البسطاء ولا يحقق ذلك التعقيد الذي يبتغيه لمستقبله ككاتب كبير ذي خيال خصب.

 ومع الأيام شهد ستان لي ولادة إحدى أهم شخصيات الأبطال الخارقين في القرن العشرين وهي “كابتن أميركا” التي ساهم بشكل مثير في تشكيلها عبر اقتراحاته الفذّة والحقيقية التي ألقاها على مؤلفها ورسامها جو سايمون وجاك كيربي عبر مجلة تايملي كوميكس، والتي حققت نجاحاً لا نظير له.

كانت الحرب ضد النازية مستعرة تشعل العالم في كل بقاع الأرض، وكان الإعلام يركز على فكرة أن الخير يقارع الشر ولا بد له أن ينتصر، حينها فغر ستان لي فاهه من دهشة النجاح وحجم التجاوب الشعبي والرسمي والإعلامي والتجاري مع تلك الشخصية.

بعد هذا الحدث بعام واحد التحق ستان لي بالخدمة العسكرية وسافر عبر الأطلسي ليشارك في معارك الحرب العالمية الثانية، وليختبر بنفسه وعلى أرض الميدان كيف يصنع الأبطال؟ ويقرأ بنفسه بحروف من دم ماهية الشر والقهر والموت والظلم وضرورة انتصار الخير.

كانت قراءته الساذجة قبلاً لفكرة صراع الخير والشر متحكمة به، ولكن الحرب الدامية صقلت تلك الفكرة بحجر من صوان قاس. حينها عاد ستان لي مع نهاية الحرب مضرجاً بالقصص والحكايا التي لا يمكن سلخ الخير فيها عن الشر ولا يمكن صناعة بطل شرير أحادي التوجه بهذه البساطة، دون وجود عوامل تجعل الشرير شريراً والبطل بطلاً، لهذا قرر الانكفاء عن صناعة وكتابة الكوميكس، والانتقال إلى تحقيق حلمه الكبير في الكتابة ككاتب كبير حقيقي يعمل على روايات وقصص تشبه الناس الطبيعيين.

الكوميكس والواقع

عوالم ستان لي ليست منفصلة عن قضايا أميركا واهتمامات الشارع، فكانت على الدوام قضايا دعم المرأة حاضرة في أفكاره وفي شخصياته الخارقة
عوالم ستان لي ليست منفصلة عن قضايا أميركا واهتمامات الشارع، فكانت على الدوام قضايا دعم المرأة حاضرة في أفكاره وفي شخصياته الخارقة

اصطدم عقل ستان لي بالواقع الحقيقي لمهنة الكتابة واستشرف قدراته الكتابية واللغوية وتأمل طويلاً في ردود الأفعال على كتاباته الأولى حيث تنقل طويلاً بين الأنواع الأدبية، فكتب أدبَ رعب وأدبا رومانسيا وخيالا علميا. حتى أنه كتب كتابات ساخرة كوميدية. ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يكون ذلك البطل الأدبي الذي أراد لنفسه أن يكون. ولكن عناده وإصراره استبدا بقراره الفني، ومع مرور السنين اقترن بزوجته التي رافقته حتى نهاية حياته حيث بدآ تكوين أسرتهما الصغيرة، حيث ازدادت هموم الحياة مع ازدياد الفشل المهني والتدهور الفني في مخيلته وإبداعاته. استمرت هذه المرحلة خمسة عشر عاماً ظن فيها ستان لي أنه انتهى فنياً، وأن ما تبقى له من الحياة ليس إلا محاولات لنقل رسالته إلى طفليه عبر تقديم أفضل مستوى تعليمي وفني لهما كي يدخلا جامعة متميزة ويشقا طريقهما بنفسيهما.

ولكنه وفي لحظة تجلٍّ ذهني وفي أحد حواراته مع زوجته جوان في العام 1963، اقترحت عليه بعد الضغوط المالية الكبيرة على العائلة أن يعود إلى عالم الكوميكس وإلى ابتكار الشخصيات الخارقة، نظراً إلى تجربته الناجحة جداً في المشاركة مع التايملي كوميكس في إطلاق شخصية كابتن أميركا.

ومع رفضه التام أصرت جوان عليه حيث كان ستان لي لا يملك شيئاً حتى يخسره، بالمقابل كان غودمان مالك وناشر مجلة تايملي كوميكس يبحث عن مخرج حقيقي لتدهور المجلة فقرر أن يشارك ستان لي بنسبة معقولة من الأسهم، وانطلق الاثنان بدماء وأفكار جديدة لخلق عالم أبطال لم يشهد مثله العالم.

أسرار ستان لي

شخصيات ستان لي تواكب العصر وتقارع الزمن فانطلقت من جعبته تلك الشخصيات الخالدة في عقول اليافعين مثل سبايدرمان وأيرون مان وأنت مان والرجل الأخضر هالك
شخصيات ستان لي تواكب العصر وتقارع الزمن فانطلقت من جعبته تلك الشخصيات الخالدة في عقول اليافعين مثل سبايدرمان وأيرون مان وأنت مان والرجل الأخضر هالك

استطاع ستان لي تحقيق نقلة نوعية للشركة عبر ابتكار عدد غير محدود من الأبطال القريبين من اليافعين بشكل كبير جداً وكانت أولى إبداعات المجلة هي شخصيات ستان لي المثيرة “الفانتاستيك فور” التي استطاعت تحقيق إيرادات ومبيعات كبير جداً رفع المجلة إلى مصاف كبرى دور النشر والتوزيع مقارعة مؤسسة دي.سي كوميكس مالكة البطلين الأسطوريين سوبرمان وباتمان اللذين تربعا على عرش قلوب أنصار الكوميكس حتى وصول ستان لي ومؤسسته مارفيل.

هكذا بات الأبطال الخارقين الأربعة الذين يتحدون عوالم الشر في تصدر الأعمال الفنية الأكثر شعبية في الولايات المتحدة وباتت نسخ أعداد المجلة الأولى التي تحمل أوائل القصص عن الفانتاستيك فور تعتبر من كلاسيكيات الكوميكس وتباع في المزادات العلنية بأسعار خيالية، وانفجر مخيال ستان لي مرة وإلى الأبد في ابتكار شخصيات تواكب العصر وتقارع الزمن فانطلقت من جعبته تلك الشخصيات الخالدة في عقول اليافعين مثل سبايدر مان وأيرون مان وأنت مان والرجل الأخضر هالك وثور وديرديفيل واكس مين. محققاً أرباحاً بمليارات الدولارات متربعاً على عرش صناعة الكوميكس إلى الأبد.

ولكن ما هو سر ستان لي الذي مكّنه من السيطرة على عقول مئات ملايين الشبان والشابات، ببساطة كانت تجربة لي الحياتية وصراعه مع نفسه هو الحافز الأساسي لديه في تحقيق تغيير وتبديل في عوالم الأبطال الخارقين ليكونوا أقرب إلى المتابعين والعشاق، فعلى نقيض سوبرمان الذي أتى من الفضاء الخارجي وتبنته عائلة أميركية ومن ثم اكتشف أن مرد قواه الخارقة من كريبتون في الفضاء، انطلق سبايدرمان من عائلة أميركية بسيطة تعيش على هامش الواقع الأميركي ولكن صدفة كبيرة أثناء رحلة مدرسية قام بها البطل الأساسي بيتر باركر إلى الغابات يصاب بلدغة من عنكبوت بري فيتأثر الحمض النووي لديه مما يعطيه قدرات خارقة في ما بعد منها تسلق الجدران والسقف واستشعار اقتراب الخطر مما ساعده على أن يصير البطل الخارق سبايدر مان.

بالتالي فإن تعديلات ستان لي على أصول الأبطال كان لها صدى لدى المتابعين في شعورهم بقرب البطل الخارق منهم وخروجه من بين ثنايا طبقتهم الاجتماعية وليس نزوله من الفضاء مثل باتمان وسوبرمان. مع إضافة جوانب سلبية وحتى شريرة بسيطة لدى بيتر باركر تجعله بشريا غير كامل مثل كل البشر وليس منزهاً عن الخطأ أو الفشل مثل الأبطال السابقين ممن أنتجوا من الشركات المنافسة، هكذا إذن استطاع ستان لي توليف الأدب وما تعلمه في صناعة الكتابة في تطوير صناعة الكوميكس وتحديثه، مستبدلاً اللغة بالصورة والكلام بالألوان، منطلقاً في عالم جديد لا يحده سوى الخيال.

أطياف الرجل العنكبوت

 تعديلات ستان لي على أصول الأبطال كان لها صدى لدى المتابعين في شعورهم بقرب البطل الخارق منهم وخروجه من بين ثنايا طبقتهم الاجتماعية
 تعديلات ستان لي على أصول الأبطال كان لها صدى لدى المتابعين في شعورهم بقرب البطل الخارق منهم وخروجه من بين ثنايا طبقتهم الاجتماعية

 انطلقت دفعات ودفعات من النجاح تتوالى في أعداد مجلات الكوميكس التي أشرف عليها ستان لي بنفسه، وانطلقت مخيلته متدفقة لتسابق خيال أكثر اليافعين جموحاً وبراحة ذهنية، مطلقاً أول بطل خارق ذو بشرة سوداء هو البلاك بانثر، وسيلفر سيرفر كذلك، دافعاً عجلة الإبداع نحو الأمام بشكل استثنائي مخترعاً عوالم موازية للكوكب الذي نعيش فيه، واضعاً البطل الخارق في أكثر وأغرب الاحتمالات التي من الممكن أن يفكر به أي كاتب أو متابع محترف للكوميكس، وهكذا صنع المرأة العنكبوت ووضعها في العالم الموازي المعروف باسم الأرض 65. حيث يستبدل مقتل الحبيبة الأولى في القصة الأساسية، بمقتل سبايدرمان نفسه وتعرض الحبيبة لعضة العنكبوت التي ستعطيها تلك القوة الخارقة.

ثم أطلق نسخة سبايدر مان المستقبل، وهي إحدى أشهر نسخ سبايدرمان في العوالم الموازية تلك العالم التي لا يعرفها إلا أشد المخلصين والمتابعين لعوالم مارفيل وستان لي، والذين يطلق عليهم ستان لي نفسه اسم “المؤمنون” مطلقاً عليه اسم سبايدر 2099. حيث لدينا رجل يدعى ميغيل أوهارا وهو عالم كيمياء يعمل على بحوث التعديل الجيني وصياغة الشيفرات الوراثية، والمختبرات دائماً هي من أفضل مناخات قصص ستان لي، ولكنه يقرر أن يقوم بإجراء التجارب على نفسه بعد مقتل أحد فئران التجارب البشرية تحت تجربة من تجاربه، وحينما يقرر خصمه تصفيته عبر العبث بالتجربة يكتشف أوهارا بعد نجاته أن حمضه النووي قد اختلط مع جينات عنكبوت ما مما أكسبه العديد من الخصائص الخارقة.

مع المرأة وضد العنصرية

مجلات الكوميكس التي تنشر قصصاً مصورة مرسومة رسماً في مربعات متجاورة تشكل في ما بين الرسم المثير والقصة الإبداعية شكلاً فنياً خاصاً بأميركا وفنونها الشعبية. لكن ستان لي كان غير مقتنع بالمرة بهذا الفن الذي اعتبره أنه يخاطب البسطاء.
مجلات الكوميكس التي تنشر قصصاً مصورة مرسومة رسماً في مربعات متجاورة تشكل في ما بين الرسم المثير والقصة الإبداعية شكلاً فنياً خاصاً بأميركا وفنونها الشعبية

 عوالم ستان لي الساحرة تحمل الملايين من متابعيه إلى خيالات لا حدود لها وعوالم لا نهاية ولا قرار فيها، ولكن لم يكن ستان لي منفصلاً عن قضايا أميركا واهتمامات الشارع، فكانت على الدوام قضايا دعم المرأة حاضرة في أفكاره وفي شخصياته الخارقة، وقضايا رفض العنصرية ودعم التعددية كذلك كانت على الدوام حاضرة في مسلسلاته المصورة ومنها التنوع العرقي في الاكس مين وأيضاً إعلانه موت بيتر باركر “سبايدرمان الأصلي” واستبداله بسبايدرمان آخر من أصول أفريقية يونانية شاب يدعى مايلز موراليس. وبذلك تكون شركة مارفيل قد انتقلت بأبطالها من المرحلة الأميركية الصرفة إلى أن يكون سبايدرمان الجديد منتمٍيا إلى العالم بدلاً من الانغلاق على الذات الأميركي.

هكذا إذن ينفتح ستان لي على العالم كما تتفتح الأفكار في رأسه منتقلة من الكوميكس المصور إلى المسلسلات التلفزيونية إلى مسلسلات الأطفال إلى الأفلام السينمائية التي تحقق مئات الملايين من الدولارات والأرباح، ويتحقق حلم ستان لي في أن يصبح أحد أكبر وأهم كتّاب عصره ممن حققوا تأثيراً غير محدود على الملايين من القراء والمتابعين من الباب الأخير الذي لم يكن هو نفسه يتوقع أن يفتح له، توفي ستان لي عن عمر 95 في 12 نوفمبر الحالي، تاركاً خلفه إرثاً لا يقدر بثمن من ثقافة عصر الديجيتال والصورة والأبطال الخارقين.

12