ستة أفلام مصرية في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي

الثلاثاء 2014/11/18
فيلم "حائط البطولات" الممنوع من العرض خيب آمال النقاد

القاهرة - ستة أفلام هي مجموع الأفلام المصرية المشاركة ضمن الأقسام المختلفة لفعاليات الدورة السادسة والثلاثين (من 9 إلى غاية اليوم الثلاثاء 18 نوفمبر الجاري)، التي يعود بها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بعد غياب عن ساحة المهرجانات الدولية نتيجة إلغاء دورة العام الماضي.

تتراوح المشاركة المصرية هذا العام بين العرض العالمي الأول لثلاثة أفلام هي “باب الوداع” لكريم حنفي المشارك في المسابقة الدولية، و”زي عود الكبريت” إخراج حسين الإمام في قسم أفلام عن السينما، و”حائط البطولات” إخراج محمد راضي في قسم عروض خاصة، وهو الفيلم المفرج عنه بعد أن ظل ممنوعا من العرض لمدة 15 عاما، لأسباب قيل وقتها أنها سياسية تخص نظام مبارك.

وهناك فيلمان يقدّمان للمرة الأولى في أفريقيا والشرق الأوسط، هما “القط” لإبراهيم البطوط، و”ديكور” لأحمد عبدالله، الأول سبق عرضه في مهرجان أبوظبي، والثاني في مهرجان لندن.

وهناك فيلم “الحرام” إخراج بركات ضمن برنامج كلاسيكيات السينما، كما يقام على هامش المهرجان معرض “مئوية بركات” احتفالا بمرور مئة عام على ميلاد المخرج الذي يعتبر من أهم مخرجي السينما المصرية.


في حضرة الوداع


يمكن القول إن الأفلام المصرية الثلاثة التي شهدت عروضها الأولى خلال المهرجان أي “باب الوداع” و”زي عود الكبريت” و”حائط البطولات”، يمكن أن يتمّ ربطها بشكل غير مباشر مع ثيمة الوداع على اختلاف تنويعاتها.

الأفلام المصرية الثلاثة التي عرضت خلال المهرجان، يمكن أن يتم ربطها مع ثيمة الوداع على اختلاف تنويعاتها

الحياة ما هي إلا باب للوداع، وداع الأحباب الذين نلتقي بهم خلال أعمارنا القصيرة، التي لا يمكن أن نعيشها إلا إذا طردنا الهواجس التي تلاحقنا خوفا من الفقدان والموت المقيم الذي لا يفارق أرواحنا، هذه واحدة من تجليات فيلم “باب الوداع” لكريم حنفي الذي استغرق إعداده أكثر من أربع سنوات.

وهو الفيلم الذي يمثل مصر في المسابقة الدولية، وأكثر الأفلام المصرية المشاركة في المهرجان إثارة للجدل لما اتسم به من حالة سينمائية خاصة، تتعلق بالشكل الذي اختاره المخرج للتعبير عن أفكاره حول الموت والحياة والحزن الذي يسكن النفوس أسى على فقدان قريب. من خلال مزيج بصري يجمع ما بين التعبيرية والسريالية والإيقاع التأملي البطيء واللقطات الطويلة، ذات التكوينات المجرّدة من العناصر الدرامية التقليدية، يشعرنا كريم أنه كان بصدد إنجاز فيلم قصير قرّر تمديده قليلا، ولا توجد حكاية محدّدة فيه، بل نحن أمام شعور أو حزم من المشاعر المختلفة.

فهناك الابن الصغير الذي فقد والده وترمّلت أمه والذي نراه في مشهد البداية الطويل يزور المقابر مع جدته، وهناك الأم التي يبدو أنها ترمّلت في سن مبكرة والتي نراها في لقطة طويلة أمام المرآة تقص شعرها، وكأنها تعلن الحداد الروحي للعالم الذي انتزع منها زوجها.

لا يوجد حوار في هذا الفيلم، ولا حاجة لحوار، لأننا لسنا أمام شخصيات بأبعاد تقليدية وصراع كلاسيكي وحبكة واضحة الأبعاد، بل أمام نوبات من المشاعر التي يختلط فيها الزمن بالهاجس، والواقعي بالمتخيل المرعب، والحاضر بالمنتظر.

لكن أزمة الفيلم ليست في نوعيته تحديدا، ولكن في تفاصيله التي تشعرك بأنك شاهدتها من قبل في العديد من التجارب المماثلة شكلا ومضمونا؛ الجدّة التي تعدّ القهوة على سبرتاية، الابن المحبوس خلف زجاج معرض للمطر، صور الغائبين التي تنزف دمعا من أثر الشموع التي تتوقد أمامها، يد تتحسس حائطا خشنا تذكرنا بمشهد شهير لفلليني حين كان يحلم بروما، شابة ترتدي ملابس حداد وطرحة زفاف تذكرنا بلمحات من فيلم المستحيل لحسين كمال.

المتفرج وصل إلى تخمة الملل البصري في فيلم "باب الوداع"

بالإضافة إلى إيقاع بليد هدفه التطويل، وليس الإشارة إلى طبيعة المشاعر التي تخطر بروح الشخصية، مثل مشهد الاقتراب من الأم (سلوى خطاب)، وهي تجلس أمام المرآة لتقص شعرها في إعلان للحداد الأبدي، حيث استغرق المشهد ضعف الوقت الذي كان يحتاجه لإيصال الشعور والفكرة، لكن وصل بالمتفرج إلى تخمة الملل البصري، وهو ضدّ قوة الحكي أو تماسك البناء الزمني لأيّ فيلم.

عن البطولات


أما فيلم “حائط البطولات” فهو تجربة لا تستحق التوقف أمامها لا بالمشاهدة ولا بالكتابة، فعلى حدّ قول أحد النقاد عقب انتهاء الساعتين وربع الساعة، الزمن الذي استغرقه الفيلم: “يجب أن نشكر نظام مبارك، لأنه منع عرض هذه الكارثة لأكثر من 15 عاما”.

سيناريو ركيك جدّا سواء على مستوى رسم الشخصيات أو التفاصيل الاجتماعية والسياسية والعسكرية، لأجواء وبيئات سنوات الحرب مع إسرائيل منذ عام 1967، غياب البناء التاريخي والتوثيقي الناضج الذي يتمثل في الإجابة عن أسئلة الدراما التوثيقية الواجبة: من ومتى وأين، أي من هي الشخصيات التاريخية أو حتى المؤلفة؟ ومتى حدث ذلك؟ وأين وقع الحدث؟!

والتاريخ الوحيد الذي أمكن أن تلمحه على الشاشة هو سيناء 1967 والمكتوب على مشاهد تعفنت تقنيا من كثرة استخدامها، وهي المادة البصرية التي سبق لمخرج الفيلم محمد راضي تصويرها واستخدامها في فيلمه الرائع “أبناء الصمت”، قبل نحو أربعين عاما والذي اعتبر واحدا من أهم الأفلام عن فترة حرب الاستنزاف.

يعاني الفيلم أيضا من الأداء الهزيل والهزلي للممثلين خاصة في أدوار الشخصيات الإسرائيلية مثل موشي ديان وغولدا مائير وآرييل شارون، حيث فوجئنا بأن الجميع صار ينطق حرف الراء بشكل مثير للضحك، بينما تنوعت اللهجة البديلة للإيهام بالعبرية ما بين الفصحى البلهاء والشامية الركيكة وعربية “الخواجة ياني”، الشخصية اليونانية الأشهر في تاريخ السينما المصرية التي كانت تنطق الحاء خاء وصاحبة الكلمة الأيقونية “يا خبيبي”.

وأبرز مثال على رداءة السيناريو هو مشهد مقتل ابن الشاويش مجاهد في مدرسة بحر البقر، ثم في المشهد التالي مباشرة نجده يتحدث مع زملائه في الوحدة الذين يرغبون في تعزيته قائلا إنهم صعايدة ولا يقبلون العزاء، إلا بعد الأخذ بالثأر وهو ما يعني أنه صعيدي من محافظة الشرقية، حيث كانت تقع مدرسة بحر البقر، وهي سلالة جديدة اكتشفها الفيلم قبل 15 عاما.

"حائط البطولات" فيلم أفرج عنه بعد أن ظل ممنوعا من العرض لمدة 15 عاما، لأسباب قيل إنها سياسية تخص نظام مبارك

“حائط البطولات” وداع حقيقي لسينما الحرب، بكل عناصرها النمطية كما ظهرت في السينما المصرية منذ عام 1973 وحتى أوائل الألفية الجديدة بكل أيقوناتها، بداية من محمود ياسين صاحب أكبر رصيد من أفلام الحرب، وصولا إلى مشاهد القصف والعبور والعمليات العسكرية التي تحللت وفقدت خامتها البصرية وتأثيرها النفسي والوجداني.


سخرية حكيمة


تعدّ تجربة “زي عود الكبريت” للممثل الراحل حسين الإمام أنضج التجارب المصرية التي شهدتها العروض الأولى ضمن فعاليات المهرجان، فهو فيلم صادق لا يدّعي أيّ شيء، وفي نفس الوقت يحمل في طياته الكثير من الأسئلة حول السينما والفن والحياة.

يتخذ الإمام -مؤلفا ومخرجا وممثلا ومنتجا في هذا الفيلم- من المحاكاة الساخرة إطارا نوعيا ودراميا له، يشتبك من خلاله في جدلية ساخرة مع حقبة هامة في تاريخ السينما المصرية، هي حقبة الميلودراما الفاقعة التي كان والده المخرج حسن الإمام أحد رموزها البارزين، متخذا من الجملة الأيقونية الشهيرة ليوسف وهبي “شرف البنت زي عود الكبريت”، قوسا مفتوحا ليعبّئ في داخله قدرا هائلا من اللحظات الطريفة التي تعيد إنتاج الوجود السينمائي عبر إحياء شخصيات من أفلام الجسد والسيجارة والكأس وغير ذلك، وكأنها شخصيات في واقعه الفيلمي الجديد مركزا على التفاصيل والجمل وطبيعة الأداء وعناصر الفيلم الميلودرامي الشهيرة، التي شكلت حقبة بأكملها خلال فترة الأربعينات والخسمينات في السينما المصرية.

إنه يسخر ولكنها سخرية حكيمة، تعيد اكتشاف تلك العناصر والرغبة في البحث عن أسباب توطّنها في وجدان وذاكرة المتلقي المصري والعربي، رغم كل ما فيها من عيوب وسطحية وركاكة وتكرار.

16