ستراون ستيفنسون مبعوث أوروبي إلى العراق قرر خلع رداء شاهد الزور

الأحد 2015/07/12
ستيفنسون السياسي الأسكتلندي المُتَعاطِفُ مع الواقِعِ السُّنِّيِّ الصعب في العراق أمام المد الإيراني

“لم أعُد عُضواً في برلمان الاتحاد الأوروبِّي، لذلك أستطيعُ التحدُّث بحريَّةٍ كما أشاء من صفتي كرئيس للجنةِ العلاقات الأوروبية العراقية، وأنا أستغربُ جدَّاً كيف يطوف الجنرال قاسِم سليماني المُدُن العراقية؟ وكيفَ تتزيَّنُ الجدرانُ بصورتِهِ وبعباراتٍ تمتدحَهُ وتصفَهُ بقاهِرِ الأعداء، بينما هو قائدُ قوَّة القدس المُصنَّفَةِ أوروبيَّاً على أنَّها منظَّمةٌ إرهابية”.

هذه الكلماتُ المُباشرة التي قالَها ستراون ستيفنسون عضو البرلمان الأوروبي السابق ورئيس لجنة العلاقات مع العراق، قد تختصِرُ رؤيتهُ للحالةِ العراقية التي وصفَها في وقتٍ مبكِّرٍ من الأحداثِ التي تعصِفُ بالشرقِ الأوسط أنَّها تنحدِرُ نحو العنف والفوضى، هذه الرؤيةُ شكَّلها ستيفنسون نتيجةَ رحلاتِهِ المكُّوكيَّةِ إلى العراق عبر السنوات السبع الأخيرة، مواقفُ عديدةٌ واضحةٌ أطلقَها الرجلُ سواء في مؤتمراتِهِ الصحفيَّةِ أو جلسات البرلمان الأوروبي ومن خلال كتبِهِ التي تناولَ بها الأزمات التي أدارَها مباشرةً من خلال عملِهِ في منظومةِ الاتحاد الأوروبي.

إدارة الصراعات

في الرابِعِ من أبريل، نيسان، لعام 1948 وُلِد ستراون ستيفنسون في اسكتلندا، حيثُ تلقَّى تعليمَهُ الأوَّليَّ هناك قبل أن يتقلَّدَ شابَّاً أولى مناصبِهِ السياسية كعضوٍ في المجلس المحلِّي لإيرشاير الجنوبية قبل أن يكون عضواً في برلمان بلادِه حتى عام 1997، لينتقِلَ بعد ذلكَ إلى العملِ الأوروبي وليكونَ عضواً في برلمان القارَّةِ العجوز منذ عام 1999 وحتى العام الماضي.

رحلةٌ عامرةٌ بالأزمات التي أدارَها أو اقترب منها، بدأَت دوليّا في كازاخستان وتحديداً في منطقة سيميبالاتينسك الواقعَةِ على بعد مئةٍ وخمسين كيلومترا من الموقِعِ الرئيسي للتجارب النووية الروسية “السوفياتية سابقاً” حيثُ قامت حكومةُ موسكو باستخدام أكثر من خمسمئة سلاحٍ نووي بين عامي 1947 م و1989 م قبل أن يُعلِنَ الرئيس الكازاخي نور سلطان نزار باييف إغلاقهُ نهائياً في التاسع والعشرين من أغسطس لعام 1991 م بعدَ أن نالَت كازاخستان استقلالَها مباشرةً عقِبَ سقوط الاتحاد السوفياتي.

في ظلِّ الحربِ البارِدة تحوَّلت سيميبالاتينسك إلى أيقونةٍ في الصراعِ بين موسكو وعواصمِ أوروبا، حيثُ كلَّفَتِ الأخيرةُ في وقتٍ لاحقٍ ستراون ستيفنسون بالترويجِ لحملةٍ عالميةٍ لرفعِ مستوى الوعي والمساعدات الآمنة لضحايا الإشعاع النووي، لما يترُكُهُ هذا الإشعاعُ من إرثٍ مروِّعٍ من التلوُّثِ والحرمان والمرض والفناء.

نجاحُهُ بإدارةِ الحملةِ الدوليَّةِ دفَعَت بكليَّةِ العلوم الطبيَّةِ الأكاديميَّةِ الحكوميَّةِ في سيميبالاتينسك لمنحِهِ درجةَ الدكتوراه الفخريَّة تزامناً مع زيارَتِهِ الثالثة للبلاد في عام 2003، فضلاً عن اعتبارِهِ مواطناً فخرياً في المدينةِ الكازاخية، وليكونَ بعد ذلكَ بعام تقريباً الفائزَ بجائزةِ أفضلِ مقال صحفي من مؤسسة تمبلتون جون في الولايات المتحدة الأميركية، عن مقالِهِ “البكاء للأبد” الذي وصَفَ فيه باختصار معاناةَ شعب سيميبالاتينسك، هذا العنوان أيضاً حمَلَهُ كتابَهَ الصادر في عام 2006 والذي خصَّصهُ لتجربَتِهِ عبر رحلاتِهِ المتعدِّدة إلى كازاخستان والتي قلَّدَهُ رئيسُها وسامَ الرحمة لعملِهِ الإنساني عام 2007.

الميليشيات الطائفية التي تديرها طهران ستذهب بالعراق بعيدا نحو الحرب الأهلية، هكذا قال ستيفنسون منذ أشهر محذرا مما يتحول واقعا على أرض العراق التي يربطها الغرب والولايات المتحدة بنجاح مفاوضات الملف النووي الإيراني

الشرق الأوسط وستيفنسون

في الثالث عشر من يونيو الماضي، كشَفَ ستراون ستيفنسون النقابَ عن فهمِهِ لسبب الأزمات المتتابعةِ في العراق مؤخَّراً حيثُ عزا ذلكَ كلِّهِ إلى أداء نوري المالكي رئيس الحكومةِ العراقية السابق، التي رسَّخَت الطائفية في العراق من خلال إقصاء السُّنَّة بشكل مُتعمَّد ومقصود.

هذا الإقصاءُ الذي يتجاهلهُ الجميع فتَحَ الأبواب أمام الأذرُع الإيرانيَّةِ لتكونَ ساحاتُ العراق ملعباً لها، أمام هذا المشهد يعتبر ستيفنسون أنَّ إدارةَ البيت الأبيض الأميركي في عهدِ أوباما ألحقَت ضرراً كبيراً بقدرةِ الغربِ على الحدِّ من طموحِ إيران النووي، فالتسهيلاتُ التي قدَّمتها الإدارةُ الأميركية بشأنِ الملف النووي الإيراني ستدفعُ ثمنها أوروبا كاملةً، فالبوادِرُ التي شهِدَتها وتشهدُها المُدُن العراقية التي عصَفَت وتعصِفُ بها نيران الطائفية أدَّت إلى إكمال الخطَّةِ الإيرانية عبر الميليشيات الطائفية الموالية لطهران في بلاد الرافدين.

نحنُ هنا أمام معادلةٍ صعبةٍ كما يراها ستيفنسون الذي يستغربُ من تجوُّلِ الجنرال قاسم سليماني في المدن العراقية التي تتزيَّنُ بصورتِهِ على بعض جدرانِها بينما هو يترأَّسُ قوَّةَ القدس المُدرَجَةِ رسميَّاً على قوائمِ الإرهاب الأوروبية، تلكَ الميليشيات الطائفية المدعومة من طهران ارتكبَت كما اتَّهَمَها مراراً ستيفنسون الفظائعَ المُتتالية ضدَّ سكانِ المُدُنِ السُّنيَّةِ في العراق، واضعينَ أنفُسَهُم في مقابلةٍ ثنائيَّةٍ مع تنظيم دولة العراق والشام، وما باتَ يُعرَفُ اصطلاحاً بداعش، أمام كلِّ هذا تُقدِّمُ الولايات المتحدة الأميركية دعماً عسكرياً للميليشياتِ الطائفية وقوَّةِ القدس الإيرانية عبر طلعاتٍ جويَّةٍ تُنفِّذُها طائراتُ التحالُف.

هذا المشهد نرى صداهُ يتردَّدُ مراراً في تصريحات الدبلوماسي الاسكتلندي الذي قابلَ مراراً قياداتٍ سياسيَّةً من السُّنُّة في العراق، خارجاً برؤيتِهِ القائمةِ على ضرورةِ إعادَةِ القوَّةِ السُّنيَّة كتكتُّل بشري ضمن مكوِّنات الجيش العراقي، فالجيشُ العراقي الوطني هو الضامن الوحيد كما يرى ستيفنسون لعدمِ استمرار انجرار البلادِ إلى حربٍ أهلية.

حقوق الإنسان

الرجُلُ الذي يؤمِنُ أنَّ حقوق الإنسان لا تقتصِرُ على يومٍ واحدٍ في العام بل تمتدُّ طيلةَ ثلاثمئةٍ وخمسةٍ وستينَ يوماً كما قالَ في ندوةٍ بالبرلمان الأوروبي في العاصمةِ البلجيكيَّةِ بروكسل، ونظراً لقُربِهِ من ملفَّاتِ الشرق الأوسط فقد عرّجَ على ذكر العراق وإيران، اللذين وصفهُما بأنَّهُما لا يحتويان يوماً واحداً يتمتَّعُ الإنسانُ فيهِ بحقوقِهِ الطبيعية.

حيدر العبادي يقدم له ستيفنسون عبثا الخلطة السرية لإعادة العراق إلى مساره الطبيعي، و تتمثل في تشجيعِ أهل المناطقِ السنية على الانخراط مع الجيش العراقي و قوات البيشمركة، عقب إظهار النية الحقيقية لتقليم أظافر إيران في العراق، وهذا لا يتم كما يرى ستيفنسون إلا من خلال إنهاء الميليشيات الطائفية والإطاحة برجال طهران في بغداد سواء في الحكومة السياسية أو الجيش العسكري ومختلف قطاعات الدولة

فالعراقُ عندَهُ هو الجارُ المسكينُ الذي يتضرَّجُ دماءً بسببِ نظامِ الملالي في طهران، في تلكَ الندوة كشَف مراراً عن لُبِّ المسألةِ العراقية التي بدأت بانتخاباتٍ مزوَّرةٍ وصلَ فيها نوري المالكي إلى السلطة بعد الإطاحةِ بأياد علاوي بدعمٍ من طهران التي تحتاجُ وجودَ رجُلِها في بغداد، تلك الرحلةُ التي بدأَها المالكي بالإطاحةِ أيضاً بكلِّ من يقفُ ضدَّ التدخُّل الإيراني بالشأنِ العراقي، بصورةِ إعفاءِ كلِّ الضبَّاطِ أو المتنفِّذين لإحكامِ الدائرةِ الملالية على بلاد الرافدين قبلَ البدء بتنفيذِ المشروعِ الأخطر طائفياً، من خلال تهميش المناطق السنِّيَّةِ وإدخالِها في لعبةِ الولاءِ لداعش، أو حصرها في دائِرةِ الوقوف إلى جانِبِ تنظيم دولة العراق والشام باعتباره مرادفاً واقعياً للميليشيات الطائفية التي تدعمُها إيران ويُديرُها المالكي تحت تسمياتٍ وطنيَّة.

المالكي يرشو ستيفنسون

كواليس السياسة لا تتشابهُ إطلاقاً مع تلك التي تطفو على السطح، فقد كشَفَ ستيفنسون عن عروضٍ ماليَّةٍ تلقَّاها في مكتبِهِ بالعاصمة البلجيكية بروكسل من خلال مبعوثين من رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي لضمان سكوت الرجل الأسكتلندي عن كلِّ ما يُحاكُ في الخفاء للعراق.

هذه الصورة تُحيلُنا إلى الانتفاضة التي شهدَتها المناطقُ السنِّيَّةُ في العراق عقِبَ السياسات الطائفية التي مارسَها نوري المالكي، من خلال أذرُعِهِ الممتدة في قلبِ الدولة العراقية العميقة، تلكَ الدولةُ التي صنَّفتها منظَّماتٌ دوليَّةٌ أنَّها الأكثر فساداً في الإدارة وثالث أكثر دولةٍ تُنفِّذُ أحكامَ الإعدامِ بعد الصين وإيران.

إيران ونظامُها الملالي تلعبُ دوماً في ألوان العراق والمنطقة عموماً لتصبغَها بلونٍ واحد سواء من خلالِ خلقِ تنظيماتٍ “جهادية” كحزب الله، أو من خلالِ رجالِ السُلطةِ الذين يجلسون في العواصِمِ العربية ويدينون بالولاءِ لطهران، أو من خلال التدخُّلِ العسكريِّ المباشَر كما شاهدنا في عشرات الآلاف من الفيديوهات المُصوَّرةِ في سوريا أو العراق، هذه المعادلةُ ورِثَها حيدَر العبادي رئيس وزراء العراق الحالي كما هي، فقدَّمَ لهُ ستيفنسون من خلال تصريحاتٍ إعلامية الخلطةَ السريَّةَ لإعادةِ العراق إلى مسارِهِ الطبيعي، تلكَ الخلطةُ تتمثَّل في تشجيعِ أهلِ المناطقِ السنيَّةِ الذينَ يرون أن الميليشيات الطائفية الشيعية أشدُّ خطراً عليهِم من تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية، تشجيعهُم على الانخراط مع الجيش العراقي وقوَّات البيشمركة في مواجهةِ داعش، عقِبَ إظهار النيَّةِ الحقيقيَّة لتقليم أظافِر إيران في العراق، وهذا لا يتمُّ كما يرى ستيفنسون إلا من خلال إنهاء الميليشيات الطائفية والإطاحةِ برجالِ طهران في بغداد سواء في الحكومةِ السياسية أو الجيش العسكري ومختلف قطاعات الدولة.

يحاوِلُ الدبلوماسي الاسكتلندي يحاوِلُ أن يتلمَّسَ مواطنَ الخلل ومكامن الفساد التي أسَّسَ لها بناءُ نوري المالكي في سنوات رئاستِهِ لحكومة العراق

الفوضى الخلاقة

رؤيةُ ستيفنسون أتت من خلال متابعتِهِ الحثيثة للملف العراقي في سنواتِهِ الأخيرة، فهو الذي وصَفَ مسيرةَ بلاد الرافدين عام 2010 بأنَّها تتجهُ نحو الفوضى الخلَّاقة، أكَّدَ ذلكَ من خلال زياراتٍ كثيرة قامَ ويقومُ بها إلى أربيل، حيثُ كان يبني جسور التواصل مع شخصيَّاتٍ من المُدُن التي وقَعَت تحت نير ظلمِ المالكي الذي وصَفَهُ مراراً بالديكتاتور الفاسد.

وفي أحاديثِهِ المختلِفة ومقالاتِهِ المنشورة يحاوِلُ الدبلوماسي الاسكتلندي أن يتلمَّسَ مواطنَ الخلل ومكامن الفساد التي أسَّسَ لها بناءُ نوري المالكي في سنوات رئاستِهِ لحكومة العراق، جازماً أنَّ الحال لن يستقيم دون لجمِ إيران ونظامِها عن التدخُّل في ملفات المنطقة، حيثُ دعا مراراً إلى طردِ الميليشيات الموالية لإيران إلى خارج الحدود العراقية، وفي ذات الوقت العملُ على إعادةِ بناء الجيش العراقي وتأهيلِهِ لكسبِ ثقةِ الشارعِ السنِّي، مستذكراً دائماً الجهود الدولية التي تضافرت لتشكيل قوَّةٍ مكوَّنةٍ من العشائر العربية السنيَّةِ عقِبَ الغزوِ الأميركي للعراق عام 2003 داعياً إلى إعادةِ تجربة بناء الثقة مع تلك العشائر لمواجهةِ خطر تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية، وجسور الثقة هذه لن تنجحَ ما دامَت الميليشيات الطائفية تسيرُ في شوارع المدن العراقية بأمرٍ مُباشَرٍ من طهران.

الحرب الأهلية

الميليشيات الطائفية التي تديرها طهران ستذهبُ بالعراق بعيداً نحو الحرب الأهلية، هكذا قالَ ستيفنسون منذ أشهر وهذا ما يتحوَّلُ واقعاً على أرض العراق التي يربِطُها الغربُ والولايات المتحدة بنجاحِ مفاوضاتِ الملف النووي الإيراني، فأجنحةُ إيران وامتداداتُها في المنطقة العربية يتابعها منذ سنواتٍ عديدةٍ ستيفنسون الذي علَّقَ على ردِّ المملكة العربية السعودية ومعها التحالف العربي من خلال عاصفة الحزمِ على انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية المنتخبة في اليمن بأنَّهُ المارِدُ الذي أفاقَ من غيبوبتِه، واصفاً المشهد الإيراني بالمرتبِكِ أمام قوَّةِ الردِّ العربي في ساحةِ اليمن على أذرعِ طهران هناك.

ستيفنسون السياسي الأسكتلندي المُتَعاطِفُ مع الواقِعِ السُّنِّيِّ الصعب في العراق أمام المد الإيراني، قدَّم رؤيتهُ لإنقاذِ ما تبقَّى من التعايُش بين أطياف البلاد عبر الخلاص من النفوذ الإيراني، هو الذي يتمتَّعُ بعلاقاتٍ وطيدةٍ مع معارضي نظام الملالي سواء في الخارج الإيراني أو من مجاهدي خلق المتواجدين في مخيَّم ليبرتي على الحدود العراقية الإيرانية، يُدرِكُ ستيفنسون في حقيقةِ المشهَد أنَّ إيران تسعى بكلِّ القوَّةِ الممكنة لتذليل كلِّ ما قد يعترضُ إعادةَ أمجادِ الإمبراطوريَّةِ الزائلة، ولكنه يرفض أن يكون شاهد زور على ما رأى وسمع.

8