ستكون أوقاتا عصيبة

الاثنين 2014/10/20

يبدو أنّ “دار الإسلام” مقبلة على أوقات عصيبة وغير مسبوقة، صحيح أنّ تاريخ الأمّة مثخن بالفتن والعنف الديني منذ موقعة الجمل والفتنة الكبرى وصفين والنّهروان وكربلاء، إلى غاية مجازر الرقة والموصل وسنجار وكوباني والشعانبي وتومبوكتو إلخ، والأسوأ قد يكون في الانتظار، غير أنّ حجم الكارثة هذه المرّة يفوق كل تجارب الماضي.

في تاريخنا القـريب والبعيد قد لا يجد المرء ما يقارن بـه واقعنا الرّاهـن سوى واقعة غزو المغول للحضارة الإسلامية، غير أنّ مغول اليوم لم يأتوا من خـارج حضارتنـا، بل طلعوا علينـا مـن أرضنا وبيئتنـا، مـن مفاهيمنا وأوهامنا، من كتبنا التي نقرأ، من كلماتنا التي نقول، مـن جروحنـا وقروحنا، من الخلايا الخبيثة التي تسكن أجسادنا، من إفرازاتنا النّتنة، من ضغينتنا وحقدنا وغيرتنا وحسدنا، من عبوسنا وتكشيرنا وكآبتنا، من داخل دواخلنا. لذلك، فإنّ المعركة الحاسمة ستكون هي معركة الأفكار، معركة التّربية، معركة تحديث خطب الجمعة، معركة إخضاع الفتوى لسلطة القانون، معركة الفنون الجميلة، معركة التّفكير الحر والحس الإنساني النّبيل، معركة الطموح والإبداع، معركة التنوّع والتعدد والاختلاف الجميل، معركة المواجهة المفتوحة مع الذّات بكل الشجاعة المطلوبة والشهامة المرجوّة والجرأة المستحقة.

جميع الأنظار الآن متجهة إلى أرض سوريا وأرض العراق حيث يُنتظر من الضربات الجوية ضدّ معاقل “الدّولة الإسلامية” أن توقف، ولو جزئياً، زحف أصحاب الأعلام السوداء، وقد تكون المواجهة هناك محورية، لكن اللاّفت أيضاً أنّ في الوقت الذي يستطيع فيه تنظيم الدولـة الإسـلامية أن يقاتـل على عدة جبهات متفرقـة من جنـوب العـراق إلى شمال سوريا، فـإنّ الخـلايا الإرهـابيـة تتكـاثر مثـل الفطائـر في أكثر من مكان بالعالم الإسلامي، ومعها ينفجر الوضع الأمني في أكثر من بلد، وفي كثير مـن الأحيـان تصبح استعـادة الأمن أولوية الأولـويات، هـذا في الوقـت الـذي يصعب فيه على أي تحالف دولي أن يـدير المواجهة على عـدة جبهات متفـرقة وعلى مساحة جغرافية شاسعة قد تمتد من شرق آسيا إلى غرب أفريقيا.

وفي المقابل، يستفيد الإرهاب العالمي من التنافس المحتدم بين تنظيم الدولة الإسلامية بزعامة الشيخ البغدادي، وتنظيم القاعدة بزعامة الشيخ الظواهري على خلفية زعامة الإرهاب العالمي. وهي المنافسة التي بدأت تختفي فيها حدة التوتر بين التنظيمين الإرهابيين، ولربما يحتفظ البغدادي بزمام المبادرة جرّاء قدرته على خوض المواجهة المباشرة ضد التحالف الدولي “الصيلبي” في كل من سوريا والعراق.

لذلك، لن تُحسم المعركة ضد الإرهاب الجهادي في الأفق القريب، بل قد تستغرق سنوات وسنوات، ولن تُحسم قبل حسم معركة الأفكار أولاً. هذا ما يتفق حوله الكثيرون.

في حين أنّ طول أمد الحرب العسكرية- مع تأخّر الحسم الفكري- هو أقصى ما يطلبه تنظيم الدولة الإسلامية، لأنّه يعني أنّ أمام التنظيم وقتاً واسعاً للتعبئة والتهييج وإيقاظ ما يمكن إيقاظه من خلايا نائمة في أكثر من مكان مـن العالم، والتحاق الكثير من خلايا القاعدة بالتنظيم الذي أعلن الخلافة وبدأ يقاتل من أجلها، قبل حلول موعد “الحسم الأخير”، والذي قد يأتي وقد لا يأتي. في حـين أنّ كل نصر جزئي للجهاديين في حرب سيطـول أمدها سيكون فرصة لاستقطاب جهاديين جدد، سواء التحقوا بجبهات القتـال في سـوريا والعراق أو فضلوا الاشتغال في بلدانهم. ومثل هذه الأحوال لا يجوز بأي حال أن نستهين بها. لنتصور مثلا ما قد يعنيه سقوط بغداد- ولو جزئيا- برمزيتها التاريخية على مستوى وجدان الأشخاص الذين يتّسمون بالقابلية الثقافية للتطرّف الديني.

إنّ طول أمد الحرب يعني فرصة أوسع لأجل التحاق العديد من خلايا العنف الجهادي بتنظيم الدولة الإسلامية، باعتباره الأفق الممكن أمام وهم استعادة الخلافة، ذلك الوهم الذي صنعه الإسلام السياسي بكافة ألوان الطيف، قبل أن يحتكره أصحاب الرايات السوداء.

في كل الأحوال، تنتظرنا سنوات عجاف، نصارع فيها من أجل الحب والحرية والحياة. غير أنّ المعركة المفصلية لن تدور رحاها فوق أي أرض، وإنما ستكون معركة داخل الأدمغة والعقول.


كاتب مغربي

8