ستوبار تريفونوفيتش تكتب رواية بارعة عن نساء يوغسلافيا الأمس

الأحد 2016/05/01
فازت مع 12 كاتبا من العالم بـ"جائزة الاتحاد الأوروبي للأدب" 2016

احتفاءً بالمؤلفين الجدد والناشئين، تأسّست “جائزة الاتحاد الأوروبيّ للأدب” في العام 2009. يشرف على إدارة الجائزة وتمويلها البرنامج الثقافي لدى الاتحاد الأوروبيّ، بالتشارك مع اتحاد المكتبات الأوروبيّة والمجلس الأوروبي للكتّاب واتحاد الناشرين الأوروبيّين. تبلغ قيمة الجائزة خمسة آلاف يورو، تمنح لكل فائز من المؤلفين المختارين، كما ينال الكتاب الدعم اللازم لترجمته إلى لغات أخرى والعمل على ترويجه.

في النصف الأول من شهر أبريل الجاري، أعلن المفوض الأوروبي للتعليم والثقافة والشباب والرياضة عن أسماء الفائزين “بجائزة الاتحاد الأوروبي للأدب” للعام 2016، حيث تم اختيار اثني عشر مؤلفًا من اثنتي عشرة دولة أوروبيّة مختلفة، وعلى النحو التالي: البوسنيّة تانيا ستوبار تريفونوفيتش، عن روايتها “ساعات حوائط حجرة أمّي”؛ والبلجيكي كريستوف فان غيريوي عن روايته “حتى هذا الوقت”؛ والقبرصي أنتونيس جورجيو عن روايته “ألبوم حكايات”؛ والدنماركي بيورن راسموسن عن روايته “الإهاب هو الأكمام المطاطية الطويلة التي تحيط بالجسد كلّه”؛ والأستونيّ بافو ماتسين عن روايته “ديسكو غوغول”؛ والفنلنديّة سيليا آهافا عن روايتها “أشياء تسقط من السماء”؛ والمقدوني نيناد خولديسكي عن مجموعته القصصيّة “كل ببحيرته الخاصّة”؛ والألمانيّ بنيدكت فيلس عن روايته “في نهاية العزلة”؛ واللوكسمبورغي غاست غرويبر عن روايته “يوم يخبّئ آخر”؛ والروماني كلاوديو فلوريان عن روايته “عصور اللعبة-شارع سيتاديل”؛ والسّلوفيني ياسمن فريلتش عن روايته “في/نصف”؛ والأسباني خيسوس كارّاسكو عن روايته “الأرض التي نمشي عليها”.

ومن بين هؤلاء الفائزين، تبرز -بالنسبة إليّ على الأقل- رواية “ساعات حوائط حجرة أمّي” (والتي سأقدم، هنا، ترجمة لمقطع طويل منها) لجهة شعريّة نثرها العالية، وقدرتها البارعة على خلق صوريّة تتناسل في اللغة كأحلام في وضح النهار.

يصف موقع الجائزة الرواية على أنّها “حكاية عن أمّ وابنتها، وعن حياة النساء في يوغسلافيا السابقة: الأمّ مرآة تحاول البطلة من خلالها العثور على ماضيها لتدرك مستقبلها في العالم الحديث، بالعودة إلى عين البداية، إلى بيت طفولتها الرعويّ في الساحل الدلماسي”.

“تعرّف البطلة/الساردة نفسها بوصفها روائيّة، فيما تعمل آنا -شخصيتها البديلة، أو أناها الثانية- على شطر الشخصية إلى اثنتين، مدشّنة بذلك مساحة تعبيريّة مزدوجة، سامحة لنشوء أواصر بين العلاقات البينيّة المختلفة والتجارب الرومنسيّة والأدوار الزمنيّة. تركّب الذكريات مع بعضها البعض كفسيفساء، وتصبح الرواية جوقة من الأسلاف الذين تمّ تجاهلهم وقمعهم في السابق”.

حكاية عن أمّ وابنتها

“تنحشر الساردة بين حالتين وحياتين وعشقين وكتابين غير مكتملين: تمزقّها هذه الازدواجيّة، فيما ترتدي أقنعة اجتماعية مقبولة لشفاء اقتلاعها المفاجئ من نعيم الطفولة. تصبح الكتابة والأدب بيتها الأوحد وملاذها الوحيد، حيث تصير ذاتها المقسومة واحدة وكاملة في آخر المطاف”.

ولدت تانيا ستوبار تريفونوفتش في العام 1977. تكتب الشعر والعمود الصحفي والمراجعات الأدبية. تعيش ببنيا لوكا في البوسنة والهرسك، حيث تعمل محررة للمجلة الأدبية “بوتيفي”.

فصل من رواية ساعات حوائط حجرة أمي

لعلّ الطفولة مطرح مناسب للبدء. تكون الانطباعات في الطفولة عميقة وعصيّة على المحو، كأثر قدم في كونكريت طريّ. والآن، إنها آثار الطمي فحسب، ومن السهل شطفها. لقد صرت منذ أمد طويل ساحة مرصوفة، ملعبًا مكتملًا قرب الشاطئ، ورصيفًا مهيّئًا قرب الطريق؛ صار كل شيء في داخلي صلدًا. لم تعد خطوات الآخرين مجرد آثار. فالماضي منزل تنتهي فيه الفكرة الطائشة، والذكريات تضغط كجدران متخمة بالتصاوير.

كنتُ أسير على طول الشاطئ، أجمع الأصداف البحرية. صرخت أمّي لأنّ كثيرًا من الشمس على ظهري. كان إهابي يعتم ويلسع ويشتدّ. لم أشعر بشيء. شعرت بذلك فيما بعد. إنّني الآن أبحث، ليس إلّا. كانت عيناي حيوانان ضاريان يجوسان بحثًا عن الطرائد، وحجرا مغنطيس يجذبان، وشحّاذتان تتوسّلان. وكانت الأصداف البحرية هناك، متناثرة فوق الحصى على طول الشاطئ. مواد نفيسة تنتظر كي يتم التقاطها. وحين قلبتها، كانت بيضاء ولامعة (كبطني)، ومعتمة في برّانيتها (كظهري). كالحياة. بيضاء ولامعة. تأتي الحياة من مكان ما، وتبدأ في عقول البنات، لامعة وبيضاء، كدخيلة صدفة بحريّة. في عقول بنات خائفات ومهيبات في تشوّفهن.

كان العرس بسيطًا. لا شيء أبيض. ولا شيء يلمع.

لم تنفتح الصدفة البحرية طيلة الطريق البتّة. كانت الحافة حادّة جدًا. جرحت إصبعي. لسع ملح البحر دمي، إنّه يلدغ (دفعت إصبعي تحت الماء، كيلا تراها أمّي). وعبر تلك الإصبع رشف البحر بعضًا منّي، ذهب بعض منّي إلى البحر. لم يكن البحر ظالمًا، دخل بعض منه فيَّ (غالبًا ما تجعلني الشواطئ المجهولة أترنّح، غالبًا ما تستخفّني، فلا أكاد أنهض على قدميّ). وحين يلحس جلدي، يقول إنّه لم ينم مع امرأة أملح قطّ. كمن يستحمّ بماء البحر.

شيء ملحيّ ينام في جلدي. بحر أسير.

تسهر أمّي عليَّ كنورسة تطارد فريسة ساذجة. إيماءة سادرة سوف تخونني وتوقف هذه المجازفة تحت الشمس. موجة تأخذني ونداء صوب منقارها، في الظلّ. في السكينة. تحت الأثلة الخضراء. تحت الصنوبرة الزاهية. تحت التّينة التي تقطر من ثمرتها الناضجة عصارة لزجة وقارصة فوق إصبعي.

كانت الشقّة صفيحًا، يتضوّع فيها المسك وآمنة. بعيدة جدًا عن البحر. وضعت أصدافي على الرفوف. خنقتني. أفزعتني. شدّة دنوّ الجدران. مصداقية غرفة الخزين وهي تمنح بحذر هواءها البائت: وفي الوقت الذي تقبض فيه على مرطبان مربّى، فإنّه سوف يكون قد قصّ عليك تاريخ الفقر بأكمله، فقرك وفقر شخص آخر.

شعار جائزة الاتحاد الأوروبي للأدب

وحين نظرت على الطريق الرمادية عبر النوافذ الصغيرة ارتعدتُ. كان البحر بعيدًا، ولكنّ المدّ كان قريبًا في الداخل. والعواصف والصباحات بالأسماك منثورة على طول الشاطئ. كان ثمّة شيء يكبر.

ذات يوم، سوف يسبح خارجًا منّي شيء ما.

انزلقْتَ ساقطًا على فخذيّ الملحيّتين، منقوعًا بمياه البحر وبالدم. لقد وقع الشيء ثانيةً. تملّص بعض منّي منزلقًا فيك، وبعضٌ منك قد اندسّ فيّ. وقع التبادل. دمدمنا معًا. وفي الصيف، جمعنا الصّدف. كان لعينيك بريق عيون أولئك الذين يفتّشون. يفتّشون عن البريق الأبيض الساطع تحت الحصى.

نظرت أمّي إليّ غاضبة حين مشيت الهوينا متراخية صوب البيت. كان هاجس ضيق أليم قد بطّأ خطواتي. كانت في انتظاري. وبخّتني. لقد بحت عن طيش بأسرار العائلة إلى الجيران. لم يكن عليّ أن أخبر أحدًا بالأشياء التي قالوها عنّا.

في الداخل.

داخل أربعة جدران.

شيء يخصّنا.

أفشيته.

لقد سألني. كنت صادقة. ظننت بأنّ جميع الآخرين مثلنا، وبأن لا شيء خاصًّا في تلك الأسرار العائلية الصغيرة. وفي الداخل، كان كل شيء يبدو ذاته إلى حدّ بعيد. كل واحد يكذب على الآخر. كي لا يسيء إليه.

لم أستطع فهم أيّ شيء من ذلك.

إنّه يؤلم.

يتوجب أن تبقى صامتًا حيال أشياء كهذه. لم يعلّمني التوبيخ شيئًا.

لم يكن الأمر يستحق ذلك. كان العرس بسيطًا. مالت أمي برأسها في جهة، وأبي مال برأسه في الجهة الأخرى.

خرج أبي ليصطاد في البحر. توسلتُ إليه أن يأخذني معه. قالت أمّي إنّ ذلك ليس آمنًا، أن يأخذ طفلة إلى البحر العاصف في الصباح الباكر. أن يأخذ مثل هذه الطفلة الصغيرة إلى مثل ذلك البحر العظيم، فقد تكون ثمة ريح شماليّة هناك، وثمة الآن شيء من الريح. هل أنتما مجنونان؟ لا تفعلا. أرجوك، يا أبي. فأخذني معه. كان أبي والرجال هناك. كانوا مسرورين وصاخبين. كان صباحًا باردًا ونهارًا حاميًا. جعلت الشمس جلودنا مشدودة. كما لو كنت واحدة منهم. اصطدنا حبّارًا. بقّع السائل الأسود داخل القارب الأبيض. لم أشمئز، لم يكن الأمر بمثل تلك البشاعة، ولم أكن خائفة من أن أتّسخ، مثلما لم يكونوا كذلك هم. وحتى لاحقًا، وحين كانوا موزعين بطريقة استراتيجيّة على طول الخطوط الأماميّة، يحفرون في تربة عميقة وخصيبة، لم يكونوا خائفين من أن يتّسخوا. لم يظهروا أيّ خوف. لقد نهضوا مبكّرين. أشعلوا سجائرهم وغادروا، كما لو كانوا ذاهبين إلى صيد الأسماك. ولكنني أصبحت خائفة، خائفة جدًا.

لم أعد واحدة منهم.

اشتدّ الخوف فيّ.

سال حبر الحبّار حكايةً.

عار عليك، قال أبي. ألا تخجلين من نفسك. كنت خجلة من كل الأخطاء. ولا بُدّ أنها كثيرة كجراب الذرة الذي أكلته بالصدفة الدجاجات. لم يكن ثمة شيء أمامي، سوى جراب الخزي الفارغ ذاك. لقد أكل الوقت جميع الأخطاء، ولكنّني ما زلت أشعر بالخجل. وأبي أيضًا يشعر بالخجل. عار عليك، قالوا له أيضًا. لقد سرقت ليمونة، قطعت السياج، وهشمت نافذة الجدران. وإنّه ليشعر بالخجل في الصورة الفوتوغرافيّة، على الجدار، ورأسه مائل في جهة، ورأس أمّي مائل في الجهة الأخرى في عرسهما.

الكتاب الفائز ينال الدعم اللازم لترجمته إلى لغات أخرى والعمل على ترويجه

يا إلهي، إنها ضخمة. جاء من الخلف. حاول أن يقبض عليها. ربما تحتاجين إلى مساعدة في حملها، سوف تكسر ظهرك. تأرجحت بعيدًا. لحقتني تلك الأًصابع كحبّار، بمجسّات تنتأ في الهواء على الجلد، تنهب الأكسجين. هل لديك عشيق؟ هل يلمسك؟ لماذا تذهب قناديل البحر دائمًا إلى صدورنا، إلى قلوبنا، كي تترك خلفها حروقها المسمّمة؟ لقد كان الأمر مختلفًا حين كنت يافعًا. لم ترغب في النوم معي. قناديل البحر حزينة، شفّافة وسامّة. تسبح قناديل البحر دائمًا قرب الأطفال. لا ينبس الأطفال لآبائهم ببنت شفة، لأنّ الآباء يفضلون تصديق قناديل البحر.

من كان بلا خطيئة فليرجم الحجر الأوّل، قال أبي بصوت حزين وضرب رأسه.

وإيّاك، إيّاك أن تخبري أحدًا بالأشياء التي نتحدث بها في البيت، قالت أمّي. أبدًا.

نتحدث عمّ؟ عمّ؟ دمدم البحر الذي فيّ.

تعرفين ماذا يقولون عنك؟ قالت ابنتي (أنت قلت) ثم حدّقت في عينيّ تمامًا.

أعرف، قلت. ثم رحت أضحك. إنك لا تحبين ضحكتي. إنها من النوع الذي لا يروق لأحد قطّ. ولكنها كانت أكثر ألمًا وأسرع منّي.

لقد انتبذ المصوّر الفوتوغرافي مكانًا جانبيًا. هكذا أفسّر الحكاية، لهذا نحن مائلان في الصورة، في عرسنا. إنه ينتصب واقفًا. فلو أردت معرفة الزاوية المناسبة، فانظري إلى الكتفين. ولكنني ملت برأسي في جهة، بعيدًا عنه، فأمال المصور يده. هكذا كلّ شيء مائل قليلًا.

في بطني-البحر، تسبح سمكة، لا تعرف بأنها هناك.

وفي بطن أمّي-البحر، أتأرجح بعصبيّة، لا أعرف بأنني قد كنت هناك.

ترجمة: تحسين الخطيب

كاتب من الأردن

15