ستوكهولم سوشيال ميديا

لا شك بأن اللوائح التنظيمية مهمة لحفظ المستهلك (الجماهير) من الوقوع في الغش والالتباس والغبن التجاري والفكري، لكنه بالمقابل قد يحدّ من حرية التعبير لدى الشباب.
الجمعة 2018/10/05
توحش مشاهير السوشيال ميديا

تتبع ظاهرة نجوم السوشيال ميديا الذين تحولوا -بين غمضة عين وانتباهتها- من كائنات مجهولة تعيش في الظل إلى شخصيات اعتبارية عامة ذات حضور جماهيري كبير بين المراهقين تحديداً، يقودنا إلى فهم طبيعة تحولات المجتمع العربي قبل وبعد الربيع العربي، فقدرة هؤلاء على صناعة مزاج تسويقي هائل حيال سلعة أو فكرة أو حتى قضية أو رأي عام، لهو أمر جدير بالاهتمام والمتابعة والقراءة المتأنية لتحولات الخطاب الإعلامي والإعلاني من خطاب الأفكار المجردة إلى خطاب الأفراد.

هذا التحوّل الحاد في مفهوم الخطاب نبّه المؤسسات الإعلامية العربية إلى أهمية وخطورة مشاهير السوشيال ميديا، فعملت بعض وزارات الإعلام على وضع آلية سريعة للتعامل معهم، وذلك إما بتنظيم تشريعات تساعد على كبح جماح الوحوش الجماهيرية النائمة، وإما بالتعامل المباشر معهم بمنطق السوق.

قبل الربيع العربي كانت الأفكار -في مواقع التواصل الاجتماعي- هي التي تحرك الجماهير، وهذا ما حصل في الثورات العربية المتتابعة من الغرب إلى الشرق، فقد كانت أفكار الحرية والفقر والاستبداد والظلم هي التي تحرّك لهيب وضمائر الجماهير في فيسبوك وتويتر، ومن ثم في الشارع، لكن هذه الآلية اختلفت، بل وانقرضت، فأصبح الأفراد (المشاهير) هم من يحركون الجماهير وفق اشتراطات مختلفة قائمة على عدد المتابعين، وعلى منطق “كم تدفع”، فأصبح “النجوم” قادرين على خلق موقف أو رأي أو مزاج عام لصالح من يدفع أكثر لهم، وبهذا لم تعد منطقة السوشيال ميديا منطقة “الحقيقة الافتراضية”، وإنما منطقة “business is business”، الأمر الذي أصبح يشكل قلقاً ومخاوف حقيقية لدى مؤسسات الدول وأنظمتها. فمن يمتلك القدرة على شرائهم يمتلك توجيه أكبر قدر ممكن من الجماهير المليونية التابعة لهم.

هذه المخاوف المشروعة دفعت -على سبيل المثال- بوزير الإعلام السعودي عوّاد العوّاد الأسبوع الماضي إلى الإعلان عن خمسة مشاريع تعمل عليها وزارته ضمن خططها التطويرية في رؤية 2030، تمثّلت في وضع استراتيجية إعلامية، وفي إطلاق وكالة للإعلام الرقمي، وفي برنامج لتطوير الصحف، وفي تنظيم الصحف الإلكترونية، وأخيراً في وضع لائحة لتقنين عمل مشاهير السوشيال ميديا.

على مستوى التجربة السعودية التي تعد أكبر سوق لنجوم السوشيال ميديا حالياً، هنالك تشريعات إعلامية محكومة بعدة أنظمة تختص بالجرائم المعلوماتية المرتبطة بوزارة الداخلية بصورة مباشرة

لا شك بأن اللوائح التنظيمية مهمة لحفظ المستهلك (الجماهير) من الوقوع في الغش والالتباس والغبن التجاري والفكري، لكنه بالمقابل قد يحدّ من حرية التعبير لدى الشباب الذين يشكّلون الغالبية العظمى القادرة على التغيير وإعطاء وجهات نظر مختلفة عن الوجهات الكلاسيكية القديمة، بعيداً عن ثقافة “الأخ الأكبر” التي انتهت بصورتها التقليدية مع نهاية الدكتاتورية الاستخباراتية العالمية. فهذه الحرية المسؤولة هي الزاد الحقيقي للشعوب وللأوطان الحية.

العالم اليوم أصبح صغيراً واضحاً، والتعبير عنه صار حقاً للجميع، فإن كانت وزارات الإعلام العربية ستعمل على تشريع قوانين قادرة على حماية المستهلك البسيط بصورة حقيقية؛ تنطلق من وعيها الإنساني والوطني بحق التعبير فهذا مطلب جيد، يجب أن يدعم من قبل الإعلاميين والمثقفين والمفكرين، وإلا فعليها أن تفكر ملياً قبل إطلاق تشريعاتها التي ربما يكون قد تجاوزها الزمن، أو تكون سلبياتها أكثر من إيجابياتها.

على مستوى التجربة السعودية التي تعد أكبر سوق لنجوم السوشيال ميديا حالياً، هنالك تشريعات إعلامية محكومة بعدة أنظمة تختص بالجرائم المعلوماتية المرتبطة بوزارة الداخلية بصورة مباشرة، بالإضافة إلى وزارة الاتصالات، الأمر الذي يجعل من العمل على تشريع القوانين مهمة صعبة تنطوي على عدة جوانب تنظيمية خاضعة إلى قدرة وزارة الإعلام على قيادة المؤسسات المرتبطة بها.

المفارقة بأنه -حتى لو افترضنا أن اللوائح ستقنن من توحش مشاهير السوشيال ميديا- قد لا تكون مقبولة من الجماهير، فالمشكلة عميقة تكمن في إيجاد التوازن بين الجماهير والنجوم، كما افترض غوستاف لوبون مع فارق بسيط في التمثيل، فالجماهير ترفض تماماً أن تدمر “النجوم”، ولا تستطيع العيش دون الخضوع لفكرة أو قضية، لأنهم ببساطة لا يمكنهم تصور العالم بدون نجوم، وهذا يذكرنا بمتلازمة ستوكهولم، حيث الضحية “الجماهير” متعاطفون مع المجرم “النجوم”.

18