ستون عاما على فيلم "المصري" دون أثر يذكر

في العام 1954 قرر المنتج الأميركي داريل زانوك، رئيس شركة فوكس للقرن العشرين، شراء حقوق رواية الكاتب الفنلندي ميلكا والتري (1908/1979)، وهي رواية “المصري”، وتحويلها إلى فيلم سينمائي رصد له ميزانية بلغت أربعة ملايين ونصف مليون دولار، (حـوالي 40 مليون دولار بحسابات اليوم)، وأسند إخراج الفيلم إلى المخرج مايكل كورتيز.
الجمعة 2015/07/10
مصر القديمة أنجبت العبقريات في مجال الطب والعلوم

رواية الكاتب الفنلندي ميلكا والتري المصري التي ترجمت إلى عدة لغات، تدور أحداثها في مصر الفرعونية، في القرن 14 قبل الميلاد، بطلها سنوحي، شاب درس الطب والتحنيط وبرع فيهما، يتمكن ذات يوم وهو بصحبة صديقه المحارب الفذ حور محب، من إنقاذ حياة رجل سرعان ما يعرف وصديقه، أنه الفرعون أخناتون نفسه، فيكافئهما الفرعون بأن عينه هو طبيبه الخاص، وأسند إلى رفيقه قيادة الحرس الملكي.

عندما لمعت الفكرة في رأس المنتج الأميركي داريل زانوك كان في ذهنه وقتذاك أن يصنع عملا كبيرا على غرار الفيلم الإنجيلي الشهير “الرداء” الذي أنتجته شركة فوكس نفسها، أو “كوفاديس” الذي كانت شركة “مترو غولدوين ماير” قد أنتجته قبل ثلاث سنوات، فقرر إنتاج فيلم المصري.

كان الرداء من الأفلام الملحمية الكبرى التي تتميز بديكوراتها الشاهقة وأزيائها ومناظرها المصممة للشاشة العريضة، وكان يضم الآلاف من الممثلين الثانويين (الكومبارس). وكان شريك زانوك في شركة فوكس، اليوناني الأميركي سبيروس سكوراس، قد أطلق عدسة “السينما سكوب” عام 1953، وبالتالي أنقذ صناعة السينما من الانهيار بعد ظهور وانتشار الاختراع الجديد “التلفزيون”.

حكيم فيلسوف

يصور فيلم المصري الحكيم الفيلسوف سنوحي، كصاحب رسالة نبيلة، فهو يبحث في شوارع مدينة “طيبة” عن الفقراء لكي يعالجهم، وقد ورث تلك النزعة الإنسانية عن والده -وهو ليس والده الحقيقي- فقد عثروا عليه وهو طفل رضيع في صندوق يطفو فوق صفحة مياه النيل (في تأثر بقصة موسى)، ولكنه رغم وقاره وذكائه لديه نقطة ضعف تتركز في وقوعه في الحب بسهولة، فهو يقع في حب امرأة بابلونية هي نيفر.

وهي امرأة شديدة الجمال والفتنة، جاءت إلى مصر هربا من الفقر، وأصبحت سيدة صالون، تغوي الرجال الأثرياء، تستولي على ما يمكنها الحصول عليه منهم، ثم تهجرهم، وهذا تحديدا ما يحدث لسنوحي الذي يمنحها كل ما يملك، بل يتنازل لها أيضا عن منزل والديه اللذين توليا تربيته وتنشئته، مما يؤدي إلى انتحار الأب ووفاة الأم. وبعد أن تهجره نيفر يجد سنوحي نفسه مضطرا للرحيل خارج مصر، بعد أن أغضب أخناتون بسبب إهماله واجبه.

"المصري" من الأفلام القليلة التي ظهرت في هوليوود، وتعكس تقديرا كبيرا للتاريخ الفرعوني رغم ميلودراميته ومبالغاته

يتمكن سنوحي خلال رحلته من استعادة سمعته كطبيب مرموق، وعندما يعود إلى مصر يكون أخناتون المسالم الذي لا يميل للعنف، عرضة لضغوط شديدة من جانب الكهنة الذين يرفضون ديانته التوحيدية، وقواد جيشه وعلى رأسهم حور محب، الذين يريدونه أن يأمر بمحاربة الأعداء الذين يتحينون الفرصة لغزو مصر.

ويتمكن حور محب من إقناع سنوحي بالاشتراك في مؤامرة لقتل أخناتون بالسم، ليصبح حور محب هو الفرعون، ويعلن الحرب، ثم يمارس الاستبداد، ويحكم على سنوحي نفسه بالنفي، فقد أدرك سنوحي الخطيئة التي تورط فيها بالمشاركة في قتل أخناتون، صاحب ديانة التوحيد الأولى، وبعد أن أصبح سنوحي نفسه مؤمنا بالتوحيد بتأثير من المرأة التي ظلت تحبه من جانب واحد، ولم يدرك ذلك سوى متأخرا وهي ميريت.

شخصيات الفيلم مركبة، أي تجمع بين الخير والشر، بين السلبي والإيجابي: أخناتون مثلا رغم كونه رجلا خيرا صالحا مسالما، إلاّ أنه حاكم ضعيف فهو يتقاعس عن اتخاذ قرار الحرب وإنقاذ بلاده من الغزو المرتقب. وسنوحي طبيب الفقراء، يسقط في خيانة والديه، أما شقيقة أخناتون باكيتامون، فهي تبدو مدفوعة نحو الشر نتيجة شعورها بالغيرة من علاقة سنوحي بنيفر، فهي تريد سنوحي لنفسها، لكن طموحها يدفعها في النهاية إلى الاقتران بحور محب، والأخير رجل يسعى بقوة للسلطة رغم أصوله المتواضعة، لكنه أيضا جندي شجاع يتمكن من إنقاذ البلاد من كارثة كادت تؤدي إلى انهيار الدولة.

الفيلم لا ينتهي بتلك النهاية السعيدة التي تميز أفلام هوليوود، بل بمأساة إنسانية، وكأن القدر لا يريد أن يترك لسنوحي سوى ذلك المصير الذي يفقده الحب والأمل والابن، ويرغمه على الذهاب مجددا إلى المنفى، حيث يروي لنا قصته من البداية بعد أن صار شيخا طاعنا في السن.

المخرج مايكل كورتيز الذي حقق شهرته الكبيرة الباقية حتى اليوم بفيلم “كازابلانكا” (1942)، ينجح في إخراج الكثير من المشاهد المثيرة المليئة بالحركة والاستفادة من الديكورات الضخمة المبهرة التي صنعت خصيصا للفيلم، بمساعدة مدير التصوير ليون شامروي (مصور فيلم الرداء).

الفيلم لا ينتهي بتلك النهاية السعيدة التي تميز أفلام هوليوود، بل بمأساة إنسانية، وكأن القدر لا يريد أن يترك لسنوحي سوى ذلك المصير الذي يفقده الحب والأمل والابن

ومع ذلك تكمن المشكلة الأساسية في الفيلم الذي يقع في 140 دقيقة، في كثرة الاستطرادات التي تؤدي إلى اضطراب الإيقاع العام بعد وصول الحبكة إلى نقطة لا تتحرك بعدها، كما بدت هناك مواقف كثيرة لا تنال حقها من الاهتمام من جانب السيناريو، مثل كيف تتخلص والدة سنوحي الأصلية من ابنها، والذي نكتشفه من خلال الحوار فقط، أنها هي نفسها الزوجة الثانية لوالد أخناتون التي أنجبت شقيقته بيكتامون، أي أن الأخيرة هي في الحقيقة شقيقة سنوحي، كما تبدو نفرتيتي زوجة أخناتون في صورة امرأة شريرة مدمنة على الشراب، بلا معنى.

وهناك أيضا خلط كبير، سواء في الجمع بين أحداث وشخصيات تنتمي إلى فترات تاريخية متباعدة كثيرا (أخناتون مثلا كان قد ظهر قبل التاريخ المنصوص عليه في الفيلم بقرون عدة) وبين الشخصيات التي تحمل أسماء شهيرة مثل نفرتيتي وميريت وحور محب. والمشكلة أن الفيلم الذي أراده زانوك عملا ملحميا كبيرا، ينتهي إلى ميلودراما تقليدية مليئة بالكوارث والنكبات والمبالغات.

مشكلة التمثيل

المشكلة الأكبر تتمثل في سوء اختيار الممثلين، وبالتالي في ضعف الأداء التمثيلي بشكل عام، فقد كانت رغبة زانوك الأصلية إسناد دور سنوحي إلى مارلون براندو، ولكن بعد أن قابل براندو المخرج مايكل كورتيز، وشاهد الممثلة بيلا دارفي التي كانت ستقوم أمامه بدور نيفر الحسناء المغوية، رفض العمل في الفيلم وانسحب غاضبا في اللحظة الأخيرة، واضطر زانوك إلى إسناد دور سنوحي للممثل الإنكليزي إدموند بيردوم الذي كان متعاقدا مع “فوكس” بعقد يمتد لسنوات قادمة، وقد أدى الدور بطريقة رتيبة جافة خالية من المشاعر.

وأما بيلا دارفي في دور المرأة البابلية نيفر فقد كان أداؤها كارثيا بكل معنى الكلمة، هذه الممثلة البولندية اليهودية كانت قد مرت بمحنة الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية، اعتقلها الألمان بعد غزو بولندا وأرسلوها إلى فرنسا، وبعد الحرب أطلق سراحها، وفي العام 1947 تزوجت بأحد رجال الأعمال وكانت تتردد معه على موناكو، تغشى كازينوهات القمار هناك.

وقد تعرفت على المنتج داريل زانوك في باريس عام 1953، فطلقت من زوجها وتبعته إلى هوليوود لكي يصنع منها نجمة سينمائية. لكنها فشلت فشلا ذريعا رغم جمالها الشديد، بسبب صعوبة نطقها للكلمات، فقد كانت تمضغ الكلمات وتؤدي بطريقة مصطنعة، في مزيج من اللكنتين الفرنسية والبولندية.

ونلاحظ في هذا الفيلم كيف أنها لا تضفي شيئا على شخصية نيفر، بل تكتفي بأداء الدور بشكل مفتعل بارد. وكان زانوك قد فكر في البداية في إسناد الدور إلى مارلين مونرو، ولكنه وقع في غرام بيلا وأطلق عليها دارفي وهو اسم مشتق من الحروف الأولى من اسمه واسم زوجته فيرجينيا. ولكن زوجته سرعان ما اكتشفت علاقته بها، فألغت عقدها وأعادتها من حيث جاءت.

الفيلم يعاني كثرة الاستطرادات التي تؤدي إلى اضطراب الإيقاع بعد وصول الحبكة إلى نقطة لا تتحرك بعدها

وعادت بيلا دارفي تتردد مجددا على نوادي القمار، إلى أن أفلست تماما، وقد وقف زانوك معها كثيرا وكان يرسل إليها بالمال، إلاّ أنه توقف في بداية السبعينات عن دعمها ماليا، فانتحرت في شقتها في باريس عام 1971، وكانت في الثالثة والأربعين من عمرها.

يؤدي الممثل الأميركي فيكتور ماتيور دور حور محب، بطيشه ومرحه ومبالغاته في إبداء البطولة، خاصة في مشهد اصطياد الأسد، وهو من المشاهد الطريفة في الفيلم، وقد صوره كورتيز باستخدام تقنية العرض الخلفي التي كانت شائعة وقتها.

أما جين تيرني الممثلة رائعة الجمال التي أدت دور شقيقة الفرعون باكيتامون، فقد ظلم الدور موهبتها ولكنها رغم ذلك أثبتت حضورها في مشهدين أو ثلاثة. وتبقى جين سيمونز متألقة كعادتها في دور ميريت، وكذلك بيتر أوستينوف في دور كابتاه خادم سنوحي الجشع الذي يتميز بخفة الظل والمرح والمشاغبات.

فيلم المصري من الأفلام القليلة التي ظهرت في هوليوود، وتعكس تقديرا كبيرا للتاريخ الفرعوني رغم ميلودراميته ومبالغاته، فقد أبرز بشكل كبير، كيف كانت مصر القديمة تبرز العبقريات في مجال الطب والعلوم، كما ركز على الفلسفة الإنسانية لبطليه سنوحي وأخناتون.

ولا شك أن الفيلم لا يزال صالحا للمشاهدة بفضل مناظره وديكوراته الخلابة وموسيقاه التي اشترك في تأليفها كل من برنارد هيرمان وألفريد نيومان، حيث كتب برنارد هيرمان موسيقى عدد من أشهر أفلام هيتشكوك مثل: “الشمال من الشمال الغربي”، و”سايكو”، و”الرجل الذي عرف الكثير”، و”فيرتيغو أو دوار”، أما ألفريد نيومان فقد كتب موسيقى “أحدب نوتردام”، و”كيف كسبنا الغرب”، و”أعظم قصة رويت” و”كل شيء عن حواء”.

16