"ستيب" نموذج للشركات التي تواجه مطالب عمالية وصعوبات اقتصادية

ليس مصنع الإطارات المطاطية “ستيب”، بمساكن من محافظة سوسة، وحده يمر بصعوبات كبيرة أثرت على استمرارية نشاطه وعلى أوضاع عماله، بل الأمثلة غيره كثيرة. ويضطر القائمون على هذه الشركات إلى اتخاذ قرارات حاسمة لا تنال رضا العمال لما فيها من مس من حقوقهم في ظل وضع مهني هش يعانون منه.
الاثنين 2016/12/05
الرهان.. إنقاذ الاقتصاد وحماية العمال

تونس - تعيش الشركات والمصانع في تونس وضعا اقتصاديا صعبا نجم عن تأثر بوضع عام مترد اشتكت منه البلاد إبان الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، حيث عرفت البلاد انفلاتا أمنيا واجتماعيا وانعكست تداعياته على الأوضاع الاقتصادية للبلاد.

ويعتبر مصنع الإطارات المطاطية “ستيب” بمنطقة مساكن التابعة لمحافظة سوسة نموذجا لهذه الشركات التي تعاني مشكلات اقتصادية تسببت في وضع اجتماعي متفاقم لعمالها.

ودفع الملف الاجتماعي عمال ستيب إلى الاحتجاج في مناسبات عدة بأشكال مختلفة منها الإضراب وقطع الطريق وغيرهما. وبسبب هذه التحركات أصبحت استمرارية المصنع في النشاط مهددة. وأكد العمال أنهم مجبرون على اتباع مثل هذه الأشكال الاحتجاجية بسبب عدم الاستجابة لمطالبهم.

وتتمثل مطالب أعوان شركة ستيب في صرف أجورهم التي لم يحصلوا عليها منذ 3 أشهر، كما احتجوا على ما اعتبروه عدم التزام من المستثمر الجديد بمحضر الاتفاق.

وقال الكاتب العام للنقابة الأساسية للشركة، رضا ساسي، إن اعتصام أعوان الشركة التونسية لصناعة الاطارات المطاطية يأتي “بعد استنفاد كل الحلول التفاوضية الممكنة مع جميع الأطراف المعنية وبعد تعمد الشركة التونسية للكهرباء والغاز محاولة قطع التيار الكهربائي على المصنع”، معتبرا أن هذا الإجراء يشير إلى اعتماد سياسة الأمر الواقع لتعطيل الإنتاج وإحالة أكثر من 800 عامل على البطالة القصرية.

وأضاف أن “أعوان الشركة يطالبون فقط باستئناف العمل والمحافظة على مؤسستهم باعتبارها مكسبا وطنيا وقطبا صناعيا وتكنولوجيا والإسراع بمعالجة ما تعاني منه الشركة من تراكم للمديونية المالية منذ سنوات“. وطالب المحتجون حينها بالإفراج الفوري عن المواد الأولية المحتجزة لدى الديوانة التونسية وتدخل الوزارات المعنية لتوفير السيولة اللازمة حتى تتم استعادة دورة العمل والإنتاج.

وقالت بيانات لوزارة المالية إن شركة ستيب قد سجلت خسائر مالية كبيرة مع موفى 2015 مع تداين مفرط يبلغ 186 م د، مما دفع أعوان مصنع الشركة بمساكن إلى المطالبة بتدخل سلطات الإشراف لإيجاد حلول لهذه المشكلات. وعبرت مجموعة أفريقيا القابضة عن عزمها توظيف 6 ملايين دينار في الأشهر القادمة لاقتناء معدات جديدة واستثمار 26 مليون دينار لشراء المواد الأولية و8 ملايين دينار لخلاص الأجور المتأخرة و خلاص أعباء أخرى بقيمة 6 ملايين دينار. وطرح القائمون على الشركة اعتماد خطة للتقاعد المبكر تشمل البعض من الأعوان وانتداب فنيين ومهندسين مختصين في إطار خطة إصلاح شاملة.

زياد العذاري: يجب وضع خطة إنقاذ عملية مرفوقة ببرنامج تطويري للشركة بهدف إنقاذها

ومع تأخر تنفيذ وعود المالك الجديد، عادت احتجاجات الأعوان في الفترة الأخيرة بسبب ما اعتبروه “تعمد المستثمر وصاحب الشركة الجديد حجب أجورهم وحرمانهم من وسائل النقل التي كانت تقلهم إلى مقر عملهم”.

وأوضح إبراهيم الزغلامي، عضو المكتب التنفيذي للاتحاد الجهوي للشغل بسوسة، في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء، أن أسباب احتجاجات العمال تعود كذلك إلى إصرار المؤجر الجديد “على عدم تشغيل المصنع منذ أكثر من 5 أشهر”.

واعتبر الزغلامي أن المالك الجديد للشركة التونسية لصناعة الإطارات المطاطية بمساكن “تنكر لفحوى الاتفاق الممضى منذ يوم 13 أوت الماضي بين اتحاد الشغل ورئاسة الحكومة”.

وشدد وزير الصناعة والتجارة زياد العذاري، من جهته، منذ فترة، على أن الدولة ستتحمل كل مسؤولياتها للمحافظة على الشركة التونسية لصناعة الإطارات المطاطية التي تعاني صعوبات مالية كبيرة. وأكد استعداد الوزارة للتعامل مع مجموعة أفريقيا القابضة، التي أصبحت المالكة الوحيدة لستيب، لتتمكن الشركة من تجاوز الصعوبات، التي تعيشها والمحافظة على فرص العمل التي توفرها.

وأكد زياد العذاري، إثر جلسة التأمت منذ فترة وجمعت كافة المتدخلين في هذا الملف، على ضرورة تقديم مجموعة أفريقيا القابضة لرؤية واضحة ووضع خطة إنقاذ عملية مرفوقة ببرنامج تطويري للشركة بهدف إنقاذها ولتمكينها من مواكبة التطور التكنولوجي في مجال صناعة الإطارات المطاطية. وقال إن المالك الجديد للشركة عليه أن يتعهد بإعادة الإنتاج في أقرب الأوقات إلى نسقه العادي، بما يمكن الشركة من استرجاع مكانتها على المستوى الوطني والإقليمي.

وليس مصنع ستيب وحده يمر بصعوبات كبيرة أثرت على استمرارية نشاطه وعلى أوضاع عماله، بل تمر العديد من الشركات الخاصة في تونس بظروف اقتصادية مشابهة، مما اضطر القائمين عليها لاتخاذ قرارات حاسمة لم تنل رضا العمال الذين لجؤوا إلى التحركات الاحتجاجية. وتجبر شركات في تونس تحت الإضرابات على الإغلاق أو المغادرة إلى الخارج والأمثلة على ذلك كثيرة.

ويعاني عمال المصانع الأجنبية المتمركزة في تونس من أوضاع صعبة للغاية فالبعض منهم يرى شبح البطالة يقترب منه، والبعض الآخر تتأخر صرف أجوره لأشهر عديدة. ويبقى القاسم المشترك بينهم هو التداعيات الاقتصادية لمؤسساتهم والتي انعكست بشكل مباشر عليهم.

ويمثل عمال أحد مصانع تصدير الملابس الجاهزة بالكاف أحد الأمثلة الكثيرة وضحايا الوضعيات الاقتصادية الصعبة لمؤسساتهم. وأغلق هذا المصنع، في شهر نوفمبر الماضي، أبوابه وغاب عنه مسؤولوه، ولم يجد العمال أمامهم سوى الاحتجاج من خلال غلق أحد الطرقات الرئيسية بالمنطقة، بعد أن تأخر صرف مستحقاتهم المالية لأشهر إثر بيع المصنع لمستثمر أجنبي.

وتستحضرنا هنا أمثلة أخرى كثيرة منها مصانع “الكابل” بمحافظة بن عروس ومحافظة سليانة وغيرهما، إضافة إلى أزمة شركة بيتروفاك بجزيرة قرقنة التي أثارت جدلا كبيرا منذ أشهر، وكذلك أزمة الحوض المنجمي بمحافظة قفصة. وتشترك كل هذه المصانع والشركات في سبب واحد هو الغلق أو التهديد بالغلق، على خلفية تحركات اجتماعية للعمال أو لعاطلين عن العمل.

وحسب إحصائيات وكالة الصناعة والتجديد، فإن معدل الغلق السنوي للمؤسسات في حدود 374 مؤسسة اقتصادية، دون احتساب معدل سنة 2016.

ويشار إلى أنه بين سنة 2007 و2015 تم غلق 1868 مؤسسة اقتصادية، مما تسبب في خلق بطالة فنية لأكثر من 12000 عامل ولم تكن عوامل عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي والأمني وحدها وراء هذا الغلق، بل يرجع أصحاب المؤسسات الأسباب إلى “المطلبية المجحفة للعمال” .

4