ستيفاني ويليامز أم أدريان بلت؟

ما الفشل المستمر الذي عرفه المسار السياسي في ليبيا منذ 2011 إلا نتيجة لصراعات القوى العظمى وتجاذباتها.
الخميس 2020/10/29
السياسة فن الممكن

كلمة المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، ستيفاني ويليامز، مؤخرا والتي توجهت بها إلى أعضاء الحوار السياسي الليبي عن طريق الفيديو كونفرانس تمهيدا للملتقى الذي ستستضيفه تونس في نوفمبر، كانت طيبة، وأتمنى لها التوفيق لجهودها وجهود أعضاء الحوار السياسي، ولكن كأن المبعوثة الأممية تشعر بأنها أدريان بلت المبعوث الأممي لليبيا إبان الاستقلال.

سيدة ستيفاني إن التحدي كبير والزمان غير الزمان والأحوال تبدلت عن زمن أدريان بلت ﻣﻨﺪوب اﻷﻣﻢ المتحدة السابق في ﻠﻴﺒﻴﺎ بعد الاستقلال الكلي عن المواقف والصراعات الدولية المتداخلة، ويتضح ذلك من خلال العديد من المعطيات والنقاط والشواهد، التي تمر بها ليبيا اليوم.

فالدول المتصارعة حول ليبيا اليوم غير منهكة من حرب عالمية ثانية كما كان حال الفرنسيين والروس والإنجليز والطليان في ذلك الوقت، بل على العكس من ذلك تماما، نحن بصدد معايشة تغيير في النظام العالمي، الذي رسمته الحرب العالمية الثانية والذي انتهى في عام 2013 وكانت الأحداث في سوريا نقطة تحوله المحورية وما تبع ذلك من حرب اقتصادية أميركية صينية.

العالم يمر اليوم بأجواء شبيهة بتلك التي كانت سائدة إبان عصبة الأمم وما تلاها من فوضى وعدم استقرار واحتلال لعدة دول، وكان نتاجها الحرب العالمية الثانية، التي أتت هي الأخرى بالنظام العالمي الذي استمر قرابة سبعين عاما. إن الصراع القائم بين الدول ينذر بزلزال قوي (اقتصادي أو عسكري) تنتج عنه ملامح النظام العالمي الجديد.

انطلاقا من النقطة السابقة وللحصول على توصيف دقيق للأزمة الليبية يؤدي إلى حلول ممكنة لا بد من التمعّن في الانتخابات الرئاسية الأميركية ونتائجها، التي ستظهر، وأيضا علينا النظر إلى التجاذبات والصراعات الأميركية الصينية الروسية التركية الفرنسية الإيطالية وغيرها من البلدان، وهي صراعات تسعى الدول من خلالها للحصول على النفوذ والسيطرة على العالم بساحات وأماكن مختلفة.

تمثل التجاذبات بين تلك الدول -القوى الكبرى الفاعلة على مستوى العالم- وصراعها على النفوذ والسيطرة أوراق لعب متعددة بالنسبة إليها في مناطق كثيرة، منها ما يحدث في سوريا وأذربيجان واليمن، وأيضا الصراع في منطقة شرق المتوسط ومحاولات الهيمنة على منابع الغاز الطبيعي، ناهيك عن الحرب الاقتصادية الأميركية الصينية والصراع حول بحر الصين، وأخيرا مسألة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي.

كل النقاط السابقة تشكل جزءا مهما من أوراق الصراع للهيمنة على العالم، وليبيا إحدى أهم هذه الأوراق التي يستحيل تحييدها وإخراجها من دائرة الصراع وفي هذا الوقت بالذات، وما الفشل المستمر الذي عرفه المسار السياسي في ليبيا منذ 2011 إلا نتيجة لهذه الصراعات والتجاذبات.

لا نشكك في وطنية أعضاء الحوار السياسي ولا في صدق نواياهم ونتمنى لهم التوفيق والنجاح في كل ما يحقق مصلحة ليبيا، لكننا نقول لا تتفاجأوا من تكرار سيناريو اتفاق الصخيرات وما نتج عنه من حكومة هشة وصراعات وخلافات قد تستمر.

وبما أن السياسة فن الممكن فلا ينبغي أن نكتفي بتحليل الواقع المرير الذي تعيشه ليبيا منذ تسع سنوات، فالواجب الوطني يحتم على المشاركين في الحوار السياسي العمل على إخراج بلدنا مما هو فيه ومحاولة القيام بذلك قدر الإمكان.

من هنا يمكن تحديد ثلاثة عوامل مهمة بالإمكان الارتكاز عليها حتى ينجح الحوار، أولها العمل على إيجاد توافق بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون لأعضائها حس وطني عال، ويكونون مدركين لحجم التحديات الوطنية والدولية، ويكون ولائهم للوطن وهدفهم الأول إخراج ليبيا من دائرة الصراع الدولي وجعلها دولة مستقلة ومحايدة تربطها علاقات متينة ومتوازنة مع كافة الدول المتصارعة من خلال مبدأ احترام سيادة الدول والمصالح المتبادلة.

سيكون ذلك المعطى مقترنا بالعمل على دعم اتفاق وقف إطلاق النار، ودعم مخرجات 5 + 5 لما فيها من مصلحة وطنية عليا تحقق المصالحة الوطنية، وإعادة ترتيب وتشكيل قوات الجيش الليبي وإخراج كل القوات الأجنبية من ليبيا.

الأمر الآخر، الذي لا يقل أهمية عن العاملين الآخرين، هو العمل على إيصال ليبيا إلى إجراء انتخابات عامة رئاسية وبرلمانية تحدد تواريخها في اليوم ذاته الذي تُعتمد فيه الحكومة، وهو تحدّ كبير؛ وخاصة أن الدول المتدخلة في ليبيا ترفض هذه الانتخابات كليا وهي السبب الرئيسي في إفشال انتخابات عام 2014 الخاصة بمجلس النواب وما تبعها من انقسامات.

6