ستيفان بلانكي ينثر عوالمه الكابوسية في باريس

الفنان الفرنسي خلق علاقات جديدة بين الكلمات والصور والأجساد بأسلوب متدفق مسرف يكاد يكون مرعبا.
الاثنين 2020/09/21
خليط من الصور والخطوط تمتد فيها شتى التقنيات

في "هال سان بيير" بباريس يقام معرض للفنان الفرنسي ستيفان بلانكي، الذي جمع بين الرسم والفن التشكيلي وصناعة الدمى ومسرح الظل والأشرطة المصوّرة والإخراج المسرحي وأفلام الأنيميشن.

يعتبر الفرنسي ستيفان بلانكي (المولود عام 1973) من الفنانين الذين يأخذون من كل شيء بطرف، فقد بدأ بالرسوم التصويرية للمؤلفات الموجهة للأطفال والمراهقين ورسوم الأشرطة المصوّرة، ثم انتقل إلى صنع الدمى لمسرح الظل وزخرفة المسارح، قبل أن يمرّ إلى الغرافيتي والفن التشكيلي بشكل عام، ولكن دون أن يتخلى عن أي جنس من الأجناس التي مارسها، فهو يتنقل بينها كما تتنقل الأسماك في الماء.

بدأ يسجل حضوره عام 1990 بنشر “ابن آوى كريه الرائحة”، وهو من نوع الـ”غرافزين” (مطبوعة أو مجلة تضم مجموعة من الغرافيتي، تكون العناصر النصية، إن وُجدت، مَصوغة بشكل خطوطي أو مُدمَجة في الصور)، ثم “المتوحّشة” التي حازت إحدى جوائز مهرجان أنغوليم للأشرطة المصوّرة عام 1996، وهي التي بوأته مكانة في هذا الفن وما لبث أن صار أحد رؤوسه البارزة، ما فتح له باب النشر في دور متخصّصة مثل كورنيليوس، وألان بولي، والجمعية، وحتى في دور النشر الكبرى مثل غاليمار وألبان ميشيل.

نشر بلانكي عام 2001 أهم ألبوماته “الحكاية ذات الأثداء”، وهو عبارة عن رواية مرسومة بطريقة الظلال الصينية. ثم تلته “السّامة ذات الِمنخسين”، ثم انتقل لاستعمال الجسد كلوحة في تجربة أدّاها على أجساد بعض المتطوّعين قبل أن يلتقط صورا عنها.

أعمال بلانكي تعكس عالما منغلقا، ومكانا تتكدس فيه الرسوم والألوان بشكل لا يترك فراغا ولو يسيرا للبياض

وبعد أن تعاون عام 2006 مع المخرج جان لامبير ويلْد في مسرحية غنائية بعنوان “أغاني ساد” (عن الماركيز دو ساد)، حيث أعدّ الأزياء والديكور، شغل منصب “مدير بصري” في المعهد الوطني الدرامي النورمندي بمدينة كان.

من أعماله التي لفتت الانتباه نذكر أيضا صُنعَه قطارا وهميا في متحف الفن المعاصر بليون، وتجربة مُماثلة في متحف الفن الحي بسنغافورا، إضافة إلى “وان مان شو” في المتحف نفسه.

تعكس أعمال بلانكي عالما منغلقا، ومكانا تتكدّس فيه الرسوم والألوان بشكل لا يترك فراغا ولو يسيرا للبياض، ويرغم المتلقي على تركيز النظر لتبيّن تفاصيل ساخرة حينا وباتولوجية حينا آخر وسط خليط من الصور والخطوط، فهو لا ينفك يثري عمله بشتى التقنيات والتكنولوجيات، التقليدية منها والطلائعية، كالرسم بالريشة، والطباعة على الحجر، والرسم على النسيج باستعمال الوسائل الرقمية، يداوم البحث والتجديد تأكيدا لحيوية التعابير الفنية الذاتية التي تقطع مع المعايير المهيمنة وتقلب رأسا على عقب القيم السائدة عن الجمال والقبح، والذوق السليم والذوق السيء.

وبلانكي يدافع عما يسمّيه "الثقافة الدنيا” أو “ثقافة القاع" ويعتبرها أكثر عنفا وتهتّكا من الفن، وهو القائل “الفن نعرف أين يوجد وفي أي دفء يستريح، أما الثقافة الدنيا فهي لا تتصنّع أو تتظاهر ولا تُقدّم لنفسها ميداليات اللهم إلاّ إذا كانت من الشوكولاتة، فهي دائما في خطر، مخفية في الغاب، بين علبة غسيل ولعب بلاستيك رخيصة. صادف أن تعاملتُ مع ذلك الوسط الدافئ المريح، ولكني كنت أمدّ نحوه إصبعا أو ذراعا فقط، أما بقية جسدي فهي في تقلبات القاع المناخية”.

فالقاع إذن هو عالم بلانكي، أندرغراوند حقيقي تتولد فيه صور كاشطة، ولكنه أيضا موئل رمزي يصدر منه الصوت الذي ينشّطها.

غرابة قاسية مفرطة في الفظاظة
غرابة قاسية مفرطة في الفظاظة

ويعتقد بلانكي أن الاستكشاف الفني لعوالمنا النفسية والأسطورية يرينا ما نعتقد أننا نعرفه: عالم الغرائز والجنس وكل ما هو عضوي. يقول في هذا المعنى “لو نمعن النظر، فسوف نجد أني أرسم غصنا وكأنه عضو، والعشب وكأنه شعر، ما يعني أنها رؤية عضوية لكل شيء، فكل شيء في رسومي حيّ. وأنا أفضل رسم كل ذلك وأراه أهم من جولة في الريف”. ما يعني أن قاموسه المتأتي من جسد الإنسان يمكّنه من إدراك ما لا يوصف ولا يقال أو يخطر ببال.

بيد أن قوة الخلق عنده تنصبّ على ما هو بذيء ومتوحشّ ومقزّز، وهذا عائد إلى هوسه بالكوابيس والأشباح والكائنات المتوحشة قبيحة الخلقة، فهو يعترف بأنه إنما يقيء عمله في وجه الفراغ والحبر كما يقيء أمعاءه شريطة ألا ّيكون غِثْيُه شفافا، ولذلك خلق علاقات جديدة بين الكلمات والصور والأجساد بأسلوب متدفق مسرف يكاد يكون مرعبا. يكشف عنها ويغطيها في الوقت ذاته بغرابتها القاسية المفرطة في الفظاظة.

نلمس هذا الغلو في أعمال كثيرة أمثال “زفت مكبوس”، “تَلَمُ طبلة أذن”، “نقطة فارغة”، “فكوك سوداء”، “بلانكي يُغنغر طوكيو”، “بلانكي يفتح بطنه”، “متاهة معَوية”، “غرفة مطلة على كوابيسي”، “لحم بارد وشركاؤه”، “شبح الآخرين”، “مونوغرافيا دمعية” وغيرها.

فهو يصدم ويستفزّ ويربك، ويهوى خلقَ نوعٍ من الضيق في نفوس المتلقين بالتلاعب بالوساوس والهواجس والإحباطات، لأن عالمه المعذَّب والجزع آهل برجال ونساء وأطفال يراهم المتلقي مسكونين بشيطان الانحراف. غير أن ذلك التوتر بين البراءة والقسوة، بين الاحتفاء بالجنس وغريزة الموت لا يؤدّي بالضرورة إلى طريق مسدود وغد ميؤوس منه، لأن بلانكي يُميت المكبوت ويُحْيي الجسد بعد أن يخلّصه من الذنب والخوف من الموت.

16