ستيفان سميث كاتب أميركي يضلل قراءه باسم العِلم

الكاتب يحذر الأوروبيين من الأفارقة بلهجة عنصرية وخطاب أقرب إلى اليمين المتطرف.
الخميس 2020/01/09
العنصرية مازالت تحاصر الأفارقة

عادة ما يأخذ القارئ العادي ما يقترحه عليه بعض الباحثين أخذًا مسلَّما، لاسيّما إذا كان معزّزا بالأرقام والمخططات البيانية والمراجع، فضلا عن إطراء الإعلاميين عند صدوره في كتاب، والحال أن كل كتاب هو تعبير عن موقف يخص صاحبه، حتى وإن اتسم بالموضوعية، ولا يمكن بالتالي أن نقبل ما يطرحه كأحكام نهائية لا تقبل الشك أو الطعن والدحض.

يحضرنا الباحث الأميركي ستيفان سميث، الذي يقدمه الإعلام الفرنسي كأستاذ خبير بالشؤون الأفريقية، وتستقبله المنابر الإعلامية ليحدثها “حديث العارف” عن “مخاطر الهجرة الأفريقية إلى أوروبا”، وما هو بالأنثروبولوجي ولا بالمؤرخ أو الديموغرافي.

كانت الرسالة الجامعية لستيفان سميث في السيميوطيقا، أما الوظائف التي تقلدها فكانت في بعض الصحف الفرنسية كليبيراسيون ولوموند، مستشارا وصحافيا قبل أن ينصرف إلى تدريس مادة “الدراسات الأفريقية” كأستاذ زائر في الولايات المتحدة، ما أوحى له بتأليف كتب عن القارة السمراء وشعوبها وعلاقتها بالغرب. وقد جاءت كلها متحاملة على الأفارقة، منحازة إلى وجهة النظر الغربية، اليمينية منها على وجه الخصوص، تلك التي تحذر أوروبا من خطر “أفْرَقتِها” أي جعلها أفريقية، ولكن دون أن تستند إلى دليل علمي.

الكتاب لا يرتكز على أي منهجية علمية، بل هو جملة من العموميات والأرقام والمقارنات العارضة والتوقعات المتشائمة
الكتاب لا يرتكز على أي منهجية علمية، بل هو جملة من العموميات والأرقام والمقارنات العارضة والتوقعات المتشائمة

ذلك أن منطلقه أيديولوجي عنصري، درج عليه منذ كتابه “نيغرولوجيا: لماذا تموت أفريقيا” الصادر عام 2002، وكان قد وصف فيه أفريقيا بـ”جنّة القسوة” حيث “يأكل الناس بعضهم بعضا”، و”يرفضون أن يدخلوا الحداثة إلا كمهاجرين غير شرعيين أو مستهلكين يعيشون عالة على بقية العالم”، و”لو قُدّر للستة ملايين إسرائيلي أن يحلوا محل التشاديين، فإن منطقة تبستي سوف تزدهر”. ورغم هذه العبارات العنصرية السافرة، حاز الكتاب جائزة مؤسسة “تلفزيون فرنسا” عام 2004.

لا يختلف كتاب سميث الأخير “الاندفاع نحو أوروبا: إفريقيا الشابة في طريقها إلى القارة العجوز” عن كتبه السابقة ذات العناوين المثيرة، مثل “إفريقيا دون أفارقة”، و”أسود وفرنسي!” (وعلامة التعجب من وضعه، وهي هنا تكتسي معنى الاستنكار)، فقد استقبل بحفاوة في صحف “لوفيغارو” و”لوموند” و”ويست فرانس” وفي استديوهات فرنسا الثقافية رغم ضحالة محتواه، وخلوّه من الصرامة العلمية التي يدعيها، فضلا عن نبرته العنصرية، على رأي فرنسوا هيران، الأستاذ المحاضر بالكولاج دو فرانس، الذي قال إنه خال من أي قيمة علمية. ذلك أن ثيمة الكتاب، كما يلخصها سميث نفسه في أحاديثه، هي أن أوروبا سوف “تتأفرق”، وأن كل عائلة أفريقية سيكون لها بعد جيل أو جيلين ابن أخ أو ابنة أخت من أوروبا، وأن ذلك لن يتم دون مشاكل خطيرة.

فالكتاب لا يرتكز على أي منهجية علمية، بل هو جملة من العموميات والأرقام والمقارنات العارضة والتوقعات المتشائمة، يروم من خلالها التأكيد على أن النمو السكاني في أفريقيا سيدفع بعشرات الملايين من الشباب الأفريقي نحو أوروبا، بشكل سوف يضفي عليها طابع ما يسميه بـ”الأفْرَقة”، وأن “قدوم الأجانب” من عرب وسود إلى القارة العجوز سوف يزعج في رأيه الأوروبيين البيض، رغم أنه يدفع عن نفسه تهمة العنصرية في أحاديثه، مؤكدا عدم إيلائه أهمية للون البشرة أو الأصول، ولكن الكتاب كله يضع وجها لوجه المهاجرين أو أبناءهم وأهلَ البلاد، ما يجعل خطابه أقرب إلى خطاب اليمين المتطرف، خصوصا عندما يصرّح بأن هذا النوع من الهجرة لا ضرورة له ولا فائدة منه.

ثم إنه ليس صحيحا أن ثمة هجمة أفريقية نحو أوروبا، فأشغال الديموغرافيين تبين أن نسبة هجرة الشعوب الأفريقية تماثل المعدل العالمي (ما يزيد قليلا عن ثلاثة بالمئة) وأن معظم المهاجرين الأفارقة يبقون داخل قارتهم، وأن نسبة المهاجرين منهم لا تتعدى 2.3 بالمئة من سكان أوروبا الغربية، ولا تمثل أكثر من 2 بالمئة من جملة السكان الأوروبيين.

 غنيّ عن القول إن أرقام الهجرة غير الشرعية غير ذات بال نظرا إلى السياسات الأمنية ضدّ الهجرة، داخل القارة الأفريقية نفسها لمنع الراغبين في الهجرة من الوصول إلى أوروبا، ما يجعل حديث سميث عن “زحف ديموغرافي” و”قنبلة ديموغرافية” و”كثبان بشرية” كلاما لا يليق بمن يصف عمله بالدراسة العلمية، فما هو سوى تهويل مقصود نلمسه في قوله: “من الآن فصاعدا، ستكون بشائر الخير التي تأتي من أفريقيا نذائر شؤم على القارة الأوروبية”.

ستيفان سميث منخرط في تقليد أيديولوجي يتنبأ دعاته منذ عشرات السنين بنهاية "الحضارة الغربية" و"العالم الأبيض"
ستيفان سميث منخرط في تقليد أيديولوجي يتنبأ دعاته منذ عشرات السنين بنهاية "الحضارة الغربية" و"العالم الأبيض"

ولنا أن نتساءل عن غاية سميث حين يستشهد بفقرة من “رسالة في مبدأ السكان” لتوماس مالتوس كي يضع القارئ أمام فكرة مفادها أن الجيلين أو الأجيال الثلاثة القادمة من الأفارقة سوف تكون “زائدة”، على غرار ما نعت به مالتوس الفقراء حين زعم أن المجتمع ليس في حاجة إليهم؛ أو حين يستشهد أيضا بصامويل هنتنغتون، أو بالفرنسي جان راسباي الذي يتخذ اليمينُ المتطرف من روايته “معسكر القدّيسين” دليلا على “اجتياح بربري” وشيك.

ويرى سميث أهمية استحضارها في هذا الظرف، كما فعل الأميركي مستشار ترامب الأسبق ستيف بانّون القائل بتفوق العرق الأبيض. كل ذلك يقيم الدليل على انخراط ستيفان سميث في تقليد أيديولوجي يتنبأ دعاته منذ عشرات السنين بنهاية “الحضارة الغربية” وحتى “العالم الأبيض”، إذا لم يقع التصدي للمهاجرين من غير اللون الأبيض. لقد تذرع راسباي بأن روايته خيال محض، وكان على سميث لو تحلى بقدر من الأمانة الفكرية أن يقدم عمله هذا كمقالة في الأيديولوجيا السياسية، بدل أن يوهم القراء بأنه تأليف علمي.

إن أي متخصص في الهجرات الأفريقية يدرك بسهولة أن ستيفان سميث ليس ملمّا بالموضوع الذي اختاره، وأنه يعيد خطاب اليمين المتطرف عن “التعويض الأكبر”، الذي يرى في المهاجرين غزاة سيحلون محل البيض الأصلاء. فالكتاب يزفر رائحة عنصرية بغيضة، ولكن الإعلام يغض الطرف لمجرد أن صاحبه صديق، وزميل سابق، يصرح علنا ألا علاقة له بالعنصرية.

يقول جوليان براشي، الباحث المتخصص في الديناميات السياسية والتنقلات البشرية والتجارية في الصحراء الكبرى والساحل الأفريقي “لقد زيّن سميث نصّه بإحالات أدبية وأسماء لامعة في الفلسفة والعلوم الاجتماعية، دون أن يناقش أفكارهم. والخلاصة أنه يبحث عن شرعية علمية لا يجدها”. والغاية كما أسلفنا هي ادّعاء العِلم لتضليل الرأي العامّ.

15