ستيفن مونشين حارس مفاتيح المال الأميركي في عصر حرب العملات

مسؤولية وزير الخزانة الأميركي تشمل الإشراف على مكتب “أوفاك" الذي يهتم بمراقبة الأصول الأجنبية ووضع العقوبات على حركة أموال الأشخاص والمؤسسات.
الخميس 2019/08/01
الدولار يواجه الصين وإيران و"ليبرا"

 “إيران لا تصدر الإرهاب وعدم الاستقرار عبر العالم فحسب، بل إنها تنتهك بشكل روتيني حقوق شعبها. كما أن النظام يحوّل الموارد الوطنية العائدة للشعب الإيراني لتمويل جهاز ضخم ومكلف للرقابة لكبت حرية التعبير، إذ يتعرض الذين يتكلمون ضد فساد النظام وسوء إدارته إلى الانتهاكات والسجون في إيران. الولايات المتحدة تقف بجانب الشعب الإيراني، ووزارة الخزانة تعمل على محاسبة النظام الإيراني على انتهاكاته المستمرة لحقوق الإنسان، والرقابة، وغيرها من الأعمال المشينة التي يرتكبها ضد أبناء شعبه”.

هذا ما صرّح به في وقت سابق وزير الخزانة الأميركي ستيفن مونشين، الرجل المسؤول عن ميزانية الولايات المتحدة “العظمى” والمؤتمن على بيت المال الأميركي الذي يقدّر كما أعلن الرئيس دونالد ترامب مؤخرا بـ4.4 تريليون دولار للسنة المالية 2019.

 نقلت تصريح الوزير مونشين وزارة الخارجية الأميركية على حسابها على تويتر مع تغريدتين لتوضيح القرارات التي اتخذها  مونشين في هذا الصدد “قام مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) التابع لوزارة الخزانة الأميركية أمس بفرض عقوبات على كيانين إيرانيين لارتكابهما انتهاكات لحقوق الإنسان بالنيابة عن حكومة إيران”. وفي تغريدة متّصلة “إضافة إلى ذلك، أدرجت (أوفاك) على لائحة العقوبات كيانا آخر يختص بتشغيل تقنيات معلومات أو اتصالات تسهل آليات المراقبة والتعقب التي من شأنها أن تساعد في ارتكاب انتهاكات حقوق إنسان خطيرة من قبل أو نيابة عن حكومة إيران”.

لكن من هو مونشين؟ وما هي آليات تحكّمه بهذا الجهاز التنفيذي الضخم من حيث حجم العمل وتأثيره في الداخل الأميركي والعالم؟ وعلى من يأتمن أهم مكاتب الوزارة المسمى أوفاك الذي يحدد العقوبات الاقتصادية والمالية على المؤسسات والأفراد المخالفين لنواظمه المعتمدة؟

أسرار قوة أوفاك

مونشين مسؤول عن وكالة تتبع الجناح التنفيذي للدولة، ومسؤول عن تعزيز الأمن القومي من خلال مكافحة التهديدات الاقتصادية وحماية سلامة نظامها المالي
مونشين، وقبل تثبيته وزيرا للخزانة، كان المدير المالي لحملة ترامب الرئاسية. أمضى معه عاما كاملا التقى فيه بالمئات من قيادات العالم المالية، قبل أن يعينه مستشاره الاقتصادي الأول

يقع تحت مسؤولية مونشين مكتب “أوفاك” وهو من أهم المكاتب في الوزارة، كونه يهتم بمراقبة الأصول الأجنبية ووضع العقوبات على حركة الأموال التابعة لأشخاص ومؤسسات يثبت مخالفتهم لقوانين مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال وتهريب المخدرات والاتجار بالبشر. وقد أوكل مونشين إدارة هذا المكتب لسيدة تعتبر الأقوى بين أعضاء حكومة ترامب حتى أنها قد تتفوق في سلطتها على مستشار الأمن القومي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو، واسمها سيغال مندلكر.

وزارة مونشين لها تاريخ طويل في التعامل مع العقوبات يعود إلى سلف مونشين في القرن الماضي، الوزير غا لاتين، عندما فرض في العام 1812 عقوبات على بريطانيا العظمى بسبب التضييقات التي كانت تمارسها على البحّارة الأميركيين. أما تأسيس مكتب أوفاك رسميا فقد كان في العام 1950 بعد دخول الصين في الحرب الكورية، عندما أعلن الرئيس ترومان حالة طوارئ وطنية، وحظّر جميع الأصول الصينية والكورية الشمالية الخاضعة للسلطة القضائية الأميركية.

عقوبات اقتصادية يفرضها مونشين منذ العام 2018 على 11 من المؤسسات والأفراد قدموا الدعم أو عملوا لصالح، أو بالنيابة، عن شركة ماهان الجوية في الطيران المدني الإيراني، وتشمل قائمة المؤسسات المعاقبة بنكا يقدم الخدمات المالية لماهان، وشركات افتراضية تقوم بشراء قطع غيار الطائرات، ووكلاء للمبيعات العامة يقدمون الخدمات للطائرات في ماليزيا وتايلاند وأرمينيا

أما مهمة مكتب أوفاك فهي تنفيذ العقوبات الاقتصادية والتجارية استنادا إلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأهداف الأمن القومي ضد البلدان والأنظمة الأجنبية المستهدفة، والإرهابيين، ومهربي المخدرات الدوليين، والمشاركين في أنشطة ذات صلة في تسهيل انتشار أسلحة الدمار الشامل، وغيرها من التهديدات التي يمكن لها أن تطال الأمن القومي أو السياسة الخارجية أو اقتصاد الولايات المتحدة. 

ويعمل هذا المكتب بموجب صلاحيات الطوارئ الوطنية الرئاسية، وكذلك السلطة الممنوحة لوزير الخزانة وفقا لتشريعات محددة، لفرض ضوابط على المعاملات، وتجميد الأصول الخاضعة للسلطة القضائية للولايات المتحدة. وتستند العديد من العقوبات التي يقرّها “أوفاك” إلى مرجعيات الأمم المتحدة، إضافة إلى العديد من الثوابت القانونية الدولية، وتعتبر عقوبات “أوفاك” واسعة الطيف وتتحصّن إجراءاتها بتعاون وثيق مع الحكومات الحليفة.

المال والأمن القومي

لحظة تسلّمه منصبه أعلن البيت الأبيض أن مونشين أدّى اليمين كوزير للخزانة الذي يحمل الترتيب 77 ضمن قائمة الوزراء الذين تعاقبوا على هذا المنصب في تاريخ 13 فبراير 2017. وبصفته وزيرا للخزانة، فإن مونشين مسؤول عن وكالة تتبع الجناح التنفيذي للدولة. وتتمثل مهمة وزارته في الحفاظ على اقتصاد قوي، وتعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل من خلال تعزيز الظروف التي تتيح الرخاء والاستقرار في الداخل والخارج. وهو مسؤول أيضا عن تعزيز الأمن القومي من خلال مكافحة التهديدات الاقتصادية وحماية سلامة نظامنا المالي بالإضافة إلى إدارة الشؤون المالية للحكومة الأميركية.

وقبل تثبيته وزيرا للخزانة كان مونشين يشغل منصب المدير المالي لحملة ترامب للرئاسة، وهو الدور الذي مكّنه من قضاء عام كامل مسافرا مع الرئيس حيث التقى المئات من القيادات الاقتصادية والمالية في العالم. وشغل كذلك منصب المستشار الاقتصادي الأول للرئيس، المسؤول عن تقديم المشورة لمواقفه الاقتصادية وصياغة القسم الاقتصادي من خطبه.

السيطرة على نمو العالم

مونشين مسؤول عن وكالة تتبع الجناح التنفيذي للدولة، ومسؤول عن تعزيز الأمن القومي من خلال مكافحة التهديدات الاقتصادية وحماية سلامة نظامها المالي
مونشين مسؤول عن وكالة تتبع الجناح التنفيذي للدولة، ومسؤول عن تعزيز الأمن القومي من خلال مكافحة التهديدات الاقتصادية وحماية سلامة نظامها المالي

خلال شهر يوليو الماضي قام مونشين بإقرار بيان رسمي نشر على موقع وزارة الخزانة يحذّر شركات الطيران المدني الدولية من التعامل مع الخطوط الجوية الإيرانية، والسبب يعود إلى تورطها في أنشطة تدرج تحت عنوان “زعزعة الاستقرار”. التحذير يقدّم معلومات حول الدور الذي تلعبه العديد من شركات الطيران التجارية الإيرانية في دعم جهود النظام الإيراني لإثارة العنف الإقليمي من خلال الإرهاب، وتزويد الميليشيات التي تعمل معها بالوكالة، وكذلك النظام السوري، بالأسلحة والعتاد ونقل المسلحين وغيرها من أنشطة زعزعة الاستقرار في المنطقة.

ومنذ العام 2018، فرض مونشين عقوبات اقتصادية على 11 من المؤسسات والأفراد قدموا الدعم أو عملوا لصالح أو بالنيابة عن شركة ماهان الجوية في الطيران المدني الإيراني، وتشمل قائمة المؤسسات المطبقة عليها عقوبات أوفاك بنكا يقدم الخدمات المالية لماهان، وشركات افتراضية تقوم بشراء قطع غيار الطائرات، ووكلاء للمبيعات العامة يقدمون الخدمات للطائرات في ماليزيا وتايلاند وأرمينيا.

وتقول ماندلكر رئيسة “أوفاك” إن النظام الإيراني “يستخدم شركات الطيران التجارية لتعزيز أجندة الجماعات الإرهابية المزعزعة للاستقرار مثل قوات الحرس الثوري، وفيلق القدس التابع لها، لتنقل المقاتلين من ميليشياتهم بالوكالة في جميع أنحاء المنطقة”. وتشير إلى أن شركة ماهان الجوية تلعب دورا أساسيا في دعم الحرس الثوري ووكلائه الإقليميين عن طريق نقل المقاتلين الأجانب والأسلحة والأموال، كما نقلت أيضا قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الذي يخضع لحظر سفر من الأمم المتحدة بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2231.

الجميع يتحدث عن التأثير الناجم عن حرب العملات التي تدور حاليا، وستبرز آثارها على النظام التجاري الدولي، ليضغط على الاقتصاد العالمي ومن ثم قوة الدولار على المدى المتوسط.

ويرصد الاقتصاديون ما أحدثه تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي الذي دفع المستثمرين إلى الاتجاه نحو سندات الخزانة الأميركية وسوق الأسهم في بورصة “وول ستريت”، الأمر الذي يتسبب في ارتفاع قيمة الدولار، خلال الربع الثاني من هذا العام 2019، في الوقت الذي بلغ فيه نمو الاقتصاد العالمي نسبة 3.2 بالمئة.

مونشين لن يستطيع وحده السيطرة على قوة الدولار، حسبما يشير الخبراء، إلا عند مستويات معينة، وذلك بسبب مجموعة من المتغيرات من أبرزها معدلات النمو في باقي دول العالم. وحتى يتراجع الدولار بشكل دائم، يجب أن يرتفع معدل نمو الاقتصاد العالمي، وتتلاشى ميزة العائد على سندات الخزانة الأميركية، ومن الممكن حدوث ذلك في حالة واحدة وهي أن يكون الاقتصاد في باقي دول العالم قويا بما يكفي لدفع عوائد سندات الدول الأخرى نحو الارتفاع. لذلك يجب التركيز على الصين باعتبارها المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي، فمنذ الأزمة المالية العالمية التي ضربت الأسواق في عام 2008 برزت دورات نمو عديدة شهدت نموا جيدا للاقتصاد الصيني، في حين كان الدولار يعاني من الضعف.

عملة "ليبرا" الرقمية التي تطرحها فيسبوك، يبدي مونشين عدم ارتياحه لها، فقبل أسابيع قليلة، قال إنه "قد تتم إساءة استخدام عملة ليبرا الرقمية من قبل مهربي الأموال وممولي الإرهاب"
عملة "ليبرا" الرقمية التي تطرحها فيسبوك، يبدي مونشين عدم ارتياحه لها، فقبل أسابيع قليلة، قال إنه "قد تتم إساءة استخدام عملة ليبرا الرقمية من قبل مهربي الأموال وممولي الإرهاب"

وقبل أسابيع قليلة، وفي مؤتمر صحافي عقده مونشين، بخصوص عملة “ليبرا” الرقمية التي صممتها منصة فيسبوك للتواصل الاجتماعي، أبدى مونشين عدم ارتياحه لخطط فيسبوك في هذا المجال، وقال إنه “قد تتم إساءة استخدام عملة ليبرا الرقمية من قبل مهربي الأموال وممولي الإرهاب”. وأضاف قوله “لقد تم سابقا استغلال العملات المشفرة، مثل البيتكوين الرقمية، لدعم تداول مليارات الدولارات من النشاط غير المشروع مثل جرائم الإنترنت والتهرّب الضريبي والابتزاز والفدية والمخدرات غير المشروعة والاتجار بالبشر”. وقد جاءت تصريحات مونشين بعد أيام من توجيه ترامب اتهامات مماثلة لعملة ليبرا في سلسلة من التغريدات.

ويخشى المسؤولون الحكوميون الأميركيون استخدام عملة ليبرا لتمويل الإرهاب والمعاملات المالية في عمليات تجارية خارجة عن القانون.

وخلال اجتماع لمونشين في البيت الأبيض، وقبل يوم واحد من بدء الكونغرس سلسلة من جلسات الاستماع التي تدرس أول دخول لعملاق وسائل الإعلام الاجتماعية فيسبوك إلى الجيل التالي من التكنولوجيا المالية، قال مونشين للصحافيين إثر خروجه من الاجتماع “ترحب الولايات المتحدة بالابتكار المسؤول، بما في ذلك التكنولوجيا الجديدة التي تعمل على تحسين كفاءة النظام المالي، ولكن في حالة عملة ليبرا الرقمية والعملات المشفرة الأخرى فيقع على عاتق الحكومة الحفاظ على سلامة نظامنا المالي وحمايته من سوء المعاملة”.

وأضاف أن مجلس مراقبة الاستقرار المالي الذي يضم رؤساء جميع الجهات الرقابية المالية في الولايات المتحدة، قد اجتمع عدة مرات مع ممثلي  فيسبوك لمناقشة عملة ليبرا، ولكن على الرغم من الاجتماعات المتواترة، فإن إدارة فيسبوك لم تأتِ بأجوبة ناجعة بعد على تساؤلات ومخاوف الهيئات التنظيمية. ويعتقد مونشين أنه وبقدر ما تستطيع إدارة فيسبوك أن تنفذ فكرة ليبرا بشكل صحيح وطرق نافذة لمكافحة غسل الأموال، فلا مشكلة لديه معها. إلا أنه كما قال “يتعيّن عليهم أن يقوموا بخطوات كبيرة إضافية لإقناعنا”.

وبينما لم يعلن مونشين عن أي سياسات جديدة بشأن التنظيم الشامل للعملات المشفرة، قام ديفيد ماركوس، المسؤول التنفيذي في منصة فيسبوك، والمسؤول عن محفظة عملة ليبرا التي تسمّى كاليبرا، بالإدلاء بشهادته أمام اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ ولجنة الخدمات المالية في مجلس النواب. وقال ماركوس في جلسة الاستماع إن “عملة ليبرا تقوم على تطوير طريقة آمنة ومنخفضة التكلفة للناس لنقل الأموال بكفاءة في جميع أنحاء العالم. نحن نعتقد أن بإمكان ليبرا إحراز تقدم حقيقي نحو بناء بنية تحتية مالية أكثر شمولا. ستكون الرحلة للوصول إلى هناك رحلة طويلة، ونحن ندرك أن رحلتنا قد بدأت للتو”.

فهل سيقوم مونشين، صاحب اليد الطولى والصلاحيات العريضة في الحكومة الأميركية، بتسهيل رحلة فيسبوك في عالم التكنولوجيا المالية إذا لم تتوفر أسباب إقناعه بقوة في المستقبل القريب؟ نتساءل.

12