ستيف جوبز رؤيوي يربت العالم على روحه كل يوم

السبت 2014/11/01
جوبز قرأ المستقبل على لوحة قبل أن يكتشف الكمبيوتر اللوحي

أعيد الكلام هذا الأسبوع عن الرؤيوي الراحل ستيف جوبز، مع أن الكلام لم ينته بعد على رجل مثله يربت العالم على روحه مع كل لمسة على مفاتيح الكمبيوتر.

جوبز الذي مرت ذكرى رحيله الثالثة قبل أيام “توفي في الخامس من أكتوبر 2011” ستستعيد العدسات سيرته في فيلم روائي جديد للمخرج داني بويل الفائز بجائزة أوسكار عن فيلم “المليونير المتشرد”.

ومع أن التفاصيل شحيحة عن ثيمة الفيلم الذي كتبه آرون سوركين، الفائز بجائزة أوسكار أيضا عن فيلم “الشبكة الاجتماعية” والذي سيجسد فيه كريستيان بيل جانبا من السيرة الذاتية لمؤسس شركة آبل، إلا أن التساؤلات تتصاعد عما إذا كانت العدسة قادرة على جعل عيون العالم تتحسس وقع رؤى ذلك الرجل الناحل، قليل الكلام الذي لا يهتم بأناقته غالبا مثلما لا يهتم بالمال الذي يغدق عليه، لأن عقله يرسم المستقبل.

نظرة عميقة للإنجازات

ليس مهما استعادة الأفلام التي جسدت سيرة الرؤيوي ستيف جوبز كما حدث مع فيلم “جوبز” للمخرج جوشوا مايكل شتيرن، لأن العدسات وفق أفضل الأحوال ستصل صورها متأخرة، عاجزة عن الوفاء مقارنة بالخيال المستل من الواقع المكتوب في سيرة مؤسس آبل، والنظرة العميقة لإنجازاته. بل يبدو من الأهمية بمكان بعد ثلاث سنوات على رحيل هذا العبقري استعادة جانب الظل غير المرئي لنا في طريقة تفكيره.

كان قاسيا مثلا اعتبار صحيفة “الغارديان” فيلم المخرج جوشوا مايكل شتيرن بمثابة الخرقة الغارقة في البترول والتي تنتظر من يوقدها. وليس بمقدور محبي هذا الرجل الذي كان يرافق الناس على كمبيوتراتهم المنزلية ومن ثم المحمولة ومن بعد الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، إلا بانتظار أن تدور العدسة لتجسد ما يليق به.

لنا أن نستعيد هنا كلام الممثل أشتون كوتشر معبرا عن اعتزازه بتجسيد حياة ستيف جوبز، ومعتبرا الدور مسؤولية كبيرة لرجل وصفه بليوناردو دافينشي هذا العصر.

وقال حينها إنه شعر بالندم الشديد لإضاعته فرصة لا تعوض لأنه كان محددا له موعد لمقآبلة جوبز قبل وفاته بستة أشهر ولكنه اضطر للاعتذار بسبب ارتباطه بعمل.

وتذكر جيداً يوم وفاته حيث ذهب إلى المنزل وفتح الكمبيوتر الخاص به ليكتشف أن جوبز أضاف الكثير لحياته وحياة الملايين من مستخدمي اختراعاته، “كل ذكرياتي وأعمالي وحتى تواصلي مع أصدقائي يعود الفضل لجوبز فيها بشكل ما”.

جمعت علاقة مخلصة بين أبرز قطبين معلوماتيين جوبز وغيتس، فالتقيا منذ العام 1970، وأسس كل منهما شركته التي غيرت تاريخ المعلوماتية في العالم المعاصر. واستعاد غيتس ذكريات لقائه الأخير مع جوبز قبل وفاته بستة أشهر عندما كان يصارع مرض السرطان، إلا إنه كان يبدو متحمساً جداً تجاه المستقبل على الرغم من مرضه الشديد

كلام الصديق والغريم

لقد بث من قبل بيل غيتس مؤسس أكبر شركة معلوماتية عالمية مشاعره تجاه غريمه وصديقه الراحل، معبرا عن انبهاره بما أنجزه من تصاميم وقدرة مؤسس شركة آبل البديهية على تسويق المنتجات التي تبتكرها شركته.

هكذا قال مؤسس مايكروسوفت “إن التصميم يمكن أن يقودك إلى اتجاه ناجح… ومن ثم كم هائل من المنتجات التي خرجت إلى النور”.

وجمعت علاقة مخلصة بين أبرز قطبين معلوماتيين التقيا منذ عام 1970، وأسس كل منهما شركته التي غيرت تاريخ المعلوماتية في العالم المعاصر.

واستعاد غيتس ذكريات لقائه الأخير مع جوبز قبل وفاته بستة أشهر عندما كان يصارع مرض السرطان، إلا إنه كان يبدو متحمساً جداً تجاه المستقبل على الرغم من مرضه الشديد.

وكيف تحدث معه آنذاك حول التعليم ومساعدة الأسر وتوفير التكنولوجيا للمجتمعات، مؤكدا أن صديقة “لم يكن حزينا” بالرغم مما كان يعانيه من مرض قاتل، وبدا أكثر تطلعا للمستقبل.

على الجانب الآخر يوصف الراحل ستيف جوبز، أنه يقرأ المستقبل على لوحة قبل أن يكتشف الكمبيوتر اللوحي، وهو شخص رؤيوي لا يتنازل عن رؤيته، فعندما كانت مايكروسوفت ترفع شعارها “المعلومات عند أطراف الأصابع” كان جوبز يتحسس الزمن التكنولوجي بغير ذلك، يتحسسه بتطبيقات تزيغ الحواس، لذلك أجبرها على التحول نحو منظومات العمل بالنوافذ من خلال الماوس وأن يكون البرنامج بسيطاً ومفهوماً وليس طلسما للمتخصصين.

وعندما كان هذا الرجل النحيل الذي هده المرض، يتحدث عن الكمبيوتر اللوحي أو الكمبيوتر منعدم الأزرار والوصلات، كان يريد للآخرين أن يعيدوا التفكير بكل شيء، اليوم “آي باد” قطعة واحدة من لوح ما به شيء ولكن فيه كل شيء!

كما إن ما فعله أجبر صناعات كاملة على أن تعيد النظر في عملها من الصحافة إلى الهاتف النقال إلى صناعة الموسيقى.

قصة لعبة

وهناك ما عمله بنفسه من “ماك” و”أي ماك” و”آي بود” و”آي فون” و”آي باد”، وكيف كان أستاذا في التسويق ورجل مبيعات لا يبارى، وهناك ما أثر فيه، فرؤيته مثلا أسست لعالم “بيكسار” حيث صار عالم الرسوم المتحركة عالمين: عالم ما قبل “قصة لعبة” وعالم ما بعد “قصة لعبة”، وبانتظار إنتاج “بيكسار” لفيلمين عن الديناصورات “الديناصور الطيب” وخفايا العقل البشري “من الداخل إلى الخارج” بحلول العام 2015.

لم يكن تعبير الرئيس الأميركي باراك أوباما رومانسيا مبالغا فيه وهو يرثي ستيف جوبز بعد رحيله، بقدر ما كان معبرا عن واقع يستحيل الاختلاف عليه، لأنه كان أحد أهم المبتكرين الأميركيين، وكان يملك من الشجاعة ما يكفي ليفكر بطريقة مختلفة

لذلك لم يفتح أي من الاقتصاديين فمه مندهشاً من إعلان شركة آبل عما تملكه من سيولة مالية تفوق ما في خزائن الحكومة الأميركية بما فيها شركات النفط العملاقة.

فهذه الشركة التي أسسها جوبز الذي لم يكمل دراسته الجامعية في مرآب صغير والتي تستحوذ على سوق الكومبيوتر والهواتف الذكية في العالم، ارتفعت لديها السيولة النقدية إلى 76 مليار دولار أميركي وهي في تزايد يومي مستمر.

حتى إمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ رفع قبعته إلى جوبز واعترف أنه وحده استطاع أن يغير قواعد اللعبة باكتشافه “آي باد”.

بينما وصفه مايكل بلومبرغ رئيس بلدية نيويورك السابق وصاحب واحدة من أكبر وكالات الأنباء والخدمات الإعلامية المتخصصة في مجال الاقتصاد في العالم، بالنابغة الذي سوف يبقى في ذاكرتنا مثل أديسون وأينشتاين، نابغة ستحدد أفكاره شكل العالم لعدة أجيال.

ولم يكن تعبير الرئيس الأميركي باراك أوباما رومانسياً مبالغاً فيه وهو يرثي ستيف جوبز بعد رحيله، بقدر ما كان معبراً عن واقع يستحيل الاختلاف عليه، لأنه كان أحد أهم المبتكرين الأميركيين، وكان يملك من الشجاعة ما يكفي ليفكر بطريقة مختلفة، ومن الجرأة ما يكفي ليؤمن أن بوسعه تغيير العالم، ومن الموهبة ما يكفي لتحقيق ذلك.

الولد المتبنى

لم يشأ ستيف جوبز الذي شيد له تمثال في بودابست يبلغ ارتفاعه مترين، وتم تبنيه عند ولادته في يوم مقابلة والده البيولوجي، كما لزمه الأمر سنوات ليتقبل وجود ابنته الطبيعية ليزا التي رزق بها وهو في الثالثة والعشرين من عمره.

عندما كان هذا الرجل النحيل الذي هده المرض، يتحدث عن الكمبيوتر اللوحي أو الكمبيوتر منعدم الأزرار والوصلات، كان يريد للآخرين أن يعيدوا التفكير بكل شيء، اليوم آي باد قطعة واحدة من لوح ما به شيء ولكن فيه كل شيء!

ويروي مؤلف سيرته والتر إيزاكسون رئيس التحرير السابق لمجلة تايم، أنه عندما علم بأنه ولد متبنى بدأ يبحث عن والديه البيولوجيين، وكان حينها قد تخطى الثلاثين من عمره بقليل.

فعثر على والدته التي تخلت عنه عند الولادة تحت وطأة ضغط عائلتها واكتشف أختا كاتبة هي مونا سيمبسون، لكنه رفض مقابلة والده البيولوجي وهو أميركي من أصول سورية يدعى عبد الفتاح “جون” جندلي كان قد هجر والدته وأخته.

ويؤكد جوبز في سيرته “أن أعرف بأنني ولد متبنى جعلني أكثر استقلالية. لكنني لم أشعر أبدا بأنه تم التخلي عني، لطالما شعرت بأنني متميز”، في إشارة إلى والديه بالتبني اللذين أصرا على أنهما “اختاراه”.

وعندما أخبرته أخته بأنها التقت والدهما البيولوجي في سكرامنتو وأنه يدير مطعما كان ستيف جوبز قد قصده مرات عدة لتناول الطعام، وطلب من أ عدم الإفصاح لوالدهما عن هويته.

فيقول “كان الأمر لا يصدق. فأنا كنت قد قصدت مرات عدة ذلك المطعم وأذكر بأنني التقيت بصاحبه، كان من أصول سورية، وكان يفقد شعره. وتصافحنا”.

ويبرر رفضه لقاء والده قائلا “كنت قد أصبحت ثريا وقد خشيت أن يبتزني أو أن يعلم الصحافة”. ولم يلتق به.

مات ستيف جوبز قبل ثلاثة أعوام لكن أثره يتفاعل يوميا بين البشر وسيظل كذلك لعقود قادمة، لأن جسده الناحل وحده من خذله إلا أن عقله بقي يعمل غير مبال بالوهن الذي يدب بأعضائه، كذلك رفه آي باد وآي فون، في ابتكار خدم البشرية وغير قواعد اللعبة في عصر رقمي بامتياز.

هذا الرجل الذي لم يغره شيء غير صناعة المستقبل كان حسب مجلة “فوربس” في تصنيفها السنوي لا يتقاضى رسميا سوى دولار واحد في السنة مقابل عمله.

14