"ستيمر بوينت".. مدخل لفهم حاضر عدن

الأربعاء 2015/05/20

منذ 20 مارس عام 2003، بداية غزو الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية للعراق ومن ثمَّ احتلاله، تغيّرت المعلومات التي تعلّمناها في المدارس عن الدول العربية، تلك الرواية الرسمية التي أكدّت على الجوانب الإيجابية للدولة الوطنية المستقلة. لقد صرنا على علم ودراية مـن خلال المشاهد اليومية للحروب الدائرة في بلداننا، بأن هناك مُدنا وقرى عربية كثيرة نجلها، وما كان لنا معرفتها لولا التغيرات الكبرى من التدخل الخارجي كما هي الحال في العراق، أو الانتفاضات الشعبية كما حدث في كل من تونس ومصر وسوريا واليمن. صحيح أن تكلفة المعرفة باهظة، لكنها في المحصلة النهائية معرفة جديدة، أو لنقل إعادة اكتشاف لبلداننا العربية بعد عقود من التقوقع داخل جغرافية محدودة، هي ميراث الاستعمار، الذي يضيع منا اليوم على خلفية إعادة ترتيب العالم العربي بالكامل.

وكون الحالة العربية الراهنة، خاصة بعد عاصفة الحزم، تَشي بتغيّر واسع النطاق في تقييم المخاطر، وقراءة الواقع، والدفاع عن الشرعية من أجل إعادة الرّشد لقوى تتصارع داخل حيز جغرافي باسم الدولة القطرية، بما يراه الجيران يتناقض مع الأمن الإقليمي والقومي ويفتح المجال أمام تدخلات خارجية، فإن المعرفة الراهنة للجغرافيا اليمنية لم تعد كافية بل إنها لا تقدم إجابات لتساؤلات، من أهمها؛ لماذا يتحرك الجنوبيون -وهم تاريخيا قوميون وثوريون بامتيازـ قبل الأحداث الأخيرة التي سيطر فيها الحوثيون على السلطة من أجل العودة إلى مرحلة ما قبل الوحدة.

إننا في حاجة ماسة لمعرفة تاريخ الفعل الإنساني، والأفضل أن يأتي عملا روائيا يفسح المجال للخيال حيث تغدو الحقائق والأحداث دامغة أو متنـاقضة أو مبعدة لكل ما سبق التعريف به أو الترويج له، وهو ما قام به الإعلامي والروائي اليمني “أحمد زين” في روايته التي صدرت بداية العام الجاري من دار التنوير تحت عنوان “ستيمر بوينت”.

الأولوية بالنسبة لي في هذا العمل الأدبي هو البعد السياسي، وهذا لا ينقص من جمالية الرواية وحبكتها وطريقة السرد فيها، ولا يخفي أو يلغي دور أبطالها وشخوصها، فهي بكل تأكيد تكشف لنا على العلاقة الملتبسة بين المستعمِر والمستعْمَر، لو قدر للاثنين الاطلاع المسبق على عمليهما قبل القيام به، لسعيا من أجل العيش المشترك إلى علاقة قد لا تكون سوية، ولكنها أيضا لن تكون متوترة وقاتلة للدرجة التي عاشتها معظم الدول العربية وليس اليمن فقط، وتحديدا مدينة “عدن”.

الرواية صدرت قبيل عاصفة الحزم بشهور، ونالت نصيبها من الإعلام، وتعاد اليوم قراءتها محليا وعربيا في محاولة اضطرارية من كل الأطراف لمعرفة الأحداث الجارية في اليمن عموما، وعدن بوجه خاص، وأتصور أن قادة قوات التحالف مطالبون رغم انشغالاتهم العسكرية بقراءة هذه الرواية، فهي تساعدهـم في الـوصول إلى الأهداف بتكاليف أقل وفي زمن أقصر، لأن الـذاكرة الجمـاعية تحمل عـوامل الانتصار ليس العسكري فقط وإنما الحضاري أيضا.

كل ما في الرواية يشدًّ، مع أنه يصدم القارئ العربي، خاصة من هو مثلي، حيث العداء المتراكم تجاه المستعمر، نتيجة تاريخ أسرة حاربت الاستعمار، وشهدت إعدام وقتل مليون ونصف المليون جزائري، وأيضا من ميراث فكري لكتابات فرانز فانون، الذي التحق بالثورة الجزائرية عام 1955، وباختصار من كل الذين يرون أن لا حسنات للمستعمر مهما فعل وقدّم، بل يذهبون إلى اعتبار حالتنا الراهنة الجامعة للتخلف والاستبداد نتيجة أفعاله المباشرة أو غير المباشرة، ومع ذلك كله فإن أحمد زين يعيد تصحيح -من الناحية المعرفية والتعريفية على الأقل- تلك العلاقة الملتبسة بين المستعمِر والمستعْمَر.

إن هذه الرواية تقصّ علينا تاريخ مدينة عدن في مرحلة تراجع الاستعمار البريطاني، وتقدم العمل الوطني التحرري، وهذا الأخير لا يطرحه باعتباره مقدسا في كل نوازعه وأهدافه. هنا يتعايش الأنا والآخر، وفي ذلك حكمة لو أًخذ بها اليوم داخل اليمن الموحد لكان الأمر على غير ما هو عليه، ولذلك نجد الرواية محملة ببعض المعلومات التاريخية التي تخدم السياق العام لأحداثها، لتقرأ الفقرة التالية “بعد حين أضافت آيريس: إن المطار الذي هبطت فيه أول طائرة مدنيّة في الجزيرة العربية عام 1919، وشهد أول معرض للطيران الحربي في الشرق الأوسط، وكان يضم أكبر قاعدة جوية في تاريخ مستعمرات الإمبراطورية البريطانية، ومنها تنطلق المقاتلات الحربية لسلاح الطيران الملكي البريطاني أضحى بلا نظام، وتشيع فيه الفوضى”.

على مثل تلك الحقائق، ضمن هذا النص الروائي المفعم بالحيوية، يطّلع القارئ العربي، فيدرك في أي لحظة زمنية فاعلة كنا من خلال اليمن عبر مدينة عدن ومينائها الاستـراتيجي، وأين نحن اليـوم ونحن نتقاتل داخلها، في سعي دؤوب للإقصاء والإبادة، في فتنة لا ينتظر أن تنتهي في المستقبل المنظور، لأنها أشد من الحـرب، التي ستضع أوزارها يوما مهما طالت، لأنها لن تكون أطول مدة من حرب داحس والغبراء.

يبقى أن أمتع ما في هذه الرواية، أنها تشعرنا بالجمال في زمن القبح، وهي تجعل عدن خصوصا، واليمن عموما، أكثر حضور في تاريخها الإنساني منها في تاريخها الرسمي، فقد أغنانا كاتبها في أيام الحرب بذكريات التاريخ، وسيكون عمله هذا لغيرنا أكثر متعة أيام السّلم.

كاتب وصحفي جزائري

9