ست كلمات خلدت خالد صالح وجعلته نجما استثنائيا

الأربعاء 2014/10/29
بداية خالد صالح المتأخرة لم تمنع تفرده في الأداء

القاهرة - الصحافة عندنا لا تبحث عن الحقيقة بقدر بحثها عن الإثارة، تنقب عن توابل تضيفها للخبر فأحيانا تصيب وكثيرا ما تفشل، عندما توفي خالد صالح الممثل المصري العبقري في أواخر سبتمبر الماضي، لم يكتب الصحفيون الكثير عن هذه الموهبة أو الماسة الرائعة في الفن، بقدر ما راحوا يفتشون عن لماذا توفي؟

سعى بعض الصحفيين بغرض أو دونه إلى تشويه د. مجدي يعقوب الجراح المصري العالمي، الذي أجرى وفريقه جراحة معقدة لخالد في مركز القلب العالمي بأسوان.

خرجت منذ مدة اتهامات عشوائية تقول إن الأطباء ارتكبوا خطأ أدّى إلى الوفاة، واضطرّ د. مجدي يعقوب لإصدار بيان، يؤكد فيه على الرعاية الفائقة التي حظي بها صالح، وأنه استمرّ ثلاثة أسابيع تحت التجهيز لخطورة حالته، وستة أيام بعدها في الرعاية المركزية إلى أن توفي.

للأسف لم يعجب البيان الصحفيين وتحدث بعضهم عن إهمال وعدم دقة، مع أن أيا منهم لم يدخل غرفة عمليات من قبل، ينسى الصحفيون أن خالد مريض قلب منذ 15 عاما، وأجرى عمليتين قبل التي شهدت وفاته. والأعمار بيد الله.. القدر والأجل فوق الطب والعلم هكذا تعلمنا.


كلمات خالدة


أعود للنجم الراحل فأقول أنه صنع اسمه الكبير، بست كلمات قالها في فيلم “محامي خلع” عام 2004، الفيلم يحكي عن سيدة (داليا البحيري) تريد تطليق زوجها لأنه “مبيعرفش”، أي لا يقوم بواجباته الزوجية، كما قال لها محاميها (هاني رمزي).

ولنفي التهمة عنه قالت محاميته أن موكلها قوته 36 حصانا. هنا نطق العبقري خالد صالح الذي كان يرأس هيئه المحكمة فقال: “36 حصانا كتير قوي.. كفاية حصان واحد”.

الدور الذي قدمه خالد صالح يمكن للعشرات من الممثلين الثانويين القيام به، لكنه بطلّته ونطقه للحكم وشخصيته على المنصة، لفت الأنظار إلى أروع ممثل ظهر في العقد الأخير وبالصدفة البحتة.

كتبت عن دوره ثلاثة أسطر في مجلة “حريتي” التي تصدرها الجمهورية، فهاتفني وصرنا أصدقاء إلى أن رحل.

خالد صالح له صفات متناقضة، فهو كبير ولكنه طفل، هو مجنون فن ولكنه عاقل عقل التجار

والحقيقة نحن شعب يحب الموتى، ولا يرى في الأحياء مزايا إلى أن يستقروا في باطن الأرض.. تلك ليست كلماتي ولكنها عبارات كتبها يوسف السباعي ضمن أحداث روايته “أرض النفاق” التي سطرها عام 1948.

وهي في الواقع تنطبق كثيرا علينا في مصر، ولكن هناك حالات استثنائية في تاريخنا -خاصة الفني- التي نحترمها ونحبها حية أو ميتة، ونعبر لها عن حبنا أحياء وأمواتا، وخالد صالح حالة من هذه الحالات. هو صاحب عشرات الوجوه، لكن العمر لم يمهله لكي يكون صاحب المئات منها -وإن تمنى وتمنينا- ولكنه العمر المسطور في كتاب محفوظ، كان خالد صالح بالنسبة لي كما الجمهور، ولكن يزيد لأنه كان صديقي “الأنتيخ” كما كنت أقول عنه بدلا من “الأنتيم”.

سنوات كثيرة هي عمري في مهنة الصحافة، تعرفت واقتربت فيها من كل النجوم ومن أهل الفن صغيرهم وكبيرهم، ولكن يصعب أن أقول عن معرفتي بهم صداقة بالمعنى الحقيقي.

عادة علاقة الصحفي بالفنان ترتبط بالعمل، فهما وجهان لعملة واحدة، ومنذ بداية عملي الصحفي علمني أساتذتي في المهنة أن العلاقة بين الصحفي ومصدره يجب أن تقف عند حدود، وإلاّ كانت سيفا على رقبة الصحفي يوم أن يكون أمامه اختيار بين الصداقة، أو كلمة حق ورأي منزه عن الودّ.

صالح صنع ملحمة أداء لدور رجل الشرطة الفاسد في فيلم "هي فوضى"

ولكن لكل قاعدة استثناء، ولذا فإن صداقتي مع بعض أهل الفن مرتبطة بتعاقد وحكمة، تقول أن صديقك من صدقك، أي أنه كلما كنت صديقي فأنت أقرب لرأيي الصادق دون مجاملة، وقد استغرق مني الأمر بعض الوقت لأضع تلك القاعدة مع بعض الأصدقاء، ولكنه لم يستغرق وقتا مع آخرين ومنهم خالد صديقي “الأنتيخ”.

تلك بداية الصداقة، التقينا ووجدت فيه صفات متناقضة، فهو كبير ولكنه طفل، هو محترف ولكنه هاو كما قال عنه وحيد حامد، هو مجنون فن ولكنه عاقل عقل التجار، هو صاحب نكتة ولكنه رزين، هو أهلاوي جدا ولكن صدره رحب، هو زوج محب وأب مسؤول، لكنه رقيق كالحرير.

هو يعرف قدر موهبته، لكن كلمة نقد في غير محلها قد تقتله وتحرمه النوم ليال طوال، وكم من مرات رأيت دموعه تنهمر شكوى وحزنا من صحافة لا ترحم أحيانا، وفي أحيان أخرى لا تفهم وتكون شريرة.

ومع كل دور كان يقدمه كان يحكي لي تفاصيله قبل أدائه، وهو يتخيل كل سكنه فيه، وبالفعل كان قادرا على أن يحوّل كل دور إلى بطولة، فهل إبراهيم زوج يسرية في “أحلى الأوقات” كان دورا على الورق لبطل؟ لا.. ولكن خالد صالح حوّله إلى بطل، هل كان رفعت السكري في “تيتو” بطلا؟ لا.. ولكن خالد صالح حوّله إلى بطل.

هل كان منتصر في “ملاكي إسكندرية” دور البطل؟ لا.. ولكن خالد صالح حوّله إلى بطل، وهكذا استطاع رئيس محكمة التمثيل أن يحول كل أدواره الصغيرة إلى بطولة تسترعي الانتباه والحب والاحترام من الجمهور والصحافة على السواء.

ثم تأتي له البطولة أخيرا بمعناها الكامل في فيلم “هي فوضى” التجربة السينمائية الأخيرة ليوسف شاهين؛ وفيها استطاع أن يحلق خالد بجناحين، ليصنع ملحمة أداء لدور رجل الشرطة الفاسد، في فيلم يعتبر من إرهاصات ثورة مصر التي تلته بأعوام، ويستمر عمل خالد كما تستمر صداقتنا ومناوشاتنا وأحلامنا لمصر التي كانت له سكنا وروحا.


فعل ماض


من أصعب الكلمات على نفس الصديق أن يكتب عن صديقه بـ”كان فعل ماض”، ولكن حين يكون الصديق هو خالد صالح فإن “كان” تخص خالد صديقي.

أما الفنان فسيبقى كما بقي محمود مرسي الذي رحل وزكي رستم الذي رحل هو الآخر، ولكنهما مستمران في حياة أجيال كثيرة كمصدري إلهام بالنسبة إليهم، ربما اخترت هذين النموذجين لأنهما يتفقان مع خالد في البدايات المتأخرة، والتفرد في الأداء والخلود في الذكرى والاحترام لدى الجمهور.

16