سجال الإخوان والسلفيين يعمق مخاوف حرب المذاهب في الجزائر

اتهامات لقائد السلفيين في الجزائر بعد "الترويج لخطاب ديني يشجع على ضرب الاستقرار الاجتماعي والديني ويعمل على شحن اللهجة المذهبية والطائفية".
الأحد 2018/05/20
التيارات الإسلامية تثير توجس السلطة

الجزائر - عاد السجال مجددا بين رموز التيارين السلفي والإخواني في الجزائر ليرسّخ الخلافات العميقة بين الطرفين وصدامهما المستمر من أجل الاستحواذ على الرأي العام الديني. ويشير ذلك إلى حالة القلق التي تعيشها التيارات الدينية في البلاد، لا سيما مع الانسجام بين السلطة والتيار الصوفي الذي يقدّم على أساس أنه بديل للتيارات المتهمة بأنها حاضنة للتطرف الديني والإرهاب.

وردّ رئيس جمعية علماء المسلمين الجزائريين عبدالرزاق قسوم، بشدة، على التصريحات الأخيرة لزعيم التيار السلفي في الجزائر محمد علي فركوس حول ما أسماه بـ”بدع ومنكرات” الجمعية. ووصف فركوس جمعية علماء المسلمين الجزائريين بـ”المشبوهة والمخاصمة”، بسبب انتمائها إلى تيار قريب من الأوساط السياسية والحزبية في البلاد.

وقال قسوم “الجميع يعرف جمعية العلماء المسلمين، وتاريخها النضالي للحفاظ على الإسلام في الجزائر إبان حقبة الاستعمار الفرنسي”. ووصف محمد علي فركوس بأنه “داعية مفلس″، متابعا أنه “انفضّ من حوله أنصاره وأتباعه بعد التطرف والشطط الذي ظهر في خطابه خاصة بعد الانزلاق الذي وقع فيه خلال الأسابيع الأخيرة، لما أفتى بخروج تيارات الإخوان والإباضية والصوفية من نهج السنة والجماعة”.

ويرى متابعون لشؤون التيارات الإسلامية في الجزائر أن الصراع بين التيارين يعود إلى خلافات عميقة بينهما حول توجهات فقهية ومرجعية. ويرى هؤلاء أن الخلاف أيضا سببه انسحاب البعض من الرموز التي كانت تحسب على علي فركوس وإعلانها الالتحاق بجمعية علماء المسلمين، المقربة من التيار الإخواني.

ونشأت جمعية علماء المسلمين، في أواسط القرن الماضي علي يد عبدالحميد بن باديس، باعتبارها جمعية مناهضة للاستعمار وتنتهج الإصلاح الاجتماعي ومحاربة طقوس الشعوذة والخرافات.

وسحبت قيادة التيار السلفي للزعامة الفرعية من محمد علي فركوس، بعد الجدل الذي أثير خلال الأسابيع الأخيرة في الجزائر. ووجه ربيع المدخلي رسالة لأنصار وأتباع التيار السلفي في الجزائر، يدعوهم فيها إلى الالتفاف حول لزهر سنيقرة والحفاظ على وحدة وتماسك التيار بعد سحب البساط من علي فركوس.

ووجّهت الحكومة الجزائرية وناشطون سياسيون وأحزاب انتقادات شديدة اللهجة لقائد السلفيين في البلاد واتهموه بـ”الترويج لخطاب ديني يشجع على ضرب الاستقرار الاجتماعي والديني ويعمل على شحن اللهجة المذهبية والطائفية”. ومن المتوقع أن تكون هذه الانتقادات هي ما دفعت بالمدخلي لسحب “المشيخة” من علي فركوس، لتلافي أي صدام بين أنصار التيار السلفي والحكومة.

توجه السلطة لتكريس التيار الصوفي مرجعية دينية للوسطية والاعتدال بات مصدر إزعاج لمختلف التيارات الدينية الأخرى في البلاد

وساد التناغم منذ تسعينات القرن الماضي بين الحكومة والتيار السلفي، حيث وظفت (الحكومة) أفكاره (السلفية) القائمة على رفض الخروج عن الحاكم وتحريم التظاهر والاحتجاجات لخلق بديل ديني لتيار السلفية الجهادية، الذي رفع السلاح وتمرّد على السلطة في تسعينات القرن الماضي.

ومع هبوط مستوى خطاب السلفيين في الآونة الأخيرة، توجهت الحكومة إلى مراجعة تساهلها مع التيار السلفي بالحد من تغلغل عناصره في المساجد والمؤسسات الدينية. كما قامت السلطة بتحييد نشاط السلفيين خلال المواسم الدينية على غرار شهر رمضان، بالإضافة إلى توجيه رسائل تهديد مبطنة لشيوخ التيار. لكن الحكومة لم تمس المواقع المهنية بالنسبة للبعض من الأئمة أو المدرسين، كما هو الشأن بالنسبة لعلي فركوس أستاذ الشريعة في جامعة الجزائر.

ولا تزال مسألة فوضى الإفتاء الديني في الجزائر مصدر قلق للحكومة، رغم مساعيها لتنظيم قطاع الشؤون الدينية والمؤسسات التابعة له. وأثار تنصيب عابدين بن حنيفة على رأس لجنة الإفتاء في جمعية العلماء المسلمين استنكار قيادة التيار السلفي، على اعتبار أن الرجل كان من المحسوبين على محمد علي فركوس قبل أن ينفضّ عنه وينخرط في الجمعية.

وكان بن حنيفة قد كتب بعد تركه للسلفيين “من الظلم اتهام جمعية العلماء المسلمين بأنها ضد التوحيد أو تعاديه أو أنها مع البدع، فالأفكار التي تشاع عنها مغلوطة ولا أساس لها من الصحة”، في إشارة إلى الاتهامات التي وجهها فركوس لمختلف التيارات الدينية بالخروج من نهج السنة والجماعة وانحرافها عن العقيدة الصحيحة.

ورغم محافظتها على مسافة معينة مع التيار الإخواني، تبقى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إحدى الأذرع التي تتبنى خطابا ينهل من تيار الإسلام السياسي. وسجلت مواقف الجمعية في العديد من القضايا السياسية المتصلة بما يعرف بـ”الثوابت الوطنية” معارضتها للبعض من التوجهات الرسمية بشأن المناهج التربوية والهوية الوطنية.

وبات التقارب اللافت بين السلطة والتيار الصوفي والتوجه نحو تكريسه كمرجعية دينية للوسطية والاعتدال مصدر إزعاج لمختلف التيارات الدينية الأخرى في البلاد، خاصة مع فشل مشاريع تبناها الإخوان والسلفيون لإظهار نية فك الارتباط مع المراكز الإقليمية والظهور في ثوب المحلية.

لكن مخاوف السلطة تبقى جدية في ظل العلاقات مع عدد من المحاور، من بينها إسطنبول بالنسبة للإخوان، وقم بالنسبة للشيعة، والرياض بالنسبة للتيار السلفي. كما توجد في الجزائر مذاهب وتيارات أخرى محل نشاط سري، مما دفع السلطة إلى إرساء الصوفية كمرجعية محلية من أجل أن تكون بديلا لبقية التيارات الدينية وتحقيق الأمن الفكري والديني للمجتمع بعيدا عن أفكار التطرف والإرهاب.

2