سجال عربي حول المثقفين واللحظة الراهنة

الاثنين 2013/11/25
أزراج عمر: هل نحن حداثيون أم ما بعد حداثيين

وسط تفشّي الكلاميات العربية الاستيهامية عن الحداثة ومشتقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية منذ ما يزيد عن قرن، وفي مشهد فكريّ لم يتجرّأ أصحابُه على كسر جوزة هذه الحداثة، وفق التصوّر الهيغلي، لمعرفة ما تُخفي داخلها من تناقضات حادّة بين مطالب الشعوب وتغوّل السلط الحاكمة، ظهر فريق من المثقّفين العرب الذين استبدّت بهم مشاريع الحداثة فرفعوا لواءها في خطابات لهم شعرية لا نستطيع التمييز فيها بين الإبداعي والسياسي، بل لا نستطيع توصيفها إلاّ بكونها تسلك سبيل الشعريات لتبرّر للحاكم شرب الكوثر في جماجم قتلاه.

ويبدو أنّ في ثورات الربيع العربي، على كثرة ما اتصل بها من ألم إنساني مُرّ على غرار ما يحدث في سوريا الآن، ما يوحي برغبة الناس في الخروج من زمنيتهم البطريركية المنكسرة صوب زمنية جديدة منتصرة تعرض كلّ شيء في الواقع العربي على وهج السؤال.

وفي هذا الإطار، تأتي مقالة " الحداثة الانقلابية والمسخ القابيلي" للشاعر نوري الجرّاح المنشورة بصحيفة العرب في عددها 9372 بتاريخ 07/11/2013، وفيها يجرّب الشاعر كسر جوزة واقعنا الثقافي وارتباطاته الأبويّة بالحكّام باعتبار أن "البطريركية الأبوية العربية قادتنا طوال القرن العشرين، وحتى اليوم، على كل صعيد، إلى كوارث ومهازل وخسارات، وأوقعت فينا الهزائم المنكرة"،. ولأنّ فكرة الحداثة هي "فكرة مدنية تستبعد الصياغة الواحدة لصالح الصياغات المتعددة، والنموذج الواحد لصالح النماذج المختلفة، والصوت الواحد لصالح الأصوات" فإنّ صورة الطبعة العربية منها تتراءى في "شاعرها النبوي، بلهجته البدوية، وصوته الطليق، وسؤاله المركزي الذي يصادر على الأسئلة الإنسانية المتكسرة".

وهنا يخلص الشاعر إلى حقيقة أن الإجماع العربي على حاكم هو نموذج مطلق قد انكسر بفعل ثورات الربيع العربي، وعليه يتساءل: "لِمَ لا ينكسر الإجماع من حول الشاعر النموذج، الشاعر المطلق، المتنبي الحديث وقد تهلهل عليه ثوب النبوءة؟".

مثل هذا السؤال وغيره مما ورد في "الحداثة الانقلابية والمسخ القابيلي" ما عَرَك سكينة المشهد الثقافي الراهن وأثار انتباه بعض الشعراء والمثقّفين العرب الذين بادروا إلى الردّ عليها. والعرب تنشر الردود والردود على الردود في ما يمكن أن يكون مطلع سجال ما أحوجنا إليه اليوم. وعطفا على مقالة نوري الجراح "الحداثة الانقلابية والمسخ القابيلي"، نقرأ للكاتب أزراج عمر مقالة "هل نحن حداثيون أم ما بعد حداثيين؟".

هل نحن حداثيون أم ما بعد حداثيين؟

في مقالته الحارة والمكتنزة التي تحمل عنوان "الحداثة الانقلابية والمسخ القابيلي" المنشورة في اليوم السابع من هذا الشهر في ركن الرأي بجريدة "العرب الدولية" يطرح الشاعر نوري الجراح عدة مسائل مهمة ومحورية للنقاش وفي مقدمتها قضايا الحداثة، والبطريركية في الثقافة العربية، والديمقراطية، وقضية تماثل الشاعر النموذج مع الحاكم النموذج المتمركزين ذاتيا واللذين يطغيان لحدّ الاستبداد المطلق على المشهدين والسياسي والثقافي ببلداننا، في مسعى رهيب لقتل أيّ فعل ديمقراطي في حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، وكذا الأجيال الجديدة في مشهد الحركة الشعرية والأدبية العربية معا.

أعتقد أن أطروحات نوري الجراح تدخل في صميم فتح النقاش حول الأزمة المزمنة والمركبة في المجتمع العربي، وهو محق في تشخيصه للأمراض التي تنخر واقعنا السياسي والثقافي منذ عشرات السنين وهي الأمراض الخطرة التي لعبت ولا تزال تلعب دورا مفصليا في تكريس الأشكال الديكتاتورية وتطبيقاتها السياسية والثقافية والاجتماعية والنفسية منذ سنوات طويلة في مجتمعاتنا. في هذا السياق أرى أن مبادرته جديرة بأن يوسع النقاش حولها. لأن القضايا التي طرحها كثيرة ويحتاج تحليلها إلى أكثر من مقال ودراسة، ولذلك ستكون مساهمتي في هذا النقاش منصبة فقط على توضيح بعض المفاهيم التي نصطدم بها في الكتابات العربية السائدة حول المشكلات الكبرى التي تحاصرنا من كل جهة وفي مقدمتها مشكلة الحكم الديكتاتوري.

أنطلق الآن من فرضية أولية وهي أن المفاهيم لها تاريخ ومرتبطة به وأن هناك علاقة متبادلة بين المفهوم وبين الواقع، وأفترض أيضا أن المفاهيم التي أناقشها هنا لا يزال الغموض يكتنفها وغالبا ما تعوزها الدقة والتحديد الضروريان.

كما هو معروف فإنه منذ بدايات ما يدعى بعصر النهضة العربية والإسلامية وقضايا الحداثة والتحديث تشغل المثقفين والمفكرين ببلداننا ومما لا شك فيه أن النقاش الدائر حول هذه القضايا لا يزال مستمرا، حيث يتخذ حينا شكل الصخب السياسي وحينا آخر شكل النقاش الثقافي الفكري النخبوي الضيق الذي لا يمتد إلى الشرائح الشعبية، التي لا يمكن أن يحدث أيّ تحول فكري واجتماعي واقتصادي وسياسي حقيقي بدون تحويلها تحويلا جذريا. ويلاحظ أيضا أن المشكلة الكبرى التي تطفو إلى السطح دائما تتمثل في عدم بناء واقع عربي مادي حداثي نشتق منه بالتالي مفاهيم الحداثة والتحديث وما بعد الحداثة والديمقراطية والعلمانية ضمن إطار تجاربنا الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بنا. والحال، فإن الذي يملك شرعية التسمية وشرعية نحت وإطلاق المفاهيم هو من يكتشف ويصنع أولا الأسس لأية ظاهرة اجتماعية أو لحدث مادي، وكما نرى فنحن لم نؤسس القواعد المادية الحداثية ونتيجة لذلك فإن الغرب هو من أعطى لنفسه الشرعية ليسمي المفاهيم ونحن نكتفي باقتفاء خطواته دون إعمال الفكر والوعي للقيام على الأقل بالتمييز والتعديل والإثراء. منذ البداية فإن الحداثة والحداثية وما بعد الحداثة ليست مجرد بنيات مادية أو مفاهيم محضا وإنما هي الموقف النقدي من الواقع وطريقة في نحت جماليات العيش المشترك وهي أسلوب في الإنتاج وفي إبداع العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة التي منها تنبثق البنيات المادية والرمزية للحداثة والحداثية ولما بعد الحداثة.

وبتعبير عمانويل كانط فإن الروح التي تبني مثل هذه المفاهيم هي تلك الروح التي تخرج من قفص عدم النضج إلى فضاء التفكير الحر بعيدا عن التوجيه القسري من طرف الآخرين سواء تمثل ذلك في الأيديولوجية أو المؤسسة الدينية أو مؤسسات وخطابات السلطة الدنيوية.

هنا نريد القيام بالتمييز بين مفاهيم الحداثة والحداثية وما بعد الحداثة حتى نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال الجوهري: هل يوجد لدينا مجتمع تنطبق عليه هذه المفاهيم على المستوى المادي والثقافي – الرمزي؟ ففي كتابه المهم "نتائج الحداثة" يعرّف أنثوني غيدنز الحداثة بأنها تتمثل في "أشكال الحياة الاجتماعية أو التنظيم الاجتماعي الذي انبعث في أوروبا بدءا من القرن السابع عشر فصاعدا، والذي أصبح فيما بعد مؤثرا بشكل تقريبي على المستوى العالمي".

هكذا يضع أنثوني غيدنز زعيم الطريق الثالث، الحداثة في الإطار الزماني والمكاني الأوروبيين- الغربيين، أما الفضاءات الجغرافية التي امتدت إليها الحداثة الأوروبية فلم تكن حسب رأيه مشاركا أصليا في إنتاج أسسها المادية والفكرية. في هذا السياق بالذات يمكن لنا أن نقول أيضا أن هذا التلقي لقشور الحداثة في طبعتها الأوروبية لم يحدث أية قطيعة راديكالية معتبرة في مجتمعاتنا لها بالبناء النوعي التحديثي المتطور والتقدمي لشبكة البنيات الذهنية والرأسمال الثقافي وتجلياته في السلوك، وللفاعلية المبدعة في مجال العمل وبالعلاقة مع الطبيعة.

وهكذا بقيت أشكال ومضامين الطائفة والقبيلة والعشيرة والشلة والذكورة هي الرأسمال المحدد لبنية الحياة السياسية، والناظم للعلاقات الاجتماعية التراتبية العنيفة بما في ذلك علاقة الرجل بالمرأة.

النقاش الدائر حول قضايا الحداثة لا يزال مستمرا، حيث يتخذ حينا شكل الصخب السياسي وحينا آخر شكل النقاش الثقافي الفكري النخبوي الضيق الذي لا يمتد إلى الشرائح الشعبية، التي لا يمكن أن يحدث أيّ تحول فكري واجتماعي واقتصادي وسياسي حقيقي بدون تحويلها تحويلا جذريا


السرديات الصغرى

إذا كانت الحداثة نقيض التقاليد فإن أبعادها المؤسساتية المادية تتلخص وفقا لـ"أنثوني غيدنز" في مبدإ الرأسمالية بما هي "سياق لتنافس العمل والسوق، والتصنيع بما هو تحويل للطبيعة، والرقابة بما هي التحكم في المعلومات وفي المجتمع، والقوة العسكرية بما هي التحكم في وسائل العنف وذلك في سياق التصنيع الحربي".

وبالمقابل فإن الفلاسفة ما بعد الحداثيين وفي المقدمة جان فرانسوا ليوطار يرون أن الحداثة هي مجمل السرديات الكبرى مثل فكرة التقدم في إطار التاريخ الخطي، والدولة – الأمة، والعقلانية، والماركسية إلخ… في سياق التحديد دائما يخلص المنظر البريطاني سيمون لابلاس إلى أن "الحداثة هي مرحلة التحول الدائم الذي يؤثر على جميع جوانب التجربة بدءا من العلم والفلسفة إلى التنظيم الحضري والدولة والبيروقراطية" وبدون شك فإن المقصود هنا بالمرحلة ليس فقط الإطار الزمني وإنما الشروط المادية والمؤسساتية والفكرية أيضا.

وبالمقابل فإن مفهوم الحداثية يختلف عن مفهوم الحداثة في كون الحداثية هي مجموع أشكال التعبير التي تأسست في مرحلة الحداثة كتعبير عن معاييرها وقيمها ومواقفها وأسلوب الحياة وطرائق الإنتاج التي تبشر بها لتحل محل التقاليد القديمة التي ثارت عليها وتتمثل أشكال التعبير هذه في الفلسفة، والتحليل النفسي، والرواية والشعر الحداثي، والفنون بما في ذلك المعمار والموسيقى.

أما مضامين ونزعات هذه الأشكال فتتمثل في النزعة الرومانسية والاحتفال بالشكل، والتصميم، والتراتبية، ونزعة الحضور، والمركزية، والنموذج الكلي، والثبات بداخل سياج الأصالة والجذور والهوية المغلقة، والتركيز على المدلول وغيرها من العناصر التي ميزها بدقة وألمعية الناقد المصري إيهاب حسن المغترب في أمريكا. ومن جهة أخرى فإنَ المفكر أنثوني غيدنز يميز بين مصطلحي الحداثة وما بعد الحداثة.

إن ما بعد الحداثة حسب تعريف وتحديد أنثوني غيدنز تتمثل "في توصيفها لمجتمع المعلومات والمعلوماتية، وللمجتمع الاستهلاكي، وهي أيضا المناخ والشروط التي أفرزت ما بعد التصنيع، وما بعد الرأسمالية".

وفي هذا السياق بالذات ينبغي لنا أن ننتبه جيدا إلى التمييز الذي ثبته الناقد الأميركي اليساري فريدريك جميسون بين ما بعد الحداثة وما بعد الحداثية، وأن نأخذ بعين الاعتبار الخلاصة التي توصل إليها في كتابه "ما بعد الحداثية، أو المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة" والمتمثلة في قوله بأن ما بعد الحداثية Post Modernism هي الأساس الثقافي المنطقي للرأسمالية. هناك إذن البنية القاعدية المادية والفكرية لـ"ما بعد الحداثة".

أما ما يخص بنيتها الفوقية ونزعات هذه البنية فإنها كثيرة ومتشابكة وهي تقدم موقفا ثقافيا يرفض المسار الخطي للتاريخ، وينتقد بشراسة الدولة المركزية، ويشدد على ضرورة منح مزيد الاهتمام والتحليل للجانب اللاعقلاني في الحياة البشرية، والدفاع عن السرديات الصغرى مثل سرديات الأقليات، والنساء، والمهاجرين، واعتبار اللغة عنصرا حيويا ومكونا للهوية في مسارها المتحول دائما وهلمّ جرّا.

خارج المفاهيم

وفي الختام نطرح هذا السؤال: هل نحن حداثيون أم ما بعد حداثيين؟ للإجابة على هذا السؤال فإننا نرى أنه على المستوى الذاتي فإن البنيات المادية في بلداننا وأن البنية القاعدية للفكر العربي وللثقافة العربية والمؤسسات العربية ما بعد الاستعمارية لا تزال مشدودة من جهة إلى التقاليد العتيقة والمتخلفة وهي بذلك ليست حداثية.

ومن جهة أخرى فإن صلتها بأوروبا/ الغرب طوال حقبة الاستعمار وفي فترة ما بعد الاستعمار قد جعلها بعد الاستقلال الشكلي الذي تحصلت عليه تتشبث بشكل الدولة القطرية – الأمة التي هي عنصر من عناصر الحداثة الغربية وفي الوقت نفسه فإنها قد أعطت لها مضمون القبيلة، والطائفة، والعشيرة، والإثنية المصفحة والشلة الأيديولوجية الانتهازية كجوهر وبذلك أسست لثنائية متضادة وهي ثنائية مكونة من الشكل المستعار من الحداثة الغربية ومن مضامين التقاليد الرجعية النابعة من الموروث العربي – الإسلامي المتخلف، ومن العناصر الانعزالية من موروث الأقليات التي يجهدها الحنين إلى استعادة الهوية الجاهزة والموجودة في الماضي البعيد تحت ركام الذكريات.

أما إذا استخدمنا ما بعد الحداثة كشرط مادي وكمؤسسات، وما بعد الحداثية باعتبارها المنطق الداخلي للرأسمالية كمنظور لننظر من خلاله إلى واقع بلداننا فإننا نجدها تتسوّل في وضح النهار أسباب الانتماء للنظام الرأسمالي ولكن في نسخته العالمثالثية المشوّهة وبذلك يمكن وصفها بأنها دول تابعة ولو شكليا للمنطق المادي الرأسمالي الغربي في الوقت الذي ترفض فيه شروطه الثقافية ومؤسساته المدنية والبنيات والأخلاقيات السياسية التي تسوغه وتبرره، ونتيجة لهذا التجاذب الوجداني المتناقض نجد أنفسنا خارج المفاهيم وتطبيقاتها كما نجد المفاهيم بدون واقع يبرر وجودها وتنطبق عليه وكأننا في حال يشبه وضع المصاب بمرض الذهان تماما.

غدا: عمار ديوب .."لماذا فشلت حداثتنا؟"

15