"سجنيات".. رقصة لتجديد الهواء في السجن

السبت 2013/11/30
الككلي: كتاباتي مقدودة من من اللحم والإسمنت

تونس- ما معنى أن نثور؟ أن نثور أوّلا وقبل كلّ شيء وحتى ينطبق علينا معنى الفعل في معاجم اللغات والثورات البشريّة هو أن نخيّر بين الجميل والقبيح أو الجميل والأجمل منه أمّا أن نخيّر بين السيّئ والأقلّ أو الأكثر فهذا ليس من الفعل الثوريّ في شيء.

كتاب "سجنيات" لعمر الككلي وكتاب جمعة بوكليب "حكايات من البرّ الأنكليزي"، من الإبداعات الليبيّة التي ولدت من رحم المعاناة ونبتت زهورها وبرزت من تحت أنقاض قلعة الموت التي شيّدها الخراب حجارة حجارة.

كان سائق التاكسي الذي يقلني شابا في مقتبل العمر يحلم بالبرّ الأنكليزي الذي كان والده يشتغل فيه فنصحته بأن يقرأ كتاب بوكليب الذي كان معي وأريته إيّاه ولكنه لم يكترث للأمر.

لم يفاجئني ردّ فعله فالشاب مثله مثل أبناء جيله قد تربّى في "لا مدرسة القذافي" التي لا كتاب يُدرّس فيها ما عدا الكتاب الأخضر الذي فعل صاحبه كلّ شيء حيّا وميّتا في مفارقة عجيبة أن يقضي على الأخضر واليابس أيضا.

كان الفتى محمرّ العينين، يطلق من حين إلى آخر زفرة مدوّية تدمي الفؤاد ويقود بسرعة أكثر من الجنونيّة بقليل، لنقل انتحاريّة أو أقلّ منها بعض الشيء.

قلت له مازحا: "أرغب في ألّا أموت قبل أن أرى من ينتظرني في الموعد، بعد ذلك يعمل اللّه..". غشت محيّا الفتى ابتسامة تقطر شجنا.

"سجنيات" و"حكايات من البر الأنكليزي"، روايتان ولدتا من رحم المعاناة ونبتت زهورهما وبرزت من تحت أنقاض قلعة الموت التي شيدها الخراب حجارة حجارة

قلت لعله من الثوار الذين عانوا ويلات الحرب وأهوالها أو لعله فقد شقيقا أو صديقا أو مجموعة من الأصدقاء أو الأشقاء فيها وهو أمر لا غرابة فيه أو لعله كان قد حمل السلاح في موقع من موقعي الصراع المتضادين، "مكرها أخاك لا بطل" في وجه صديق أو رفيق.

الحبّ والحرب، الحياة والموت "التاناتوس'' و"الإيروس" ثنائيات كلاسيكيّة في الأدب العالمي، لكن ما ليس كلاسيكيّا هو لقائي بعمر الككلي؛ وجدت أمامي مؤلّف الـ"سجنيات" و"نتوءا جميلا في وضح النهار"، والتعبير أستعيره من جمعة بوكليب، وأضيف له من عندي صفة الجمال.


الأسلوب هو الإنسان

الشجن والمرح هما عنوان "سجنيات"



تظلّ ليبيا رغم كلّ شيء جميلة وستكون كذلك مادامت قد أنبتت جمعة وعمر وموسى وأمثالهم كثر. لم يترك عمر لبروتوكول التعارف أيّ فرصة في افتتاحيّة لقائنا فبدأنا بالنهايات وتركنا البدايات للنهاية. بدأنا جلستنا التي امتدّت من قبيل الأصيل إلى منتصف اللّيل بضحكة طويلة مدوّية وكأنّنا بدأناها منذ ثلاثين عاما لننهيها ذلك اليوم والحال أنّنا مازلنا في الدقائق الأولى من أوّل لقاء تعارف بيننا.

قد يكون من المهمّ لتفهم الكتاب أن تعرف صاحبه. صحيح أنّ الكتاب هو أفضل من يعرّفك بصاحبه "فالأسلوب هو الإنسان" كما يقول جاكبسون. قضّينا ستّ ساعات معا في "الهدرزة" كما يقول الليبيون وأهلي على الحدود الليبية من تونس.


تراجيديا


كان تجاذب أطراف الحديث مع عمر ممتعا للغاية ومن أجمل ما يمكن أن يحتفظ به المرء من ذكرى عن طرابلس وهي في ربيعها الثاني تسطّر مستقبلها بمعزل عن معمّر ونظريته في العمران، بل قل التدمير البشري.

خضنا في كلّ شيء، في الزواج والأطفال، وفي الحب والموت، وفي السياسة طبعا، فنحن في تونس وليبيا في الثلاث سنوات الأخيرة غارقون فيها إلى الوحل ما عدا كتابة "سجنيّات" الذي مررنا عليه مرور الكرام. لست في هذا السياق بصدد تقديم كلاسيكي لهذا الكتاب وإنّما بصدد تقديم الظروف الحافة باكتشافه وقراءته واللّقاء بصاحبه.

يجد القارئ تقديمين له: الأوّل بقلم الناقد والشاعر اللّيبي محمد الفقيه صالح رفيق الكاتب في السجن والكلمة الجميلة كذلك، والثاني بقلم الناقد اللّيبي سالم العوكلي، وقد وردا في خاتمته وليس في فاتحته، ولا يقلان متعة ومؤانسة عنه.

الشجن والمرح هما عنوان "سجنيات" والدليل إليه. صاحبه بارع في فنّ القصّة القصيرة ولكنّه يجمع فيه بين كلّ الأجناس الأدبيّة بما في ذلك الملحمة والتراجيديا، السخرية فيه سوداء بالمفهوم الأنكليزي الصرف، ولكنّها في الحقيقة في كلّ الألوان؛ من "اللحم والإسمنت" أو من اللحم الإسمنت إذا شئت وشاء لنا الككلي، إلى "سطوة المعنويات".


حياة على مشارف الموت

يجمع بين كل الأجناس الأدبية بما في ذلك الملحمة والتراجيديا، السخرية فيه سوداء بالمفهوم الأنكليزي الصرف، ولكنها في الحقيقة في كل الألوان


وأنت تقرأ الكتاب لا يمكن أن تفلت في كلّ جملة من هذه الجدليّة الوجوديّة القاهرة، التي لا أحد قادر على صدّها ما عدا الموت المريح، والتي قد لا تراها في أبهى صورة لها وأبشعها كما شئت إلّا في محنة المحن، في السجون ومحتشدات الاعتقال والتنكيل والغصب والقهر: ’’الموت على مشارف الحياة والحياة على مشارف الموت والقبح حذو الجمال بل ضمنه وفيه، والعكس بالعكس في صيرورة لا تنتهي.

اقرأ "رقصة تجديد الهواء في السجن"، أو بالأحرى تأمّل فيها وشاهدها كما أنّها تمثّل على خشبة المسرح أو في أحد غرف التحقيق والجنايات. يقول عمر الككلي: "في الصيف، حين يأسنُ الهواء في الزنزانة ممتلئا بروائح الأنفاس والعرق، ويثقل التنفس قليلا، وكدر النفوس يزداد، ينهض اثنان ممن في الزنزانة، يمسكان فيما بينهما ملاءة بيضاء ككفن الميت وراية المستسلم، ومعاطف الممرضين والأطبّاء، وثوب العروس، وزهور الياسمين والبرتقال، وبياض العين الحوراء، ويأخذان بهزها كما لو كانا ينفضان ما علق بها من غبار".

16