سجن المتنمّر.. عندما يدفع الجاني والمجني عليه فاتورة التربية الأسرية الخاطئة

الشخص المتنمر يشعر بأنه قوة فوق جميع الأشخاص، لكنه جبان أمام قوة القانون، وبالتالي ترهيبه أحد الحلول، وتقويمه نفسيا وسلوكيا يظل الهدف الأهم.
الاثنين 2020/08/10
إعادة بناء شخصية الأجيال الصاعدة صارت أمرا ملحا

عكس إقرار الحكومة المصرية عقوبة خاصة بالتنمر، وموافقة البرلمان عليها مبدئيا، أن الظاهرة في تصاعد مستمر، وتحتاج إلى وقفة حاسمة بعدما أسفرت حملات التوعية عن نتائج غير مرضية، ما دفع السلطات إلى اللجوء إلى سلاح الترهيب كأداة لإجبار المتنمرين على احترام الخصوصية، والكف عن ممارسة أساليب من شأنها تكدير حياة الأفراد وإلحاق الأذى النفسي بالأشخاص المسالمين.

يعاقب القانون الجديد في مصر، المتنمر بالحبس لمدة 6 أشهر وغرامة مالية قيمتها 30 ألف جنيه (1880 دولارا) مع مضاعفتها في حال كان المتهمون شخصين أو أكثر، أو صدرت الجريمة من أحد أصوله أو المتولين تربية الضحية أو ممن لهم سلطة عليه أو كان مُسلمّا إليه بمقتضى القانون أو بحكم قضائي أو كان خادما لدى الجاني، وتُضاعف العقوبة في حالة العودة.

واتخذت الحكومة هذه الخطوة بعد ضغوط مجتمعية كثيرة، جراء حوادث التنمر التي تعرض لها بعض الرموز الفنية والرياضية وشخصيات عامة، على منصات التواصل الاجتماعي، سواء بالسب أو السخرية أو الاستهزاء والترهيب اللفظي، فضلا عن تعرض بعض الأفراد من الجاليات الأجنبية للتنمر على يد شباب مصريين وأصبحت قضاياهم مثار جدل عام.

وتنظر المؤسسات الرسمية إلى سلاح العقوبات على أنه أسهل الطرق لمحاربة ظاهرة التنمر، باعتبار أن الردع كفيل بتوصيل رسائل شديدة اللهجة لمن يفكرون في الإقدام على نفس الخطوة، وهو ما ظهر في إصدار أول حكم قضائي من نوعه داخل البلاد، بحبس متهمين اثنين لمدة عامين وتغريمهما 6250 دولارا، لتنمرهما بطفل سوداني الجنسية بأحد أحياء القاهرة قبل شهور.

محمد هاني: إصلاح طريقة التربية هو السبيل الأمثل للقضاء على التنمر
محمد هاني: إصلاح طريقة التربية هو السبيل الأمثل للقضاء على التنمر

وصدر الحكم الرادع نهاية يوليو الماضي، أي أن القضاء لم ينتظر موافقة مجلس النواب على تحرك الحكومة بوضع عقوبة خاصة للتنمر، وأصدرت المحكمة قراراها استنادا إلى أن المتهمين قاما بترويع شاب واعتديا على مبادئ وقيم المجتمع وانتهكا الحرمات الخاصة وأصرا على السخرية بدافع التمييز الجنسي، ما يعني أن هناك جدية حكومية في تفعيل العقوبات المستحدثة على المتهمين بالتنمر.

وتتمثل أزمة ضحايا التنمر في الكثير من المجتمعات، خاصة الشرقية منها، أنهم يميلون للانطوائية ويفضلون الصمت وعدم المصارحة للأقارب والأصدقاء عما حدث لهم، خشية السخرية منهم أو نعتهم بضعف الشخصية، ونادرا ما يعترف هؤلاء بأن فئة من الأفراد مارسوا عليهم الاستقواء اللفظي أو الجسدي، وتزداد المعضلة عندما يكون المتنمر أحد أفراد العائلة، وهذا يصعب شكواه أو مقاضاته.

ويصطدم التحرك الحكومي في أي بلد لمواجهة التنمر، بأن هناك شريحة كبيرة في المجتمع ليست لديها ثقافة الحفاظ على الحقوق، ولا تعترف بالسير في الإجراءات القضائية لمعاقبة الجناة المتهمين في قضايا من هذا النوع، أي أن الكثير من الأفراد مصابون بالسلبية ولو تعرضوا لمضايقات تعكر عليهم صفو حياتهم وتصيبهم بأمراض نفسية وعصبية، مثل التنمر والتحرش والعنف اللفظي.

وقد ينجح أسلوب الردع في مجتمع لديه من الوعي ما يكفي لمطاردة الجناة قضائيا، لكن الصمت وغض الطرف خشية الدخول في دوامة الصراع مع الجناة، يقود إلى إفشال أيّ تحرك رسمي لمواجهة الظواهر التي تكدر السلم العام وتنتهك خصوصيات الأفراد، على رأسها التنمر، ما يعني أن إقرار عقوبة لترهيب المتنمرين لن تكون ذات قيمة إلا إذا استفاد منها المجني عليهم لنيل حقوقهم بقوة القانون.

وفي مجتمع مثل مصر، معروف عنه النكتة وخفة الظل، يتم تغليف التنمر بمصطلحات تبدو مقبولة مجتمعيا للإفلات من تهمة التنمر، إذ يتم تسميته “مداعبة” أو “هزار”، لكنه في الحقيقة سخرية كثيرا ما تصيب المجني عليه بحالة انكسار وإحباط وضعف في الشخصية وفقدان الدفاع عن النفس، خاصة إذا كانت الكلمات قاسية، وغالبا ما يكون ذلك في بيئات العمل أو المحيط العائلي.

وإن كانت الحكومة جادة في معاقبة المتنمرين، فإنها لم تحدد آلية واضحة لإثبات المجني عليه واقعة التنمر ذاتها. وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الأمور تخضع لشهادة الضحية، وربما يفلت الجاني من العقوبة بسهولة، إذا أنكر الفعل، بحكم أن القانون الجديد اشترط وجود شهود، وهذا يصعب تحقيقه في غالب الأحيان، أي أن هناك صعوبات كثيرة تقف حائلا أو تطبيق سياسة الردع.

ويرى محمد هاني، استشاري الطب النفسي بالقاهرة، أنه بغض النظر عن تفعيل عقوبة التنمر من عدمه، فإنها مطلوبة لترهيب الأشخاص غير الأسوياء في المجتمع، لأنهم يمارسون التسلط والاستقواء بدافع عدم وجود سلاح ترهيب، ويعتقدون أنهم أقوى من أيّ شيء، لكن واقعيا فإن الردع وحده لا يكفي للقضاء على الظاهرة، ما لم تتواز معها توعية مجتمعية وإعادة النظر في أسلوب التربية الأسرية نفسها.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن الشخص المتنمر يشعر بأنه قوة فوق جميع الأشخاص، لكنه جبان أمام قوة القانون، وبالتالي ترهيبه أحد الحلول، وتقويمه نفسيا وسلوكيا يظل الهدف الأهم، فلا قيمة لحبسه طالما أنه لم يخضع لجلسات تصحيح الشخصية خلال فترة قضاء العقوبة، حتى يخرج من السجن وهو يحترم الجميع ويعترف بأن لكل إنسان حقه في اللون والجنس والشكل واختيار الحياة التي يفضلها.

وأكد أن أغلب الجناة يتعرضون للتنمر الأسري ويعوضون النقص الذي يطاردهم في حياتهم العائلية بالانتقام من الآخرين، ما يعني أن إصلاح طريقة التربية داخل المنزل هي السبيل الأمثل للقضاء على ظاهرة التنمر في أي مجتمع، لأن الفرد الذي نشأ بشكل صحيح وتربوي، لا يمكن أن يُصاب بعقدة النقص ليعوضها بالتنمر.

الأسرة أساس بناء الشخصية

خطورة التدليل الزائد للأبناء
خطورة التدليل الزائد للأبناء

ويقود تفسير ظاهرة التنمر إلى أن أيّ تحرك حكومي للمواجهة بسلاح الردع، مقابل استمرار التربية غير السوية، لن يفضي إلى شيء، ما يتطلب حملات توعية مكثفة تستهدف إعادة تعريف الآباء بكيفية التعامل مع الأبناء حسب المراحل العمرية المختلفة. فهناك تصرفات وعبارات يتم استخدامها قد تصنع متنمرا أو مجرما أو متحرشا، باعتبار أن بيت الأسرة أساس بناء الشخصية السوية أو المنحرفة.

وما يبرهن على ذلك أن الكثير من الدراسات النفسية، أثبتت خطورة التدليل الزائد للطفل، لأن ذلك يجعله أكثر عرضة للتنمر عندما يتقدم في السن، سواء داخل المدرسة أو وسائل المواصلات أو مقار العمل، حيث لا يكون قادرا على الدفاع عن نفسه أو التصرف بشكل صحيح بما لا يجعله ضعيفا أو منكسرا أو خجولا، باعتباره اعتاد الاعتماد على والديه في كل شيء، إلى درجة أنه ينتظر دفاعهما عنه في المواقف الصعبة.

ويواجه الشاب الخجول صعوبات كثيرة في المجتمعات الشرقية التي تبني معايير الرجولة على الجرأة والصرامة، ما يجعله مثارا لسخرية المقربين والغرباء على حد سواء، ويكون ذلك بفعل الحماية الزائدة من قبل الوالدين، وتجاهل مساعدة الأبناء على الاعتماد على النفس واكتساب المهارات وحسن التصرف، حتى أصبحوا عاجزين عن مواجهة الآخرين، والاستسلام أمام أيّ أذى نفسي أو سخرية أو محاولة الاستقواء عليهم.

في بعض الأحيان، تشجع الأسرة أبناءها على التنمر بذريعة أن ذلك يجلب إليهم القوة وإثبات الشخصية، حتى لا يظهروا في موقف ضعف، ويظهر ذلك جليّا في المؤسسات التعليمية، ويكفي أن بعض الآباء قد يصل بهم الحال إلى الاعتداء على المعلمين لمجرد أنهم عاقبوا أولادهم بسبب التنمر، وهو ما حدث في مدارس مصرية عديدة. وبدلا من أن يعاقب الأب ابنه، انتقم من الذين يحاولون تقويم سلوكه.

وأكدت هالة منصور أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس بالقاهرة، أن “معضلة تطبيق العقوبات على المتنمرين، ترتبط بأن غالبية الجناة من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، ما يعني أن تقويم سلوك هؤلاء يبدأ من الأسرة أولا، ويتطلب ذلك إطلاق حملات توعية مكثفة بالتزامن مع تفعيل القانون، لترهيب الآباء والأبناء على حد سواء، وتغيير نمط التربية القائم على الاستقواء والسخرية والعنف المعنوي”.

وأوضحت لـ”العرب”، أن المتنمر غالبا ما يكون تعرض للتنمر في سن صغيرة، وهذا ما أكدت عليه أغلب الدراسات النفسية، ما يعني أن محاربة الظاهرة يبدأ من المدرسة والعائلة، بحيث يتم الابتعاد عن العنف والتسلط والاعتداء اللفظي في تقويم السلوكيات، لأن ذلك يجعلهم شغوفين بتفريغ شحنات الغضب تجاه الآخرين، بالتنمر على الأشخاص الأسوياء المسالمين انتقاما مما يحدث معهم داخل أسرهم في الصغر”.

السبيل الوحيد

Thumbnail

ويصعب فصل أسلوب التربية القائم على الاستقواء، عن اقتناع بعض الآباء بأن هذا النهج هو السبيل الوحيد لضمان الأمان المطلق. والمعضلة أن كل محاولات تطهير المجتمع من المتنمرين تكون بعيدة عن مخاطبة الأسر نفسها بحتمية إصلاح سلوكياتها داخل المنزل، فالأب أحيانا ما يتنمر على الابن كأحد أساليب العقاب، وقد يتنمر على زوجته لإثبات أنه الشخصية الأقوى التي تفرض نفوذها وتظهر رجولتها.

وروى باسم (م)، وهو اسم مستعار لشاب قاهري في العقد الثالث من العمر، ذكريات مريرة مع تنمر والده عليه خلال فترة الطفولة، لأن وزنه كان زائدا، وضعيفا في التحصيل الدراسي، ما أثر على شخصيته إلى درجة أنه كان يتعرض للسخرية من زملائه وأصدقائه دون ردة فعل، وعندما يختلي بنفسه يدخل في نوبات بكاء، ولم يفكر مرة واحدة في الدفاع عن نفسه، لأنه تربى على الصمت عند الإهانة.

وأشار لـ”العرب”، إلى أنه لم يخرج من هذه الحالة إلا عندما قرر الذهاب سرا إلى أحد الأطباء النفسيين وتلقي جرعات علاج استمرت لشهور، وبعدها أصبح إنسانا طبيعيا، لكن ذكريات الماضي ظلت تطارده حتى أصبح متنمرا، ويسخر من أي شخص مختلف عنه في اللون والشكل والجسد، لأنه اكتشف أن المجتمع لا يحترم إلا الذي يمارس الاستقواء على الآخرين، وعكس ذلك يتم اعتبارهم ضعفاء.

هالة منصور: المتنمر غالبا ما يكون تعرض للتنمر في سن صغيرة
هالة منصور: المتنمر غالبا ما يكون تعرض للتنمر في سن صغيرة

ويمكن البناء على هذه الحالة أن التربية الأسرية الخاطئة هي من تصنع المتنمر والمتنمر عليه، واستمرار قناعة العائلات بأنهم على صواب يوسع دائرة الجناة والضحايا، ويصعب مهمة محاصرة الظاهرة بالقانون أو التوعية. ولأن المتنمر بطبعه شخص لديه حاجة ملحة للسيطرة على أقرانه، فقد يفقد المجتمع أهم سماته الإنسانية، بأن يسود التكافل والتراحم والمودة بين أفراده، طالما أن الأغلبية صارت ترضي الذات بإلحاق الأذى بالآخرين.

وتظل أخطر مظاهر التنمر التي يصعب تحجيمها ولو بقوة القانون، تلك التي تنشأ على أساس ديني، لأنها مدفوعة بقدسية الدفاع عن العقيدة، فهناك من يتنمر على فتاة لمجرد أن تعرية شعرها مخالف للدين، وآخر يسخر من رجل لمجرد أن زوجته ظهرت في صورة وهي عارية الكتفين، بذريعة أن ذلك يجلب الشهوة بما يتناقض مع تعاليم الإسلام. وهذه الفئة يصعب أن تقتنع بأنها على خطأ، طالما أنها نشأت على أن أيّ اختلاف لنمط تربيتها، وجب السخرية منه.

ولأن المجتمعات الشرقية متدينة بالفطرة، فإن الأغلبية تنساق وراء الشيوخ الذين يصدرون فتاوى تتخطى التنمر إلى حد التحريض على أيّ اختلاف، والتحريض على التحقير منه لترهيب أصحابه. والمشكلة أن الكثير من الأسر تعلم أبناءها انتهاج نفس السلوكيات تقريبا.

وتزداد الأزمة تعقيدا عندما تنحرف أهداف القوى الناعمة في المجتمع، مثل الإعلام والفن والثقافة، وبدلا من القيام بدور مثالي في التوعية من مخاطر التنمر إلى التحريض عليه. ويكفي أن هناك أعمالا درامية وسينمائية تظهر المتنمر على أنه الأقوى، ويتحدث مذيع أو مذيعة عن الأشخاص الزائدين في الوزن على أنهم عبء ثقيل في المنزل أو بيئة العمل، ويتم إقناع الجمهور بأن مقاييس الجمال محكومة بالرشاقة، ما يجعل البدناء أكثر عرضة للأذى النفسي، داخل محيطهم العائلي والمجتمعي.

ويعني ذلك، أن المجتمع في حاجة ماسة إلى لغة خطاب جديدة بين الآباء والأبناء، والإعلام والذين يتلقون رسائله، والحكومة والشارع، فإن كانت العقوبات حلا استدعته الضرورة لفرض احترام الخصوصية بقوة القانون، فإن إعادة بناء شخصية الأجيال الصاعدة صار أمرا ملحا، مع إقناع الآباء بأن التربية القائمة على التنمر لن تقود إلا لهدم الكيان العائلي مستقبلا.

21