سجن "سركاجي" الجزائري من رهبة المقصلة إلى رواية التاريخ

الجمعة 2015/04/10
زنزانات سجن تروي تضحيات مناضلي الثورة التحريرية

ستحكي قريبا زنزاناته وزواياه وردهاته وأروقته، حكاياتها للزوار وتروي لهم لحظات الرهبة والمعاناة، وربما ستكشف لأول مرة عن أسرارها وخفاياها، عن تاريخ سجن ارتبط بتضحيات مناضلي الثورة التحريرية، وبإعدامات إدارة استعمارية لرجال ذنبهم أنهم أرادوا الحرية لشعبهم ووطنهم، وبدل أن تفتح أبوابه للناس ليكون دليل إدانة للمستعمر، استمرت إدارة الاستقلال في توظيفه كواحد من أكبر السجون التاريخية في البلاد، ويضم في ثناياه كبار المجرمين والمساجين السياسيين، من القاتل المفترض للرئيس محمد بوضياف، بولعرافي لمبارك، إلى قيادات جبهة الإنقاذ الإسلامية المنحلة.

قررت السلطات الجزائرية غلق سجن “سركاجي” (بارباروس سابقا) الواقع بأعالي العاصمة، وتحويله إلى متحف بعد إخلائه من النزلاء وإعادة تأهيله، في انتظار توسيع العملية لتشمل سجونا تاريخية معروفة كالبرواقية بمحافظة المدية، و”لامبيز″ بمحافظة باتنة، والحراش بالعاصمة، تماشيا مع سياسة أنسنة السجون وإضفاء الطابع الحقوقي عليها.

وأكد المدير العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي بوزارة العدل مختار فليون “رغم التأخر الطفيف الذي شهدته بعض السجون الجديدة، فإن العملية شارفت على نهايتها وسيتم نقل النزلاء إليها تباعا في غضون هذه الأيام، من أجل غلق سجن سركاجي والشروع في تحويله إلى متحف”، موضحا أن سجن سركاجي سيسلم لوزارة المجاهدين (قدماء المحاربين) العازمة على تحويله إلى متحف.

الجزائرية جميلة بوحيرد من بين المناضلين الذين قبعوا في زنزانات سجن "سركاجي"

وكان وزير العدل والأختام طيب لوح، قد أعلن أن هذا السجن الذي كان مسرحا للقمع الاستعماري ضد الشعب الجزائري خلال حرب التحرير، سيغلق ويحوّل إلى متحف للذاكرة الوطنية. وأن الأمر يتعلق هنا “بهدف إستراتيجي مرتبط بالذاكرة الوطنية وبتاريخ الجزائر، يقتضي أن تسخر السلطات العمومية كل الإمكانيات قصد تحويله إلى متحف في أقرب الآجال”.

وشرعت مديرية السجون في وزارة العدل، في تنفيذ أكبر عملية نقل سجناء في تاريخ البلاد تشمل أكثر من 20 ألف سجين من أصل 56 ألف سجين محبوس في الجزائر.

وقال الناشط الحقوقي بن عبيد أنس “لقد أبلغنا محامون من الجزائر العاصمة ومن مدن عنابة وباتنة (شرق) والشلف (غرب) وتيزي وزو (وسط) أن عملية نقل السجناء من سجون قديمة إلى سجون أخرى جديدة بدأت في شهر يونيو 2014 بعد أن تم تأخيرها لأكثر من 6 أشهر، حيث كان مقررا إطلاق عملية تنفيذها في احتفال يحضره الرئيس بوتفليقة مطلع العام 2014، إلا أن الحالة الصحية للرئيس دفعت وزارة العدل إلى تأخير العملية إلى شهر يونيو من نفس السنة”.

وأضاف “تتواصل العملية منذ يونيو 2014 وهي عملية معقدة للغاية، تتضمن إجراءات لتقريب بعض السجناء من المدن التي كانوا يقيمون فيها بعد حبسهم، وإعادة تنظيم السجناء من أجل توزيعهم على السجون حسب درجة خطورة كل سجين”.

ويشارك في العملية جهاز الدرك والشرطة ومديرية السجون حيث تتم على مراحل، وقد شملت سجون محافظات خنشلة وباتنة (شرق) وتيارت وغليزان (غرب ).

وقال المحامي لخروف مصطفاوي “يوجد في الجزائر أكثر من 50 سجنا موروثة من العهد الاستعماري، وفي عام 2001 بدأت السلطات في بناء 26 سجنا جديدا وتجديد سجون قديمة ولم تنته العملية سوى قبل أشهر قليلة ما سمح للسلطات بإطلاق عملية لنقل السجناء من السجون القديمة إلى الجديدة”.

سجن سركاجي يعد من أشهر السجون في الجزائر، وقد بني في عهد الحكم العثماني للبلاد وكان حصنا يحرس العاصمة من تحرشات الأسبان

وأضاف “لا تشمل العملية السجناء المحكوم عليهم بعقوبات بسيطة وتنحصر في عدد كبير من المحكوم عليهم بأكثر من 5 سنوات، أغلب هؤلاء ينقلون إلى سجون غير بعيدة عن السجون القديمة.

كما تشمل السجينات من النساء، حيث قررت وزارة العدل تحويل بعض السجون القديمة بعد تهيئتها إلى سجون نساء”، موضحا أن الجزائر يوجد بها 56 ألف سجين، ولم يتغير الرقم تقريبا إلى اليوم، حسب بيانات وزارة العدل التي نشرت مطلع العام الجاري، موزعون على 133 سجنا أغلبها من الحجم الصغير”.

ويعد سجن سركاجي من أشهر السجون في الجزائر، وقد بني في عهد الحكم العثماني للبلاد وكان حصنا يحرس العاصمة من تحرشات الأسبان، ثم حولته السلطات الفرنسية الاستعمارية إلى سجن في عام 1856، وشهد العشرات من عمليات الإعدام في حق المناضلين الجزائريين أثناء ثورة التحرير.

وارتبط السجن بأبشع ممارسات التعذيب وتنفيذ أحكام الإعدام اللاإنسانية ضد المناضلين بالمقصلة، حيث احتضن المئات منهم في زنزاناته المظلمة والباردة قبل تنفيذ أحكام الإعدام فيهم. ومن بين هؤلاء أحمد زبانة وعبدالقادر فراج، اللذان أعدما في نفس اليوم بتاريخ 19 يونيو 1956، أو فرناند إيفتون الذي أعدم يوم 13 فبراير 1957.

قرار بغلق أكبر السجون الجزائرية لتحويله إلى متحف

وتقول مصادر تاريخية أن الجيش الفرنسي الذي كان يحكم الجزائر بيد من حديد، قام بإعدام ما لا يقل عن 58 مناضلا في سبيل القضية الوطنية، من بينهم سعيد تواتي وبوعلام رحال وطالب عبد الرحمن في ساحة السجن، التي كانت تشهد هتافات “تحيا الجزائر” المنبعثة من حناجر المناضلين من داخل الزنزانات، كلما نفذ حكم الإعدام في أحد منهم.

ويقول مقيم قديم في حي القصبة القريب، أن “السجن كان مكانا مروعا، وكان أحمد زبانة وعبدالقادر فراج، أول من نفذ فيهما حكم الإعدام، وكان هذا التنفيذ في غاية البشاعة حيث أعدم زبانة في ثلاث مرات، وأذكر جيدا أن هذا التنفيذ كان بشعا، حيث بقي زبانة حيا بعد محاولتين، قبل أن يستشهد في المحاولة الثالثة”.

وأكد وزير العدل طيب لوح أن هذا القرار نابع خاصة من “طلبات مخرجين سينمائيين ومنتجين وفنانين للقيام بتصوير أفلام ولقطات داخل سجن سركاجي، الذي يبقى من بين المعالم الشاهدة على فظائع جرائم الاستعمار”.

ومن بين مناضلي القضية الوطنية الذين مروا من هذا السجن، المناضل والشاعر مفدي زكريا صاحب النشيد الرسمي للدولة الجزائرية، هنري علاق، جميلة بوحيرد، رابح بيطاط، آن شتينر، زهرة ظريف، بن يوسف بن خدة وعبان رمضان.. وغيرهم.

وغداة الاستقلال اقترح الرئيس الراحل أحمد بن بلة تحويل السجن إلى متحف لوجود العديد من الكتابات التي تركها شهداء الثورة على الجدران، وتم بالفعل غلقه لمدة قصيرة وصنف معلما تاريخيا كشاهد على القمع الاستعماري، إلى أن أعيد فتحه سنة 1965 وتعاد تسميته بـ”سجن سركاجي”.

20