سجن سركاجي في الجزائر يروي قصصا مرعبة عن الاستعمار الفرنسي

القصص المرعبة عن الاستعمار في أي بلد من البلدان لا تموت، فما لا توثقه كتب التاريخ يحكيه الآباء والأجداد للأجيال المتعاقبة، فحتى الحيطان والزنازين تحفظ بشاعة المستعمر تماما كما يحكي ذلك سجن سركاجي بالجزائر عن قصص الإعدامات للمجاهدين الذين وقفوا بشجاعة واستبسال ضد كل أنواع الظلم.
الجمعة 2016/12/02
قلعة التعذيب

الجزائر - ستسمح عملية التحويل المقبل لسجن سركاجي إلى متحف، بالكشف عن أسرار ظلت مخفية منذ عقود من الزمن على مستوى هذه المؤسسة المشهورة بأنها كانت المكان المخصص للتعذيب النفسي للمجاهدين خلال الحقبة الاستعمارية.

ولاحظت وكالة الأنباء الجزائرية “واج” خلال زيارة مبرمجة إلى سجن سركاجي الذي يعود جزء من هندسته المعمارية إلى الحقبة العثمانية والجزء الآخر إلى العهد الاستعماري، أن هذه المنشأة ورغم قدمها ظلت صامدة وعلى حالها وتخفي جدرانها ذكريات ضاربة في القدم.

ويؤكد المؤرخون أن هذا السجن الذي يطل على جون الجزائر العاصمة بناه معمرون فرنسيون عام 1856 في مكان حصن تركي قديم يقع بأعالي قصبة الجزائر المشرفة على البحر وكان يسمى خلال الاستعمار بـ”سجن بربروس” نسبة إلى القرصان العثماني “عروج بربروس”.

واستقبل السجن المخصص للمحكوم عليهم بالإعدام قائمة طويلة من المناضلين الجزائريين، وعندما تم تطبيق عقوبة الإعدام كان ينفذ قرار المحكوم عليهم بالإعدام بعد وقت قليل من استنفاد جميع طرق الطعن في الصباح الباكر وفي تاريخ غير محدد.

وفي المجموع فقد تم إعدام 58 مناضلا جزائريا بسجن سركاجي من بينهم 48 أعدموا بالمقصلة و10 بطلقات نارية، حيث يظل رواق الموت الواقع في المستوى الأول من السجن الذي يتكون من ثلاثة مستويات ويضم 14 زنزانة، شاهدا على ذلك.

وعلى النصب التذكاري في “ميدان الشرف” إلى جانب المكان السابق للمقصلة عند مدخل السجن توجد قائمة كرونولوجية بأسماء المجاهدين الذين أعدموا بالمقصلة.

وبمحاذاة رواق الموت تذكرنا تلك الصورة الحية التي طالما تداولتها بعض الأعمال السينمائية، بخطوات السجانين الذين يأتون لاقتياد أحد المناضلين إلى ساحة الموت “مرفقين” بأصوات السجناء الآخرين المنادين بعبارة “الله أكبر تحيا الجزائر”.

وحول رواق الموت روى كل من داود زواوة (78 سنة) ومحمد بورحلة (82 سنة) وجيلالي موهون (77 سنة) ورضوان بناني (83 سنة) الذين كانوا كلهم سجناء نضال بسركاجي خلال ثورة التحرير بعد أن قاموا بأكثر من عشرين عملية بطولية في كامل البلاد، ونجوا من المقصلة شهاداتهم حول هذا المكان الشنيع.

وأكد داود زواوة، الذي حكم عليه بالإعدام سنة 1959، أن “الإعدامات بالمقصلة كانت تتم بين الثانية والخامسة والنصف صباحا، ما يعني أن جميع المناضلين المتواجدين في رواق الموت لا ينامون خلال تلك الفترة حتى يكونوا مستيقظين عندما يأتي الحراس لاقتياد أحد زملائهم إلى آلة الموت”.

ومن جانبه روى محمد بورحلة، الذي أقام هو الآخر برواق الموت من سنة 1961 إلى غاية 1962، أن المحكوم عليهم بالإعدام الذين تظل الأغلال ملازمة لهم حتى في زنزاناتهم الفردية كانوا يعاملون معاملة خاصة، حيث يرتدون لباسا رماديا مع صليب أصفر مرسوم على ظهورهم وذلك لتمييزهم عن السجناء الآخرين العاديين، كما أنهم كانوا يجهلون تماما اليوم الذي سيتم فيه إعدامهم.

وللتذكير فإن هذا الأخير كان المدبّر الرئيسي لعملية الهروب الجريئة من سجن سركاجي في 22 فبراير 1962 عندما تمكن قرابة 26 سجينا من الفرار عبر نفق تم حفره لمدة أشهر في الساحة الخلفية للسجن المؤدية إلى الخارج مثلما تروي مذكرة بحث صدرت في 22 فبراير 1962 عن مدير سجن سركاجي.

ويقول السيد بورحلة، إن “المثير في الأمر هو أن إدارة سجن سركاجي كانت تمنح بإرادة منها السجناء كل العتاد الضروري لإنجاز الأشغال الخاصة بتوسيع ساحة السجن، متناسية أن هذه الأدوات نفسها قد استعملها السجناء لحفر خندق تحت الساحة للفرار”. وأشار إلى أن “26 سجينا نجحوا في ذلك اليوم في الفرار وكنت أحدهم” وأضاف أن “العدد كان سيصبح كبيرا لو لم تتوقف العملية بسبب السجين الفار الـ27 الذي دخل فتحة النفق الضيق وهو صاحب جثة ضخمة حيث علق جسمه مما حال دون هرب السجناء الذين كانوا خلفه”.

وتعتبر “زنزانات الظلام” المشؤومة والرهيبة، حسب وصف جيلالي موهون، المكان المخصص للتعذيب النفسي والواقعة تحت أرضية السجن، وتظل من “الشواهد” الفاضحة للأعمال الشنيعة التي كان يتعرض لها المناضلون الجزائريون خلال الفترة الممتدة بين 1954 و1962.

كما أن هذه “الزنزانات المظلمة” التي لم يتم استعمالها منذ 1962 لا تزال على حالها، حيث تشهد هذه الغرف الضيقة والرطبة التي نسج فيها العنكبوت خيوطه على المكان الذي أقام فيه العديد من أبطال ثورة الجزائر.

أما رضوان بناني فقال إنه لا أحد خرج سالما من تلك الزنزانات المظلمة لأن الذين نزلوا فيها مازالوا يعاونون من آثار نفسية وعقلية.

وأضاف أن “الحراس كانوا يرغمون السجناء المحكوم عليهم بالنزول إلى زنزانات الظلام على ارتداء لباس مبلل مصنوع من البلاستيك الخاص الذي عند ارتدائه يضيق شيئا فشيئا على أجسامهم ويتم إدخال السجين في زنزانة قاتمة مملوءة بالمياه بهدف حرمانه من الجلوس طول مدة بقائه في ‘زنزانات الظلام’ التي قد تدوم شهرا كاملا”.

وتابع المجاهد بناني قوله إنه عند قدوم الليل يستعمل الحراس عصيهم لإحداث أصوات قوية على بوابات الزنزانات من أجل زرع الخوف في نفوس السجناء.

20