سجون العراق تفيض بالمعتقلين الأبرياء

الثلاثاء 2016/12/20
اعتقالات بالجملة

بغداد – تشير أرقام رسمية عراقية إلى أن الآلاف من الأبرياء يتم اعتقالهم شهريا ويقضون أياما وشهورا في السجون قبل إطلاق سراحهم بلا تهم محددة، وخلال الـ22 شهرا الماضية أطلق سراح 156 ألف شخص، أي بمعدل 236 عملية اعتقال تجري في اليوم الواحد.

وأجرى، مؤخرا، موقع “نقاش”، المعني بمتابعة الشأن الداخلي العراقي، بحثا استقصائيا على عمليات الاعتقال التي تقوم بها قوات الأمن العراقية بصنوفها؛ الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات، عبر تتبع الأرشيف الإلكتروني لموقع السلطة القضائية الاتحادية العليا في البلاد منذ يناير 2015 وحتى أكتوبر 2016، وكانت النتيجة أن 156 ألف شخص بريء تم اعتقاله خلال 22 شهرا بينهم أكثر من 17 ألف شخص وجّهت لهم تهم بالإرهاب.

ويشير البحث إلى أن وزارات الدفاع والداخلية والعدل، وجهاز المخابرات، لا تعلن عن عمليات الاعتقال التي تنفذها دوائرها الأمنية، لكن الموقع الإلكتروني الرسمي للسلطة القضائية العليا، هو الوحيد الذي ينشر إحصاءات عن عدد المعتقلين الذين أطلق سراحهم بعدما تبين أنهم أبرياء من التهم الموجهة إليهم.

وينشر الموقع الإلكتروني للقضاء العراقي إحصائية شهرية عن أعداد الأشخاص الذين أطلق سراحهم. ولكنه لا يكشف الكثير عن أسباب اعتقالهم أو التهم التي وجهت إليهم سواء كانت تهما إرهابية أم جنائية. ويشير في بياناته الشهرية إلى معلومات محدودة عن القضايا الإرهابية.

ومنذ يناير 2016 وحتى أحدث إحصائية، يعود تاريخها إلى أكتوبر 2016، تشير البيانات الرسمية التي تمت مراجعتها والاستناد إليها في البحث الاستقصائي إلى أن القضاء العراقي أطلق سراح 67.749 بريئا من السجون، بينهم 8.810 وجهت له تهم التورط في أعمال إرهابية، بمعدل 6775 عملية اعتقال في الشهر، و226 في اليوم الواحد.

وسجل شهر يونيو في 2016 أعلى نسبة في إطلاق سراح معتقلين أبرياء إذ بلغ عددهم (10791 بينهم 1608 متهمين بالإرهاب)، ويليه شهر مايو وبلغ عددهم (10373) منهم (3456) بتهمة بالإرهاب.

وشهد مايو ويونيو عملية عسكرية للجيش العراقي والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي لاستعادة السيطرة على مدينة الفلوجة في الانبهار، وانطلقت المعركة في 23 مايو وانتهت بعد ثلاثة أسابيع في 17 يونيو.

وفي عام 2015 تشير الإحصاءات إلى أن المحاكم العراقية أطلقت سراح 88297 شخصا بريئا منذ يناير وحتى ديسمبر، بينهم 8515 وجهت له تهمة كاذبة بالإرهاب، بمعدل 7358 عملية اعتقال في الشهر الواحد، و245 عملية اعتقال يوميا.

وسجل شهر سبتمبر أعلى نسبة في إطلاق سراح معتقلين أبرياء في عام 2015، وبلغ عددهم 9480، ويليه شهر ديسمبر وبلغ عددهم (9268)، ولم توضح البيانات أعداد الذين وجهت لهم تهم بالإرهاب، إذ يتحفظ القضاء على نشر هذه التفاصيل في بعض الشهور.

مجموع أعداد المعتقلين الأبرياء خلال عامي 2015 و2016 وشملت 22 شهرا حتى تاريخ صدور آخر إحصائية من القضاء العراقي، يشير إلى أن العدد الكلي يبلغ 156.046، وبمعدل يبلغ 7000 في الشهر الواحد، و236 يوميا.

ناجي حرج: الأرقام المعلن عنها رسميا هي فقط للمعتقلين الذين تم الاعتراف باعتقالهم

هذه الإحصائية المثيرة تشير إلى مشكلة حقيقية في النظام الأمني والتحقيق في العراق، إذ تجري الآلاف من عمليات الاعتقال العشوائية لمواجهة تصاعد أعمال العنف.

وتؤدي هذه الاعتقالات إلى مشكلات في السلم المجتمعي وخلافات بين القوى السياسية. إذ تتهم القوى والأحزاب السنية الأجهزة الأمنية بالطائفية، بينما تتهم القوى الشيعية سكّان المحافظات السنية باحتضان المتطرفين.

ويتهم سياسيون ونواب بعض الفصائل المسلحة الشيعية بامتلاكها سجونا خاصة لا تعلم بها الحكومة والقضاء، كما يتهمونها أيضا بتنفيذ عمليات اعتقال خاصة.

وبينما رفضت جهات عديدة الحديث لـ”العرب” والتعليق على البحث الاستقصائي الذي قام به موقع “نقاش”، بشأن السجناء الأبرياء، وتبني المعلومات الواردة فيه، اختار المتحدث باسم السلطة القضائية، القاضي عبدالستار البيرقدار، تحميل المخبر السري مسؤولية السجناء الأبرياء.

وقال البيرقدار، في تصريح لـ”العرب”، إن “تجميد العمل بالمخبر السري أدى إلى انخفاض حالات الاعتقال إلى أكثر من النصف، بالإضافة إلى تجميد عدد من الهيئات التحقيقية التابعة للعمليات المشتركة، بعد الاشتباه في تلقي أعضائها رشاوى”.

وعلى الرغم من الإعلان الحكومي الرسمي في 26 مارس 2013، إلغاء العمل بـ”المخبر السريّ”، وتأكيد السلطات أنّه “تسبب بالأذى للأبرياء من العراقيّين”، إلا أن العديد يؤكدون أن الأمر لا يتعدى كونه حبرا على ورق. شأنه في ذلك شأن قانون العفو العام الذي أقره البرلمان العراقي في سبتمبر الماضي.

يقضي هذا القانون بالعفو عن المعتقلين حتى الذين ارتكبوا جرائم محددة ضمن مساعي المصالحة السياسية في البلاد بين الأحزاب الشيعية والسنية.

لكن، لم يتطرق إلى عمليات الاعتقال الواسعة التي تجري في البلاد، وإذا ما أطلق سراح مجموعة، سرعان ما يتم تعويضها بمجموعة أخرى من المعتقلين “المشتبه بهم” أو الذين همس بأسمائهم المخبر السري.

لم يستغرب الناشط الحقوقي العراقي ناجي حرج، المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة، عمليات الاعتقال العشوائي والأرقام التي يشير إليها التقرير، على ضوء ما يجري في العراق.

ولفت في تصريح لـ”العرب” إلى أمرين مهمّين، الأول: أن الأرقام المعلنة تمثل فقط أعداد المعتقلين الذين تم إطلاق سراحهم، ولا تعطي فكرة عن عدد كل من تم اعتقاله خلال الفترة التي يغطيها التقرير فيعامي 2015 و2016.

ومن المعروف أن من يطلق سراحهم هم عادة ما يمثلون نسبة صغيرة من عدد من يتم اعتقالهم. وهنا علينا أن نتوقع أن هنالك المئات من الآلاف يقبعون في المعتقلات والسجون العراقية حاليا.

وبخصوص الأمر المهم الثاني فإن هذه الأرقام هي فقط ضمن المعتقلين الذين تم “الاعتراف” باعتقالهم من الأجهزة الأمنيّة، أي بمعنى آخر هنالك أعداد كبيرة من المعتقلين لا يتم الاعتراف باعتقالهم من أي جهة داخل العراق. وصنف هؤلاء ضمن حالات الاختفاء القسري المتصاعدة في العراق.

ويرى حرج أنه من خلال عمليات المراجعة والتوثيق التي يقوم بها مركز جنيف الدولي للعدالة، وكذلك من خلال شهادات المعتقلين الذين يتم إطلاق سراحهم أن قرارات المحاكم ـ الخاصة بإطلاق سراح المعتقلين ـ لا تعالج القضايا الجوهرية المترتبة على اعتقال الأبرياء ومن ثم إطلاق سراحهم بعد قضاء مدد طويلة في الاعتقال.

ويضع الحقوقي العراقي على رأس هذه القضايا ما يستحقوه هؤلاء الضحايا من تعويضات على الحرمان غير القانوني من الحرّية والذي قد يتبعه حرمان من العمل أو فقدان المعتقل لمورد عيشه أو وظيفته جراء الاعتقال.

ولا تتضمن أيضا التعويض عما يتم مصادرته (عادة) من موجودات مالية لدى من يتم اعتقاله.

وهكذا فإن عملية إطلاق سراح المعتقلين تظل عملية ناقصة دون تعويضهم، وهي حقوق أصيلة لمن يتم إطلاق سراحه من الاعتقال وبعد أن تثبت براءته.

7