سجون بلا قضبان

السبت 2015/01/10

ما زالت مطاعم “الجمهور” التي تدار من قبل منظمات مدنية في سجون بريطانية وبإشراف طهاة ومساعدين من السجناء، تستقطب مئات من الزبائن الذين يبحثون عن المغامرة والتجربة الفريدة حتى إذا تضمّنت هذه المغامرة تناول وجبة طعام فاخرة في وكر للأفاعي أو قضاء أمسية عطلة نهاية الأسبوع بإرادة منوّمة مغناطيسياً، يدفعهم شعور غامض في زيارة المكان ذاته الذي يحاول البعض الفرار منه من دون جدوى.

ولأن مطاعم السجون محاطة بشبكة أسلاك شائكة وخاضعة لحراسة مشددة، وتعمل تحت إشراف كلاب بوليسية متوحشة وكاميرات مراقبة تعدّ الأنفاس والهنات واللفتات، فإن التجربة بذاتها ما زالت تستفز العديد من الناس من خارج السجن.

أما السجناء، الذين يتم تأهيلهم للعمل كطهاة محترفين ليعدوا أطباقاً شهية تحمل نكهة الحرية، فيعملون بالمهارة ذاتها التي يتنافس فيها طهاة فنادق الدرجة الأولى لتقديم أفضل الخدمات لزبائنهم. لكن بعضا من سكان الزنزانات ممّن تملكته فكرة قضاء وقت الفراغ الطويل في عمل مفيد وشهي، لن يسمح لهم بممارسة هذه المهنة المكبّلة بالقيود، إلا إذا أثبتوا حسن سيرهم وسلوكهم خلال مدة محددة قضوها بالفعل تحت طائلة العقوبة، كما لا يسمح للسجناء الذين أدينوا في قضايا جنائية خطيرة، كالقتل مثلاً، العمل في هذه المطاعم ويمنح حق التأهيل فقط لأصحاب التهم الخفيفة والأحكام قصيرة الأمد.

لذلك، تصبح مهمة إعادة تأهيلهم بعد “تخرّجهم” من السجن، محملين بسوابق أفعالهم، عملاً أكثر جدوى. بذلك، سيضمن السجين الذي قادته أفعاله المنحرفة للعيش خلف القضبان فترة مؤقتة، عملاً شريفاً يحفظ له ماء وجهه عند إنهاء العقوبة ويعينه على استئناف حياته خارج السجن، لهذا فإن عودته فيما بعد إلى ارتكاب الجريمة قد لا يكون لها أي مبرر.

وهذه هي الفكرة الأساس التي قام عليها مشروع المؤسسة الاجتماعية، التي يخطط المسؤولون فيها إلى توسيع رقعته الجغرافية؛ لتشمل مواقع في سجون نائية أو في مدن أخرى.

في وقت لاحق على ذلك، وفي سويسرا، اعتمدت مصلحة السجون نظاماً جديداً يتعلق بتغيير لون طلاء الجدران داخل الزنزانات اعتماداً على توصيات من قبل استشاريين في علم النفس؛ الذين نصحوا باللون الوردي باعتباره رمزاً للصفاء النفسي ومرتعاً للأحاسيس المرهفة والمشاعر الرقيقة.

إدارات السجون هذه لمست بعض علامات التغيير التي طرأت على ملامح السجناء العدوانيين بالذات، الذين أصبحوا أكثر هدوء ودعة يحدوهم بعض من الأمل والتفاؤل. أما القوانين المثيرة للإعجاب في بعض السجون البرازيلية فتقضي، بتقليص مدة العقوبة للسجناء أربعة أيام لكل كتاب يكملون قراءته، على ألا يتجاوز عدد الأيام المقطوعة شهرا ونصف الشهر لكل عام من أعوام العقوبة الفعلية، في حين يتم التأكد من قراءة الكتاب بالكامل واستيعابه بتعريض النزيل إلى اختبار في الإنشاء يتناول ملخصا للمعلومات الواردة في الكتاب.

السجن عند البعض؛ إصلاح وتهذيب وتأهيل لبدء حياة جديدة، لكنه عند البعض الآخر ترهيب وتجويع وتعذيب وغرف سرية تؤدي إلى جحيم لا تذبل نيرانه. يبقى هذا الجحيم شاخصا في وجدان النزيل المستباح حتى بعد مغادرته – سهوا- لممرات الأقبية السرية، ليعيش على أثرها محكوما بسجن مؤبد داخل روحه المفطورة، سجيناً أبدياً بلا قضبان.

21