سجون تسكننا

الاثنين 2014/09/15

“ثمانية تريليون دولار” تكلفة العنف المنزلي سنويا، وأغلبه ضد النساء والأطفال.. تكلفة توصل إليها خبيران بريطانيان خلال قيامهما بمحاولة أولى لتقدير التكاليف العالمية للعنف. وطبقا لبيانات صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) فإن حوالي 290 مليون طفل يعانون من استخدام العنف في التأديب بالمنازل.

ويقيني أن من يقف خلف الأبواب المغلقة في بيوت غلفها جليد المشاعر أكثر بكثير من هذا الرقم، فلا أنسى معدة البرنامج الاجتماعي على إحدى قنوات التليفزيون المصري التي كانت تعد حلقة متخصصة عن العنف الأسري، واستضافتني مع ضيفين كريمين (أستاذ قانون، ومعيدة في كلية رياض الأطفال).

وخلال حديثها معي عن محاور الحلقة، وصفت لوقت طويل علاقتها بزوجها المهندس “المتحضر” صاحب العقل الواعي، والرأي الراجح، والمحب العاشق الولهان، كيف بدأت علاقتها به، وما الذي قادهما إلى القفص الذهبي.

وهمست لي ببرهان حبها وولعها بزوجها حين كتبت له في اليوم التالي لزواجهما “أنا ملك حبيب عمري وزوجي”، ملكه قلبا وجسدا يفعل بي ما شاء فأنا قطعة منه، ثم بالغت في عشقها حين حبست بعضا من أنفاسها في زجاجة كتبت عليها “ملك روحي”، وخضبت منديلا ورقيا بقطرات من دمائها، وهي ترسم قلبا لونه الدم باللون الأحمر، واخترقه سهم الهوى، وزينت كل طرف من السهم بالحرف الأول من اسميهما.

ظلت تحدثني عن زوجها، وأنا أتمتم: بسم الله ما شاء الله!! وتؤكد أن “مهندسها” أحد ملائكة السماء، جاء للأرض لتعليم بني البشر الحب والسلام، وكيف تكون القلوب الصافية، رجل يرسم خريطة للأخلاق والمثل والمبادئ.

مرت على هذه الواقعة فترة طويلة لم أر فيها المعدة الجميلة، وللحق شغلتني الحياة حتى عن مهاتفتها، وكنت في زيارة للمبنى الذي تعمل به، لإجراء حوار مع أحد مسؤوليه، ومررت عليها، لأجدها ترتدي نظارة شمسية كبيرة الحجم تخفي الكثير من ملامحها، وعندما رأتني، خلعت نظارتها التي كانت بمثابة قناع واق من أعين المتلصصين، لأجد عينا متورمة تعلوها الزرقة والاحمرار، وأثارا لمعركة حامية.

تبادلنا النظرات، واطبق الصمت علينا، وسألتها: هل هذه حادثة وبلطجة أم بعض عناصر من الجماعة التي كانت تعد الحلقات الساخنة عن ملفاتهم السرية، فأرادوا تلقينها درسا قاسيا دفعت العين المسكينة ثمنه غاليا.

فاستترت بنظارتها، وبكت بحرقة، قائلة: إنه زوجي المهندس “المثقف” الذي أحببته بجنون، وحبست أنفاسي هدية له يوما.

وتابعت: لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يضربني فيها ولكنها الأكثر عنفا. باغتها، وماذا فعلتي؟.

قالت: لا شيء، حوار عقيم، خصام وصمت، أيام ويسترضيني بقطعة ذهبية، أنا المرأة الوحيدة التي تدفع ثمن مجوهراتها “ضرب”، وأعلم أنه سيعاود مرة أخرى.

وما رد فعلك تجاه هذا العنف؟

قالت: أنت مصرة على إضحاكي، يا عزيزتي اخترت طريق الصمت، لن يتركني المجتمع في حالي وأول من سيلوك سيرتي هم زملاء المهنة، ناهيك عن الفضائح.

حقا، كما قال الخبيران البريطانيان: “العنف الأسري أكثر فتكا من الحروب” لأن الصمت النسوي، وفكر النعامة، ونسج الأساطير عن حب مفقود، ومحاولة ترميم حياة زوجية بائسة كلها سطور تكتب شهادة وفاة لعلاقات مكذوبة، وسجن اختياري تبني الضحية دائماً أسواره، بدلا من طلب الدعم والمساعدة. وما هذه الأسوار العالية إلا سجون تسكننا.

21