سجينات تونسيات يبدعن بالموسيقى خارج الأسوار

سعي إلى فك عزلة السجينات وتحقيق توازنهن الاجتماعي والإنساني.
الجمعة 2019/12/06
السجينات يسلبن حقهن في الحياة

تغنّت سجينات تونسيات بالحب والحرية والحياة ليعبّرن عمّا يخالج صدورهن من مشاعر وجع وندم لخطايا فعلنها أوصلتهن إلى خلف القضبان، في ظل الحواجز الأسرية والاجتماعية التي يواجهنها بمجرد الحكم عليهن بالسجن والتي تظل تحاصرهن حتى بعد قضاء مدة عقوبتهن وخروجهن، لتستمر معاناتهن من التهميش والرفض العائلي والاجتماعي، مما يجعلهن يواجهن صعوبة الاندماج مجددا في ظل الحكم عليهن بالإقصاء المؤبد.

تونس – أحيت سجينات في تونس حفلا موسيقيا خارج أسوار السجن احتضنته دار الثقافة ابن رشيق في العاصمة تونس، ليمارسن هوايتهن متحديات في آن واحد وضعهن الصعب وليمررّن رسالة إيجابية مُفعمة بالحياة والأمل، في خطوة لكسر الحواجز المادية والمعنوية التي تحيط بهن ولتحفيز الروح الإبداعية الموجودة بداخلهن.

وانتظم الحفل الذي أحيته مجموعة من السجينات بسجن النساء بمنوبة (ضاحية غربي العاصمة التونسية)، مساء الأربعاء، بمناسبة الذكرى السنوية لاعتماد البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب، وفي إطار الأسبوع الثقافي الأول للوقاية من التعذيب الذي تنظمه الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب (حكومية) وبالشراكة مع الإدارة العامة للسجون والإصلاح (حكومية).

وقال فتحي الجراي رئيس الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب في كلمة ألقاها خلال الحفل إن النزيلات من خلال هذا الحفل يمارسن نوعا من الحرية عبر الإبداع.

وشدّد على ضرورة تشجيع الروح الإبداعية الموجودة بداخل السجناء بصفة عامة من أجل السعي إلى فك العزلة التي بداخلهم والمساهمة في الإحاطة بهم وتحقيق توازنهم الاجتماعي والإنساني.

وقدّمت الحفل فرقة نادي الموسيقى بسجن النساء بمنوبة، المتكونة من 12 نزيلة وبقيادة أستاذ الموسيقى إسكندر كرادة، وتم تنظيمه في دار ثقافة “ابن رشيق” وسط العاصمة.

يبلغ عدد السجينات 650 سجينة منهنّ 400 موجودات بالسجن المدني بمنوبة وهو الوحيد في تونس الخاص بالنساء

وفي جلسة طربية بامتياز دامت ساعة واحدة، قدّمت النزيلات مجموعة من الأغاني منها ” قدك المياس” و”فوق النخل” و”زعمة ناري تطفاشي” و”الأرض أرضي” و”أم السواعد سمر” و”عالمقياس نغني” و”عرضوني زوز صبايا “.

وتكوّنت الفرقة من إسكندر كرادة قائد الفرقة والعازف على آلة الأورغ وفنانتين رئيسيتين والبقية كورال، إضافة إلى عازفين اثنين على الآلات الإيقاعية وعازف على آلة القيثار. واختتم الحفل بالنشيد التونسي الذي ألقته النزيلات بصوتهن.

ووفق إحصائيات رسمية نشرت في أبريل الماضي فإن العدد الإجمالي للسجناء بلغ 22 ألفًا و663 سجينًا في حين أن طاقة استيعاب السجون لا تتجاوز 17 ألفًا و762. ويبلغ عدد السجينات حسب أرقام وزارة العدل في يناير الماضي 650 سجينة منهنّ 400 موجودات بالسجن المدني بمنوبة وهو السجن الوحيد في تونس الخاص بالنساء، فيما توزع البقية أي في حدود 250 سجينة بين أجنحة النساء في سبعة سجون في البلاد.

وكشف تقرير حديث لوكالة تونس أفريقيا للأنباء “وات” أن نسبة النساء السجينات تناهز 3 بالمئة من مجموع السجناء في تونس، وفق ما أفادت به الناشطة الحقوقية لينا بن مهني، خلال لقاء نظمه مركز البحوث والتوثيق والإعلام حول المرأة بتونس حول “النساء السجينات”.

وأفادت الناشطة الحقوقية أنه من النقائص المسجلة بسجن منوبة، عدم انتظامية الأنشطة الرياضية والثقافية، ومحدودية طاقة استيعاب فضاء الاستقبال الخاص بالسجينات، وعدم الاستغلال الأمثل لفضاءات التنشيط والورشات، حيث تنشط ورشتان فقط مخصصتان للمرطبات والحلاقة.

وصرّحت أن فضاء الأم والطفل في سجن منوبة يأوي سجينات يرعين أبناءهن، ويرتدي أعوان السجون بهذا الفضاء لباسا مدنيا تطبيقا لإجراءات تفرض حماية هؤلاء الأطفال الذين تقلّ أعمارهم عن سنتين، ويتم إبعادهم عن أمهاتهم حالما يتجاوزون عمر السنتين، مشيرة إلى أن عدم توفر التأهيل النفسي للأطفال، قد تنجرّ عنه آثار سلبية نتيجة إبعادهم عن أحضان أمهاتهم.

وشدّدت على أهمية تجنّب العقوبات السالبة للحرية حينما يتعلق الأمر بتسليط عقوبات قضائية على النساء الحوامل، مطالبة بإعداد برامج خصوصية لإدماج النساء في الحياة الاجتماعية والمهنية وذلك قبل الإفراج عنهن.

المواهب لا تقبر في السجون
المواهب لا تقبر في السجون

وقال تقرير نشرته “وات” في 2018 إن العشرات من السجينات من مختلف جهات الجمهورية، بالسجن المدني بمنوبة، وبمختلف الوحدات السجنية المخصصة للنساء بباقي السجون، تنطلق قصصهن من زلّة فعقوبة مؤقتة فعقاب مؤبد في محكمة المجتمع، مع وصمة عار لن تمحي، ليكون مصيرهن الشارع بلا عمل وبلا سند، وسط ظروف لا تشجع إلا على العودة إلى الجريمة.

وقال التقرير إن المرأة السجينة التي تطور عددها من 424 امرأة ما بين 1956 و1960 إلى 624 سجينة في 2017 منهن 184 سجينة محكومة ما يزال وجودهن داخل السجن مرفقا بأحكام سلبية ووصم مدمر يصنّفهن في دائرة المجرّدة من الحقوق ويسحب منهن حقهن في الحياة كإنسانة سوية.

وأشار إلى استطلاع الرأي الذي قامت به المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي في سجنيْ منوبة والمسعدين في فبراير 2014 وشمل 201 سجينة يمثلن 32 بالمئة من جملة 630 سجينة في تونس، وخلص الاستطلاع إلى أن 41 بالمئة من السيدات اللاتي شاركن في الاستطلاع تعرّضن للوصم من قِبل أسرهن والمجتمع نتيجة لسجنهن، وأن 39 بالمئة منهن واجهن حالة من الانهيار الأسري، و9 بالمئة تم حرمانهن من أطفالهن، ونفس النسبة هجرهن أزواجهن، كما فقدت ربع هؤلاء السجينات عملهن، وخمسهن مسكنهن وحرمت 25 بالمئة من عملهن.

وأضاف أنه أمام المشاكل التي تواجه المسرّحات، وخاصة انقطاع الروابط العائلية، فإن الخيارات تصبح محدودة وهي إما بناء شخصية متوازنة سوية، وإما المضيّ قُدما في درب الانحراف.

وتابع أن وزارة العدل ومصالح الإدارة العامة للسجون والإصلاح رأت في الإعداد النفسي والتأهيل والتكوين بالسجون إحدى مقاربات استئصال النزعة الإجرامية وتخفيف الإقصاء والرفض الاجتماعي، واعتمدت في السنوات الأخيرة آليات تحرص على إعداد المساجين والسجينات على مواجهة المجتمع، وعلى بناء شخصيات مضادة للسلوك الانحرافي، وللعقبات النفسية، ووقايتهم من العود والتي بلغت نسبتها 2.39 بالمئة حسب مؤشرات الإدارة العامة للسجون والإصلاح في 2017.

ويشوب هذه الآليات الكثير من الجدل حول مدى جدواها خاصة في ظل افتقادها إلى أرضية مجتمعية، وحول نجاعتها التي أكد الباحث في علم اجتماع الجريمة، الدكتور سامي نصر، على أنها “تتوقف أولا عند نظرة المجتمع تجاه المسرّحة وتضيع جدواها كليا مع أي تفاعل سلبي تجاهها”، وفق “وات”.

وأوضح مختصون أنه يتم متابعة السجينات نفسيا والإحاطة بهن من قبل الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لدعم مواجهتهن لمقاطعة العائلة لهن، ولتحمّل تبعات العقوبة النفسية، كما يتم، قبل سنة على الأقل من نهاية العقوبة، إعدادهن نفسيا لمواجهة مرحلة ما بعد العقوبة، ثم الاتصال بعائلاتهن وتشخيص محيطهن العائلي والاجتماعي ووضعهن المادي، مشددين على أنه من أصعب المراحل التنسيق مع الهياكل المعنية بالإدماج والجمعيات ومراكز الإحاطة.

وأضافوا أنه رغم إبداء التفهم من الجهات الرسمية والجمعيات حول وضعيات السجينات وحاجتهن إلى المسكن والعمل لتدبير قوتهن، وللمضيّ قُدما في درب الإصلاح الذي عمل عليه السجن، فإن الحلول محدودة والنتائج غير مجدية، فضلا عن غياب التنسيق بين جميع الأطراف المتداخلة.

وفي اجتماعها في 14 مايو 2018 بلجنة شؤون المرأة والأسرة قيمت الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب مسالك التأهيل في سجن منوبة بأنه “نشاط دون المأمول، وأن منظومة الإدماج بعد الخروج من السّجن ضعيفة للمرأة والرّجل والطفل على حدّ السّواء”.

وأجمع الخبراء على أن المشكل الأساسي بالنسبة للنساء السجينات هو متابعة المسرّحات بعد قضاء فترة العقوبة، وتوفير الظروف الإنسانية لرعايتهن من خلال توفير مراكز إيواء والتفكير في إدماجهن ضمن آليات تشغيل الفئات الهشة، منبّهين إلى أنه بقدر الحاجة إلى تنمية المهارات داخل السجن، تحتاج المسرّحات فور مغادرتهن السجن إلى الإحاطة بهن إلى حين تمكنهن من تسيير حياتهن بأنفسهن.

21