سحابة سوداء تنقشع

هل بات مجرد فوز في الدور الأول ضمن كأس العالم يكفي المنتخب البرازيلي كي يخرج عن الطور ويبالغ في إظهار فرحته الكبيرة المفعمة بكل الأحاسيس والمشاعر الجياشة بعد أن تماهت الدموع مع هتافات النصر؟
الأحد 2018/06/24
نجوم البرازيل يحلقون عاليا

دموع غزيرة ذرفت بعد مباراة البرازيل وكوستاريكا، فرحة “هستيرية” عمت المكان، لاعبون يرقصون ويتراقصون، امتزجت الآهات والهتافات وبحت الأصوات، مدرب يركض ويتنطع ويسقط أرضا من فرط السعادة التي اعترته بعد هدف متأخر للغاية منح المنتخب البرازيلي فوز يمكن القول إنه “نصر الدموع والمعاناة والفؤاد المفطور”.

تلك هي أهم ملامح الفوز البرازيلي على كوستاريكا في منافسات الجولة الثانية من الدور الأول للمونديال الروسي، فالعنوان في أعقاب هذه المباراة المليئة بالعرق والغضب والعواطف كان بلا شك ذلك الفرح “الجنوني” الذي ضرب معسكر منتخب “السيليسون” إثر هدفي دقائق الوقت البديل بقدمي كوتينهو ثم نيمار.

ألا يدعو الأمر إلى بعض من الغرابة والحيرة؟ ألهذه الدرجة يمكن أن يمنح الفوز على منتخب كوستاريكي نادرا ما صمد سابقا أمام البرازيل، بل إنه خسر في عشر مناسبات من مجموع 11 مواجهة مشتركة الأحقية لأبناء البرازيل للاحتفاء بـ”جنون”؟ هل بات مجرد فوز في الدور الأول ضمن كأس العالم يكفي المنتخب البرازيلي كي يخرج عن الطور ويبالغ في إظهار فرحته الكبيرة المفعمة بكل الأحاسيس والمشاعر الجياشة بعد أن تماهت الدموع مع هتافات النصر؟ 

هل استحضرتم سادتي ما حصل منذ أربع سنوات في المونديال الذي أقيم في البرازيل بالذات؟ لنعد إلى منافسات الدور نصف النهائي وتحديدا إلى تلك المباراة التاريخية الذي أطاح خلالها المنتخب الألماني بنظيره البرازيلي بسباعية كاملة، سباعية أبكت كل الشعب البرازيلي وبعثرت “كرامة” منتخب كان يحلم بإضافة نجمة سادسة فوجد نفسه خارج المنافسات، وبأي طريقة؟ هي هزيمة “نكراء” وسقوط مذل وموجع إلى حد الإيلام.

تذكرت حينها مقولة أحد مشجعي المنتخب البرازيلي حين تحدث بعد تلك الخسارة، قال بالحرف الواحد “لقد غرس المنتخب الألماني سكينا في القلب، ومن الصعب للغاية أن يلتئم الجرح الغائر سريعا، التتويج مرة أخرى بكأس العالم ينسينا حدة هذا الألم”.

بدأت البطولة، كان الاعتقاد سائدا بأن يتخطى منتخب “السيليسون” نظيره السويسري في لقاء الافتتاح، لكن هذا الأمر لم يحصل، فزملاء نيمار عجزوا عن فك “شفرة” منافسهم واكتفوا بتعادل بطعم المرارة.

تعاظمت بعد ذلك الضغوط والشكوك، ازدادت أيضا بعد أن عانى نيمار النجم الأول في المنتخب البرازيلي من بعض الأوجاع التي كادت تهدد مشاركته في اللقاء، سابق الجميع هناك في معسكر “السيليسون” الزمن، تمنوا أن تنتهي الدقائق بسرعة البرق ويحل اليوم الموعود، موعد اللقاء الثاني ضد كوستاريكا. يكفي المنتخب البرازيلي صبرا وانتظارا، ألم تكن السنوات الأربع كافية؟ اليوم يجب مسح الدموع والتكفير عن ذنب السباعية حتى بالقليل.

جاء اليوم المنتظر، وحاول نجوم البرازيل التحليق عاليا وتحقيق الفوز المطلوب الذي سيكون طعمه بحلاوة رفع الكأس، إذ سيكون الفوز المونديالي الأول إثر الهزيمة التاريخية ضد ألمانيا.

لكن الأمور لم تسر بالشكل المطلوب في بداية المباراة، ففي مواجهة دفاع حصين وحارس يقظ ومتميز هو كيلور نافاس نجم ريال مدريد، كان من الصعب وسط الضغوط والهواجس السيئة الوصول سريعا إلى مرمى المنافس.

عانى المنتخب البرازيلي كثيرا، مرت الدقائق بسرعة رهيبة، اقتربت النهاية ولا جديد يسعد في الأفق، انتهى وقت المباراة الأصلي، احتسب الحكم بعض الدقائق كوقت بديل.

آه منك أيتها الدقائق البديلة، فكم أسعدت منتخبات وجماهير وكم أصبت البعض الآخر في مقتل، فالدقائق البديلة في مباراة البرازيل ضد كوستاريكا كانت أثمن من أربع سنوات بالتمام والكمال من الانتظار، كانت بحق رائعة وتاريخية، لقد حررت الشعب البرازيلي واستلت “تلك السكينة” التي غرسها منتخب ألمانيا في المونديال الأخير.

23