سحرت به المخابرات السورية والإسرائيلية وأغاظهم لقبه عمود السما

الأحد 2013/08/18
شخصية سياسية لها تأثيرها في المشهد السياسي اللبناني

المكان : مستودع للسجاد في قبو تحت الأرض ـ بيروت

الزمان: صيف 1982 أثناء الاجتياح الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية وحصار المقاومة الفلسطينية والمقاومة الوطنية اللبنانية.

اتصال من وليد جنبلاط بالقيادة الفلسطينية، طالباً الاجتماع برموزها مع ممثل عن المقاومة اللبنانية على وجه السرعة، ووصول القيادات تباعاً إلى المكان السري المتفق عليه، ولكن جنبلاط لا يصل، بينما يهبّ ياسر عرفات إلى درج القبو لاستقبال الدكتور جورج حبش ومساعدته على هبوط الدرجات، ويواصل الجميع انتظارهم الطويل لوصول الزعيم الدرزي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، يصل جنبلاط بعد اكتمال الحضور، في سيارة تابعة للسفارة الأميركية في بيروت، ضماناً لسلامته وعبوره من الحواجز المختلفة، لا يسأله عرفات وحبش والآخرون أي سؤال، يكتفي أبو عمار بالكتابة العبثية بقلم رصاص، على ورقة وضعت على الطاولة… في الوقت الذي أخذ جنبلاط بقياس طول وعرض القبو، جيئة وذهاباً، دون أن يجد مفتاحاً للحديث، ولكنه ينخرط فجأة في بكاء طويل، ونشيج غالب، ليفيق منه بعد لحظات إلى قهقهة وضحك هستيري، وليقترب من عرفات والآخرين ناطقاً بما جاء من أجله: كلّفتُ أن أطلق عليكم رصاصة الرحمة…عليكم أن تغادروا بيروت بأسرع وقت، مع الصليب الأحمر، هذا ما طلبه مني الأميركيون والإسرائيليون…والأمر لكم).

كانت السطور السابقة هي الكلمات التي أحاطها رئيس تحرير جريدة الثورة السورية بخط أحمر واضح في العام 2006، وأمر بحذفها من مقال لكاتب هذه السطور جاء وقتها على شكل قراءة في وثائق ياسر عرفات التي أفرج عنها بسام أبو شريف السكرتير الخاص للرئيس الفلسطيني الراحل ومستودع أسراره، وعلمت حينها بأن تعميماً سريّاً صدر عن رأس النظام السوري بعدم التطرّق إلى ذكر وليد جنبلاط بأي إساءة، رغم موقفه العنيف والحاد من نظام الأسد بعد اغتيال الحريري، أما أسباب ذلك فهي كثيرة وحساسة، أقلّها ما كان يصف به وزير داخلية النظام السوري (المنتحر) غازي كنعان الزعيم الدرزي في مجالسه الخاصة، فكان يقول: (رجل تقول عنه طائفته بأنه عمود السما..علينا أن نحسب له ألف حساب).

و ذهب غازي كنعان إلى انتحاره الأسطوري، وقبله وبعده مضت قافلة طويلة من الشخصيات السياسية والفكرية اللبنانية، في مشوار طويل بدأ منذ أن قرّر حافظ الأسد التخلّص من رأس الفتنة كما رآه المفكّر والزعيم العربي كمال جنبلاط، ولكن وليد جنبلاط بقي.

لوليد جنبلاط شخصيته الخاصة، وقدرته على فهم العالم بأدواته الخاصة، ولعب أدوار أكبر بكثير من الثقل الطائفي للدروز في لبنان، وهم في أكبر تعداد لا يتجاوزون المئتين وخمسين ألف نسمة عدد كبير منهم إما مهاجر أو مغترب، ولكن جنبلاط استطاع تحويل حضوره الطائفي كزعيم عشائري، من مجرد زعيم لأقلية إلى ورقة قوية في لبنان والعالم العربي والعالم، من خلال تطويره الطويل لمفهوم العمق الاستراتيجي المجتمعي، فهو ليس درزياً فقط، ولكنه أيضاً رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وهو ليس كذلك فقط بل هو نائب رئيس الأممية الاشتراكية (الكومنتيرن)، التي تخلى عنها العالم وتمسّك بها جنبلاط، وهو مؤسس ثورة الأرز في لبنان، ورئيس جبهة النضال الديمقراطي، وهو أيضاً ليس مجرد سياسي أيديولوجي بل هو أيضاً لاعبٌ حر، أتقن تلك الحرية، وشارك بمهارة في جميع الألعاب والاتفاقات التي رسمت شكل الشرق الأوسط خلال الأربعين سنة الماضية، بعد اغتيال والده وانتقال الزعامة في المختارة إلى وليد، الشاب المثقف، وصديق الكتّاب والفنانين والشعراء والروائيين، فحين يختفي في بيروت الثمانينات أحد الشعراء العراقيين المعارضين لنظام صدام حسين، لا تجد الأحزاب العراقية من تستنجد به لإنقاذه سوى جنبلاط، وحين يقرظ الفقر والحاجة رداء مشاهير الكتاب العرب، تجد جنبلاط أول المبادرين إلى مساعدته، دون أن يعلم أحد، ودون أن يوظّف هو تلك العلاقات في مصبّ مصالحه السياسية، يقرأ كثيراً، ويفكّر ويحلّل، ويستخلص قبل الجميع الإشارات الأولى لاقتراب الحدث، وقراءاته تلك لم تخب يوماً، حتى حين فهم أن العالم وسوريا ضاقا تماماً بنظام الأسد في دمشق، وأعلن موقفه ذاك صريحاً من ساحات بيروت : (لن ينالوا من عزمنا للحياة، لن ينالوا من إرادتنا في الصمود، لن ينالوا من عشقنا للحرية والتعدّد والتنوّع) وحين عرف أن ذلك العالم وليس سواه، قد قرّر الانتظار وبسبب التناقضات المحتدمة فيه ومن حول سوريا وداخلها، لم يتردّد حفاظاً على مصالح لبنان واستقراره بإعلان موقف جديد، عرف جيداً كيف يصطاد به وعي بشار الأسد وحاضنه الإيراني باستخدام التعبير الروحي (قلت هذا في لحظة تخلٍّ) وهو يدرك جيداً تأثير اللغة الخاصة على المؤمنين بها، رغم اعترافه بعد سنوات قليلة بأنه قال هذا الكلام ( والمسدّس فوق راسي!) في إشارة إلى تهديد حزب الله وحسن نصرالله له بالقتل، بعد أن اجتاح حزب نصرالله بيروت، تماماً كما فعلت إسرائيل قبل ثلاثة عقود من الزمان، ليؤسس دولته فيها وليقضي على الروح الديمقراطية، التي اشتهر بها لبنان، كواحة في الشرق الأوسط الكئيب الدموي الذي تتحكّم به سلطات لا تؤمن أساساً بالديمقراطية، ويُستقبل جنبلاط، من جديد، بالأحضان في دمشق بشار الأسد، وربما قال الأخير وهو يستقبل جنبلاط مراراً بعد ذلك، ( كيف أفلت هذا الداهية من محاولات الاغتيال واحدةً إثر أخرى؟ كيف لم ننجح في تصفيته حتى الآن؟) ولكن جنبلاط عرف كيف يصنع من نفسه ضرورة في كل الحالات، عدوّ ضروري وصديقٌ ضروري على مضض.

يندفع الإسرائيليون إلى اكتشاف ظاهرة وليد جنبلاط، فيصرّ شمعون بيريز على زيارته في قصر المختارة في تموز1982 بذريعة أنه مبتعث من قبل فيلي براندت رئيس الأممية الاشتراكية ، فيقع لقاء عاصف ينهيه الزعيم الدرزي بنفسه على غير عادة الضيافة الدرزية الشهيرة وأصولها، ليشعر بعدها بسنوات العلماني وليد جنبلاط بأن عودة تركيا إلى الشرق العربي وإلى إسلاميتها نعمة كبيرة (الحمد لله أن تركيا عادت إسلامية) وهو ذاته الذي يردّد ويعيد ويكرّر في زياراته إلى الرياض ضرورة أن تعمل المملكة العربية السعودية على ضم واحتضان الدروز العرب المسلمين، ويقول إن هناك تقصيراً كبيراً تجاههم فتتوجب مساعدتهم على الوصول إلى فهم مشترك للقرآن الكريم، وهم كما يراهم الزعيم (يسبحون في بحر من السنّة ولا مستقبل لهم إلا بالتعايش والتحالف مع السنّة)

أكثر الورثة براعة في استلهام سلفه كمال، والاستمرار من بعده دون أن يخسر شيئاً لا من بصمته الخاصة، ولا من أصالة الجذع الذي يتفرّع عنه، فمن في العالم العربي اليوم، يجازف باعتبار وليد جنبلاط مجرّد لبناني ومجرّد زعيم درزي؟ وهو الذي تمكّن من تحويل ذاته إلى شأن خاص بكل عربي، وكل كردي أيضاً فلم يرفض جنبلاط يوماً الروايات التي تقول إنه يتحدّر من أصول كردية، وكل علماني أيضاً فهو ذو طريقة تفكير حرّة ومنفتحة، وكل صوفي أيضاً فهو في بعدٍ من أبعاده خرّيج مدرسة التصوف الكمالية التي اتصلت بالحلاج والهند كما اتصلت بابن عربي وفيثاغورس وأفلاطون معاً، ويتصل أيضاً بالأم اللبنانية الشهيرة الأميرة مي أرسلان ابنة شكيب أرسلان، أمير البيان العربي، وتلميذ الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والذي حافظ على عمقه الدرزي وفي الوقت ذاته، كان يتعبّد على طريقة أهل السنة، وكان يصلي ويصوم ويحج ويؤدي سائر العبادات الظاهرية المعروفة، وقام بتأسيس جمعية (هيئة الشعائر الإسلامية) في العاصمة الألمانية برلين في العام 1924، فكان تأثير التفكير المنفتح الذي ورّثه شكيب أرسلان لحفيده وليد ظاهراً لا يحتاج إلى بيان، حتى يخيّل للمرء أحياناً أن جنبلاط يلعب وحده، في ساحة لا مهارات فيها ولا لاعبين محترفين.

ولد جنبلاط في العام 1949 لتلك الأم ولذلك الوالد الذي أطلق على نفسه اسم (زولفي يوكسل) كاسمٍ سريٍ في مرحلة النضال ضد المستعمرين ثم من جاء بعدهم من السلطات التي حكمت سوريا ولبنان، وعاش الابن بعيداً عن المسرح السياسي حتى اغتيال والده الذي فجعت فيه حينها الثقافة العربية والنخب الفكرية والسياسية باختطافه وتغييبه من المشهد بالتصفية الجسدية ولعل كثيرين ما زالوا يرددون القصيدة الشهيرة التي كتبها شوقي بزيع في رثاء جنبلاط والتي جاء في بعض أبياتها (كأنَّما جبلُ الباروك أذهله…

أن تنحني فمشى في يومك الشجرُ…

والأرزُ أفلت من حرَّاسه ومشى

وفي ثناياه من جرحِ الرَّدى خَدَرُ)

بعد أن أنهى دراسته الجامعية في العام 1973 نال شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت و قام بتدريس مادة التاريخ في (الجامعة الوطنية) في عاليه، ثم عمل صحفياً في ملحق جريدة النهار في مدة أقل من سنة وكتب العديد من المقالات الاقتصادية والسياسية.

يعيش جنبلاط اليوم بحذر شديد، بعد أن اختار الخطر من جديد بوقوفه الحاد إلى جانب ثورة الشعب السوري، مسخّرا الكثير من علاقاته وقدراته على الأرض لمساعدة السوريين على الحفاظ على الطبيعة المدنية لثورتهم، مؤسساً لفكرة الحياد الإيجابي، لمعرفته العميقة بأن التركيبة اللبنانية الحالية لن تقف مع الشعب السوري بل إنها بحكم تبعيتها لولاية الفقيه، ستنخرط في الصراع دفاعاً عن نظام الأسد، ولكن جنبلاط مع ذلك أخذ يرسل الإشارات تلو الإشارات وآخرها كان رسالته إلى حسن نصرالله بأن ينسحب من سوريا لأن (العد التنازلي لنظام بشار الأسد قد بدأ) وبقي (أبو تيمور) الناحل والغائب في مكانٍ ما حين تجالسه أو تسمع منه، والحاضر تماماً في النبرة المتهكمة، العميق في الاستماع، ساخراً من كل المعطيات، ذاهباً إلى ما لا يراه الآخرون، حريصاً على رفد النشطاء السوريين بكل ما يُظهر الوجه المتحضّر لمطالب ملايين الشعب السوري بالكرامة والحرية والحياة الديمقراطية والازدهار، مستمراً في رهانه الصعب، وتحدّيه المغامر لكل العثرات والتعقيدات التي شابت وتشوب المشهد السوري، ليكرّس ذاته من جديد زعيماً ليس فقط على دروز لبنان وسوريا ومجموعة باقية من اشتراكيين حالمين هنا أو هناك، بل حجر زاوية في الخارطة الشرق أوسطية المتزلزلة.

7