سحر الأربعين

الاثنين 2016/04/04

قفز عمري قفزات مدوية تسارعت خطاها حتى استيقظت ذات نهار ليس ككل نهاراتي السابقة، نهار أضحيت فيه امرأة في الأربعين.

تتهادى خطواتي ولا تتقافز، دقات قلبي باتت هائمة على وجهها تتسارع حينا وتركن إلى السكون أحيانا كثيرة حين يرهقها الركض وراء سنيّ عمري الضائعة، ضرباتي أصبحت أربعينية هادئة تمشي على مهل، وليست هذه الضربات الصغيرة المراهقة الحمقاء الرعناء، تجري ثمّ لا تلبث أن تجلس لتستريح في ركن هادئ بقلبي المسكين المستكين.

أصبحت أستمتع بقهوتي الصباحية بلا سكر، أرتشف مرارة البن بلذة فريدة لم تكن متاحة لصغيرة تعشق حلوى الحياة.

هنأت زميلة سنوات الدراسة بيوم ميلادها فإذا بها تضحك معلنة التوقف عن الاحتفال لبدء العدّ التنازلي لسنوات عمرها، مسترسلة “أصبحت أجلس القرفصاء على رصيف العمر أستجدي سنوات الطفولة (عودة خاطفة لأيام عمري الأولى) على قارعة الطريق أحسب خطواتي وأحلامي أتذكرني طفلة تتطاير جدائلها مداعبة الهواء في مرح، أحصد الأحلام وما حققته منها وما سقط سهوا”.

على الرغم من أن زميلتي محامية ناجحة ومتحققة، زوجة وأم لمراهقة متفوقة رائعة تأخذ العقل، إلا أنها تعاني اكتئابا حادا وكأن قطار الحياة أطلق صافرته الأخيرة وودع محطته، لكون من حولها أدخلوها دوامة حمقاء مفادها أن التقدم في السن له متطلبات كثيرة عليها الانصياع لها دون جدال وأن تتمدد بطول العمر وعرضه تبعثر الذكريات وتبدأ استعدادا عفويا للعب دور المرأة الناصحة لفتيات في عمر الزهور ثم الجدة الحكّاءة التي تفرد حكاياها للصغار وتوزع الحلوى والابتسامات.

بدأت خطوات جادة نحو إغلاق مكتبها والانسحاب من الحياة المهنية والاكتفاء بدور الأم والزوجة أو المشاهد للأحداث بسلبية غريبة في هذا العمر الباكر، فالدولة نفسها تضع سن التقاعد عند الستين.

وبنظري فإن الأربعين سن التكليف الفعلي بعظائم الأمور وأجلها، لما له من عقلانية واتزان في مواءمات بالغة الدقة.

لكل فترة من العمر جمالها وسحرها الأخاذ، فالطفولة ساحرة بهية ببراءتها ونشوة جنونها وأخطائنا التي نظنها نهاية العالم، والمراهقة رائعة بحبها الضائع في العمر البكر واستحالة اكتمال القصة وإسدال الستار في المنتصف من المسرحية دون أن تكتب مشهد النهاية، الشباب المفعم بالحيوية والحماسة يلتقطنا من عذابات الحب الأول إلى نضج التجربة التي يختتم فصولها المأذون ذو العمامة البيضاء أو القس بعهوده السبعة والدخول في تفاصيل حياة الأبناء الرائعة، حتى تجاعيد الوجه لها بريق الحكمة والنضوج، ولها دلالة العقل الواعي.

البعض من النساء ركنّ إلى اليأس والاكتئاب، ورضين بما مضى معلقات توقفهن عن الابداع وإسراع الخطى للنجاح والثقة بالنفس على شماعة الظروف رغم أنهن قلة قليلة، فالأكثرية من النساء الآن أصبحن يملن إلى التميز والإبداع وليس الاكتفاء فقط بمجرد مهنة تقليدية أو وظيفة حكومية وعمل يدر دخلا ثابتا فحسب.

حين تبلغ المرأة الأربعين فقد اغتسلت سنوات عمرها بالورد والياسمين، وأنضجتها تجارب السنين، وأضحت أكثر تعقلا وحكمة وتعاطيا واعيا مع زلات لسان أو تسرع غير متعمد كان من الممكن غفرانه في سنواتها الأولى وأيام الصبا والشباب، تصب قوارير العطر على طزاجة العمر وتشعل بسحر الأربعين عالمها.

سن الأربعين بداية جديدة لعمر ينتظرنا في مفترق طريق علينا أن نحياه بنظرة مختلفة أكثر تفاعلا مع الأحداث المحيطة وأكثر إيجابية مع الآخرين وتسامحا للجميع حتى من يظنون أنفسهم فرقاء.

21