سحر التاريخ على لسان شخصية روائية في عمر الثامنة عشرة

الحكايات الحقيقية غالبا ما تثير شهوة القراءة، وقد اعتبرت رواية “الفردوس البعيد” للكاتبة المغربية زهرة زيراوي، بما تحمله من عوالم حقيقية ساحرة تنقلها بطلة شابة، من ضمن الخمسين رواية الجديرة بالقراءة من بين الإصدارات الحديثة، حسبما أعلنته شركة الحكاية المصرية للنشر.
الثلاثاء 2016/03/01
صوت الأنثى المملوء بالتفاصيل

تمثل رواية “الفردوس البعيد” للكاتبة المغربية زهرة زيراوي صوت الأنثى المملوء بالتفاصيل، إذ تنقل فيها الكاتبة تجربة حياة ثرية بالذكريات عن قرن كامل عاشته أسرتها، وقد صدرت الرواية قبل أيام قليلة عن دار العين بالقاهرة، وفيها تروي زيراوي قصة فتاة شابة ذات ثمانية عشر ربيعا أو أقل من ذلك، عاشت قصة حب فريدة، عميقة زاخرة بالمواقف الرومانتيكية، التي تعيدنا إلى فترة السبعينات.

ومتحدثة عن الكتابة قالت زيراوي، في حفل توقيع كتابها خلال الدورة الأخيرة من معرض الكتاب بالدار البيضاء، “أنا أكتب وأصغي لدرس مارغريت دوراس التي علمتني وأنا أسافر في عوالم الكتابة أن أكون منشغلة بالتفكير في ما أكتبه، وما ينبغي الاهتمام به، فتلك هي ضالتي”.

من الصفحة الأولى في رواية “الفردوس البعيد” حتى آخر صفحة منها والكاتبة تنقل لنا ما عاشته، وعبرت عنه من خلال المونولوجات، حيث ترسم لنا بالكلمات وصفا دقيقا لعقود مرت بالمغرب، وما عاشته خلالها بطلتها من أحداث. ويمكننا أن نلاحظ ونحن بصدد الحكايات المتداخلة والحميمية أن الساردة هي الكاتبة ذاتها، التي حرصت على أن تستعيد أجمل لحظات حياتها، وأكثر أيامها غسقا أيضا.

وبين هذا وذاك نقرأ وصفا اجتماعيا وتاريخيا أنيقا للمغرب، ولأجياله ولما عاشه الناس من أحداث على الصعيد السياسي والفكري والثقافي، وما جربوه من قصص حب رقيقة. تنقل لنا الساردة النقاشات العذبة التي تدور بين بطلي روايتها نجمة وحبيبها أحمد الشاعر، وتحكي لنا حتى عن ليالي الحب السعيدة أثناء سنوات الرصاص بالمغرب فترة السبعينات، عندما كان صراع اليسار المغربي مع المحافظين في البلاد، سواء من كانوا في السلطة أو خارجها.

عالم الرواية زاخر بالحكايات المتداخلة، التي تبدأ دائما بنجمة، تلك التي ما إن رأت النور لأول مرة، حتى تم تبديل الأم بدادا حليمة، مربية نجمة، بينما كان أفراد العائلة يرددون هامسين أن الطفلة التي أخذت تكبر غريبة الأطوار، وهي ذات طباع لا تتآلف مع طباع أهل ذلك البيت المترفين.

ولم يكتفوا بذلك التغيير بل اقتلعوها فجأة من حليمة دون أي مبرّر ليضعوها عند السيدة خدوجة وخادمتها رحمة، هنا يبدأ عالم من الغموض أمام القارئ في الانكشاف شيئا فشيئا حين تتجاوز نجمة الخمس سنين، فيكتشف “أنها تعيش في عالم طبقي”، له عاداته وفلكلوره. فهي لا تعرف سببا واحدا لإبعادها عن أخيها الوحيد وعن أمها وأبيها، وتتساءل لماذا؟ ولا من يجيب، ويكبر معها السؤال أكثر فأكثر.

أما أم نجمة فقد عاشت في المشرق العربي، تنتقل بين مدن عديدة، وتعيش ليالي باذخة في المدينة المنورة، وحلب ودمشق وبيروت والقاهرة وفلسطين. وتقضي أجمل أيامها بحي المغاربة في القدس. بينما بقيت الطفلة تعيش بالدار البيضاء، فكانت أول لفتة حنان تراها من عائلتها عندما “تحمل أخيها لعقوبة الأستاذ بدلا عنها محبة بها”.

تعيدنا الساردة إلى تلك الأيام المنزوية في ذاكرتها حتى من خلال حاسة شمها، مسترجعة عبق “عطر الغالية ” وعطر “سوار دي باري” وهما العطران اللذان تحبهما أمها الأميرة.

ذاكرة نجمة تتجاوز زمنها الراهن وتعود إلى نهاية القرن الثامن عشر، لما كان جدها يتولى منصب القائد لدى الملك على سهول الشاوية، الممتدة إلى جنوب الدار البيضاء. وتروي كيف أهدى الملك لجدها عشرة خيول مطهمة بسروج مذهبة، وتتابع البطلة الحكايات القديمة التي تأخذنا إليها من خلال ما نشره باروك بيير المؤرخ الفرنسي، الذي كان مكلفا من قبل الملك المغربي بتسجيل وقائع المملكة اليومية.

لم تتوقف ذاكرة الفتاة في حدود موطنها المغرب، إذ تنتقل بنا، من خلال ذاكرتها دائما، إلى أيام نضال السوريين للخلاص من المستعمر الفرنسي، وهي أحداث عرفتها بحكم انتقال والدتها إلى هناك، فتروي عن المجاهد السوري المتوكل على الله، وإبراهيم هنانو الذي قاد السوريين بعد استشهاد يوسف العظمة.

ثم تدخلنا بعد ذلك إلى أجواء صديقات أمها، كالسيدة فاطمة، وعن معارفها كالقائد المعطي أبورزق الرحالة الذي عين كأول سفير للمغرب في إيطاليا.

الرواية تدور على لسان بطلة شابة نجحت في أن تنقل لنا أكثر من قرن من الزمن. وتذكرنا نجمة بجين أير في رواية شارلوت برونتي، بالرغم من اختلاف التقاليد، والأعراف بين بطلة “الفردوس البعيد” وجين أير الإنكليزية المحافظة، وهناك أيضا ملامح كثيرة تجمع بين شخصيتي إدوارد رويشستر، الذي عشقته جين في رواية برونتي، والشاعر بطل الفردوس البعيد.

15