سحر الديماغوجيا

الثلاثاء 2013/11/05

لنتخيل ديفيد كاميرون أو فرانسوا هولاند يلقي كل منهما بين آونة وأخرى وفي المناسبات الدينية خطابا حماسيا لشعبه. سيكون هذا الخطاب المتخيل مادة دسمة لرسامي الكاريكاتير في الصحف المعارضة.

في الدول والأنظمة الديمقراطية لا محل للخطابة في الحياة السياسية إلا في الحملات الانتخابية، وعلى نحو أقل لدى النواب المنتخبين، وضمن فترة قصيرة محسوبة بالدقائق متاحة للنائب ويكون في الغالب رئيس كتلة نيابية.

خلافا لذلك تمتاز الأنظمة الديكتاتورية بالخطابة المحصورة بالزعيم الأوحد على شاكلة القذافي، فله أن يحجز ساعات البث التلفزيوني والإذاعي متى شاء، ويلقي خطبة على شعبه الوفي لا أحد يعلم متى تنتهي.

في الأنظمة الديمقراطية يقدم رئيس الوزراء بيانا لممثلي الشعب في مجلس النواب يتضمن معلومات وتقارير مصحوبة بشروح، وتتم مناقشة هذه البيانات تحت قبة البرلمان.

بينما في الأنظمة الديكتاتورية والشمولية من المحظور مناقشة خطاب الزعيم، فخطابه فوق المناقشة، وليس الغرض منه إثارة نقاش، بل أن يُعتمد الخطاب كما هو: مصدر إلهام وأداة لشحذ عزيمة الموالين والمنفذين، وخصوصا لحجب قتامة الواقع بسحر النبرة والبلاغة.

يصعب تخيل أنظمة ديكتاتورية دون خطابات زعمائها، فخطاب الزعيم ذخيرة أيديولوجية وسياسية و"كفاحية" دائمة الاستخدام لإرهاب الخصوم في الداخل والخارج..

وبخاصة الداخل. يُعرف هتلر ليس فقط كزعيم نازي وأب الأمة الألمانية، بل أيضا كخطيب مُفوّه ألقى مئات الخطابات، واشتهر بضربات كفّه على منصة الخطابة.

في ظروف البلدان غير المستقلة وفي تاريخ حركات التحرر هناك وظيفة سياسية ووطنية للخطابة تنتفي مع الظروف الموجبة، كما في خطابات منديلا وجمال عبدالناصر وياسر عرفات.

هذه الخواطر ترد إلى الذهن مع الخطابات الأخيرة لأمين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله.

فرغم أن مقاومة الحزب للاحتلال الإسرائيلي توقفت قبل سبع سنوات ومع حلول قوات اليونفيل على الحدود، إلا أن نصر الله واصل الخطابة، وزاد من وتيرة خطاباته بعد الانتفاضة السورية.

وبينما ينغمس حزبه في الفتك بالسوريين، فإن نصر الله يشدد على "الحل السياسي الذي يؤمن به هو والإخوة السوريون" وهؤلاء الإخوة هم أركان النظام الذي لم يتوقف ساعة واحدة عن إطلاق النار على شعبه منذ 15 آذار 2011 حتى يوم الناس هذا، بما في ذلك خلال أشهر رمضان وفي أيام الأعياد.

إنه سحر الديماغوجيا المُعتمد، حيث تتلازم الحاجة لقتل الحقيقة مع قتل البشر.

24