"سحر الشرق" مدن وجبال لقمان الشيخ التي لم يرها أبدا

الخميس 2014/09/18
أعماله انبهار بالألوان المبهجة الوهاجة

لندن – نظم المركز الثقافي العراقي بلندن معرضا شخصيا للفنان التشكيلي العراقي المغترب لقمان الشيخ. وقد ضمّ المعرض المعنون بـ”سحر الشرق” 19 لوحة نفذ بعضها بقصاصات الأقمشة الملونة والغراء، فيما أنجز البعض الآخر بسطوح قماشية طلاها ببعض الألوان الأكليركية التي تتلاءم مع ثيمة كل لوحة على انفراد.

ثمة أشياء كثيرة تميّز هذا المعرض عن سواه من المعارض الفنية التي يقيمها الفنانون العراقيون والعرب على حدّ سواء، لعل أبرزها جرأة لقمان الشيخ في تقنيته الخاصة التي تنتمي إليه ولا تنتسب إلى أيّ فنان آخر، حتى وإن استعمل بعض قطع القماش هنا وهناك في عمله الكولاجي.

أسلوب الشيخ ومنذ 15 عاما يكاد يقتصر على هذه التقنية القماشية التي أصبحت ماركة مسجّلة باسمه. كما أن رؤيته الفنية الجريئة متشظية، ولا تكتفي بالخبرة البصرية التي تراكمت على مدى عقود طويلة من المتابعة والشحن البصري، بل ذهب أبعد من ذلك، حينما وظّف خياله السمعي ليصبح مادة فنية ملهمة له في إنجاز أعمال فنية عن مدن وجبال لم يرها الآن في أقل تقدير.

يحيلنا الشيخ عبر لوحات ثلاث إلى المناخات الأسطورية المستقرة في الذاكرة الجمعية، وربما يكون تسلسل اللوحات مقصودا، حيث جاءت اللوحتان “فينيكس” و”إيكار” في مقدمة الأعمال الفنية التي تواجه الجمهور، وهو يلج صالة العرض مبهورا بالألوان المبهجة الوهاجة التي تنبعث من هذين العملين من دون أن تذوي أو تتلاشى في العديد من الأعمال اللاحقة.

تحرضنا لوحة “فينيكس” على استحضار طائر العنقاء بألوانه الجذابة الخاطفة للأبصار التي تضع المشاهدين في دائرة الدهشة والانبهار.

لا يبحث الشيخ عن التشخيص وإن كانت اللوحة تشخيصية وإنما يريد تذكير المشاهد بجوهر الأسطورة، بأن طائر الفينيق الذي كبر وشاخ لا بدّ أن يتجه إلى معبد “رع”، إله الشمس، ويصفق بجناحيه بقوة، حتى تلتهب فيه ألسنة النيران، لكن طائرا جديدا ينهض من تحت الرماد مذكرا إيانا بأن الحياة قابلة للتجدّد والتغيير على مرّ الزمان.


متاهة في لوحة


مع أن أسطورة إيكار تمتد إلى أبيه ديدالوس الذي صنع متاهة مروعة بطلب من الملك مينوس، كي يحبس فيها زوجته التي أقامت علاقة شاذة مع ثور، فأنجبت وحشا نصفه إنسان ونصفه الآخر حيوان، لكن الملك سجن ديدالوس وابنه إيكار في المتاهة ذاتها إلى آخر هذه القصة المعروفة.

لقمان الشيخ: غالبية عناصر الطبيعة تدخل في عملي الفني مثل الحدائق والأشجار والفراشات

وحينما قرر ديدالوس الهرب صنع له ولابنه جناحين من الريش والشمع وطارا بهما، ناصحا إيكار ألاّ يرتفع كثيرا فيذوب الشمع بسبب الحرارة الشديدة، لكن هذا الأخير لم يلتزم بنصيحة والده فحلق عاليا حتى ذاب شمع جناحيه وسقط في البحر ميتا، أما الأب ديدالوس فقد وصل جزيرة صقلية سالما.

تحث هذه اللوحة الأسطورية على تفادي الطيش والتهور والغرور تماما كما فعل إيكار، لكنها تحرّض أيضا على الأمل وتحقيق الأماني كما هو الحال في نجاة ديدالوس، “الفيغر” المغيّب في هذا العمل التشخيصي الذي ينطوي على دلالات تعبيرية واضحة.

لا تخرج لوحة “البطل الأسطوري” عن مضمون اللوحتين السابقتين وبنائهما اللوني المبهرج، الذي يمجد البطولة الأسطورية ويحرض عليها، متمنيا وجودها في بلد يكاد يفتقر إلى القادة الأسطوريين الذين يقودون العراق إلى برّ الأمان.

كثيرة هي الأعمال المبهجة والرومانسية والكرنفالية في هذا المعرض، لكن محن العراق المتواصلة أجبرت الشيخ على أن يضعنا في مواجهة عملين فنيين تراجيديين بكل معنى الكلمة وهما “الموصل الجريحة” و”جبل سنجار”، اللذان جسّدهما عبر خياله السمعي بأسلوب تجريدي.


صور الجراح


صور مدينة الموصل مثخنة بالجراح يسيل دمها على أنقاض البيوت والمساجد، فلا غرابة أن يهيمن الأحمر الفاقع على مجمل أحيائها وأزقتها المنتهكة من قبل الإرهابيين، الذين امتدت وحشيتهم لتحاصر الإيزيديين على جبل سنجار وتفتك بهم شيبا وشبانا، وتبيع نساءهم في أسواق النخاسة على مرأى ومسمع العالم كله.

لا يجد المتلقي صعوبة كبيرة في تفسير اللوحات أو الاستمتاع بها، فعناوين اللوحات كلها تشي بالمضامين، لكنها لا تفصح عنها بالكامل، وهذا يعني أن الفنان لقمان الشيخ يريد من متلقيه أن يكون فاعلا في ثيمة اللوحة، ومنفعلا بها، ومستمتعا بفضائها المبهج، كما هو الحال في الأعمال الفنية الآتية “العجوز المرح”، “احتفال”، “كرنفال”، “رومانسية” وما إلى ذلك.

لا شك في أن غالبية عناصر الطبيعة تدخل في عمله الفني مثل الحدائق والأشجار والأزهار والطيور والفراشات، لكنه يختار منها ما يهزّ الكيان البشري، ويؤثر في الذائقة الإنسانية الرفيعة، ويفتح أمامها آفاقا رحبة، ربما لم ينتبه إليها الإنسان العادي المنهمك في هواجسه المعيشية المؤرقة.

لماذا اختار لقمان الشيخ قصاصات القماش المبهرجة أو أحادية الألوان، كي ينفذ بواسطتها أعماله الفنية؟ الجواب يكمن هنا في أن لقمان الشيخ قد حصل قبل 54 عاما على منحة دراسية من أكاديمية الفنون الجميلة في صوفيا، وبعد بضع سنوات بدأ عمله في قسم زخرفة الأقمشة بدار الأزياء البلغارية التي سربت له رويدا رويدا، أسرار التصميم وزخرفة الأقمشة التي تبناها كأسلوب فني، على الرغم من التحدّيات الكبيرة التي تغلب عليها بواسطة خبرته البصرية وحدّة بصيرته في آن معا.

16