سحر الشرق وغموضه يجتمعان في لوحات كاترين باخوم

الفنانة المصرية حاولت التوفيق بين خبراتها القديمة التي تتشكل في ذهنها كأحلام يقظة أو خيالات ضبابية وبين واقع معيش ونظرة حالمة بثقافة بعيدة ومغايرة.
الجمعة 2019/01/11
ولع بالمغرب العربي وأهله

القاهرة – تحت مفهوم الاستشراق تقدم الفنانة المصرية المقيمة في فرنسا كاترين باخوم تجربتها التصويرية التي تجمع بين مقومات اللوحة الاستشراقية القديمة والمعالجات الحديثة للعمل الفني.

ومن خلال أعمال باخوم التي قدمتها عبر تجربتها الطويلة في هذا السياق، نستطيع أن نلمح تأكيد الفنانة المستمر على أصولها المصرية والشرقية بشكل عام، وعلى ولعها التام بالذكريات القديمة التي شكلت وعيها خلال السنوات المبكرة من عمرها.

وأعمال باخوم تعبر بشكل واضح وصريح عن مزيج بصري بين سنوات الطفولة الأولى التي قضتها في مصر وبين حياتها التي عاشتها في فرنسا حيث استقرت هناك، لذا تبدو أعمالها مزيجا بين الواقع الفعلي كما ينطبع في الذاكرة البصرية المتبقية لديها من تلك الأيام الخوالي وبين تصورات المجتمع والثقافة التي عاشت في كنفها سنوات طويلة، هي تصورات تعززها قراءاتها عن الشرق وأحاديث الناس وحكاياتهم، كل هذه الأشياء غلفت نظرتها إلى الشرق بنظرة ساحرة وأسطورية أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع.

وتقول باخوم إن أفكارها وتصوراتها عن الشرق قد امتزجت بالفعل مع ذكرياتها الفعلية ومعرفتها القريبة بالشرق والحياة فيه، وإن أعمالها هي انعكاس لذلك المزيج، فنظرتها إلى الشرق والحياة فيه تختلف عن نظرة السائح أو المتلقي الغربي الذي لا يلمس في أغلب الأحيان سوى القشور من ثقافة هذا الشرق وحضارته، وهي تحاول في أعمالها التوفيق بين خبراتها القديمة التي تتشكل في ذهنها كأحلام يقظة أو خيالات ضبابية وبين واقع معيش ونظرة حالمة بثقافة بعيدة ومغايرة.

كاترين باخوم: الصحراء الواسعة المقفرة تمثل عندي مستودعا هائلا للجمال والرهبة
كاترين باخوم: الصحراء الواسعة المقفرة تمثل عندي مستودعا هائلا للجمال والرهبة

وأبرز ما يميز أعمال الفنانة كاترين باخوم هو تلك الزخارف والتوريقات النباتية والألوان المبهجة والدافئة التي تستخدمها، وهو ما يميز أيضا لوحات المستشرقين القديمة، التي تميزت بالاهتمام بالتفاصيل والعناصر المحيطة بالشخصيات، كما تميزها أيضا تلك الضبابية في الخلفية، والتي تغلف الأعمال بأجواء حالمة تؤكدها حركة الأشخاص وإيماءاتهم وسكناتهم.

فهي ترسم الدراويش وراقصي الصوفية في حالات استرخاء ودعة، بعيدا عن صخب الحركة المعتادة التي تميز عالمهم، تعيد باخوم اكتشاف تلك العناصر من جديد، كما تعيد صوغ الأشياء والمفردات نفسها التي سبق وأن تناولها المستشرقون، ولكن بشكل جديد وأسلوب أكثر نعومة وعفوية.

وتعنى باخوم قبل كل شيء بالجمال والدهشة، وتؤمن كما تقول بأنه “لا يوجد جمال في الدنيا يضاهي جمال الشرق، فحتى هذه الصحراء الواسعة المقفرة تمثل بالنسبة لي مستودعا هائلا للجمال والرهبة، وباعثة على السكون والتأمل، لذا فهي عنصر دائم في الكثير من أعمالي”.

في بداية الأمر انصب بحث باخوم على جمال الشرق وسحره في مصر، لكنها مع مرور الوقت أرادت أن توسع دائرة بحثها في مناطق أخرى، حتى قامت ذات مرة بزيارة إلى تونس، فأدركت حينها لأول وهلة أنها قد عثرت على كنز آخر من الجمال.. أشكال البيوت والملابس، وحتى ملامح الناس وطريقة عيشهم.

ومن تونس توجهت إلى الجزائر ثم المغرب، لقد أحدثت هذه الجولة التي قامت بها بين دول المغرب العربي تحولا كبيرا في أعمالها والألوان التي تستخدمها وكذلك طريقة بنائها للوحة، كانت العناصر والمفردات الجمالية التي عثرت عليها هناك لا حصر لها ومثلت لها نبعا شديد الخصوصية لا يتوقف ولا ينتهي، وما زالت تنهل منه إلى اليوم.

تعددت زيارات باخوم إلى بلاد المغرب العربي، وأثارت مخيلتها أشكال الملابس المحلية هناك وبهاء الحمامات القديمة وجمال وروعة القصور العربية التاريخية في أرجائها، فخلقت لنفسها ذلك المزيج الذي نراه في أعمالها بين تصوراتها ومشاعرها وبين الواقع الذي تراه أمامها، لترسم عالما بين هذا وذاك، عالما أشبه بالحلم، لا نراه سوى في أعمالها، غزلته بيديها وألوانها على مساحات ذات قطع كبير ومتوسط مرسومة بدرجات أشبه ما تكون بألوان السحب والغيوم وتجليات الغسق، أشخاص تغطيهم أردية مغربية ومشاهد لحمامات أثرية ومناظر داخلية محصورة بين الجدران وأخرى لا تحدها حدود، تحيطها السماء ويغمرها البحر بضبابه وتماهيه في الأفق اللامحدود.

إنه العالم الذي تعيش فيه كاترين باخوم بروحها وخيالها بعيدا عن مظاهر الحداثة وتعقيدات المدينة الغربية، والذي عرفت عن طريقه في أوساط الفن الفرنسية كإحدى الفنانات المتميزات.

17