سحر الشهرة، وداء الإثارة

الخميس 2017/07/20

ما الذي يجعل إنسانا مميزا دون غيره؟

وما حكم الناس على شخص يعدونه الأقرب إليهم ويشتركون في تفاصيله وهو لا يعرفهم حقا؟

بل راح بعضهم يؤطر هذه العلاقة في فن صناعة النجوم بفكرة "آيدل" ليصبح بعض الأشخاص غير المعروفين بعد حملة ضخ إعلامي نجوما في سموات الشهرة.

وهنا أميز بين من بنى شهرته بجهد إبداعي ومن أتته الشهرة بجهد دعائي، حتى إن بعضهم فقد قدرة التوازن ولم يتمكن من السير في الشوارع بشكل طبيعي كما يفعل باقي خلق الله، بل صاروا يمعنون في التزلف إلى الجمهور وينتقون مفردات متكررة وفاقدة للمعنى، في حالة لا توصف من الشحن العاطفي والوهم المجتمعي.

وكأنهم مخلوقات فضائية حطت على الأرض صدفة، واكتست بحالة الترحيب المفرط من عامة الناس الذين يغدقون عليهم الإعجاب والمجاملة ودعوات التقرب، وعبارات الثناء حتى ظنوا أنهم من كوكب آخر ترجلوا منه قبل لحظات ونسوا، شوارع مدنهم، والحارات والأزقة الضيقة، وباعة الخضار الذين يحيطون ببيوتهم، ومدارسهم المتداعية، وأوجاع أهلهم، ونسوا كل الأصدقاء الأوائل الذين قاسموهم رغيف الخبز و“الساندويشات".

بل ذهبوا بعيدا ليتناسوا الناس الذين ساعدوهم لاعتلاء السلم، وأحنوا ظهورهم ليصعدوا عليها، كي يروا النور البعيد الذي سيوصلهم إلى الشهرة بل نسوا أهلهم وإخوتهم الذين ظلوا يعانون الأمرين في حياة الحارات البعيدة، وتنأوا عن أصدقاء الطفولة، وملاعب الصِبا، وحلقّوا بعيدا كأنهم بلا أعشاش، بلا تاريخ، تؤرقهم الشهرة، وعالم الليل، وزعيق المعجبين الذين سرعان ما ينسونهم وهم يغادرون الحانات، وطاولات عشاء الحفلات.

إنها الشهرة، اللعينة التي تغري الكثيرين حتى الموهوبين ممن لا يعرفون أن الضوء يحرق الفراشات الجميلة، وتبدأ حياتهم تتغير إلى حيث، نسيان الماضي وتناسي مشاهد الواقع المرير، وذكريات الجوع والعوز، والتمني، إلى حيث الأضواء.

ولتكون إمتحانا لقيمهم وثقافتهم ولبيئاتهم وخزائن الأخلاق، التي اكتسبوها من بيوتهم الأولى حيث تعلموا وتألموا وكتبوا عهود الوفاء والمحبة التي لم تبن على المال أو المصلحة قبل أن يكونوا نجوما.

إنه إمتحان الله لبعض الناس الذين يمنّ عليهم بموهبة تجعلهم مشاهير إن كانوا يعرفون أو لا يعرفون، وأمامهم طريقان، إما أن يكونوا حبيسي تلك الهائلة التي تغلفهم بها الشهرة، وإما يجعلوها طريقا للرحمة والخير ومدّ يد العوان لذويهم ومعارفهم وأصدقاء عمرهم، ليبقوا بشرا بيننا، نشعر بإنسانيتهم، وقيمة شهرتهم.

24