سحر الصورة وبلاغتها

التصوير خدم الرسم حين وهبه مساحة لم يكن أحد يتخيل أنه قادر على الوصول إليها.
الاثنين 2021/01/18
الرسام يصنع صورا لا تحيل إلى مصادرها (لوحة لكلود مونيه)

“العالم صور” عبارة قديمة ذات طابع دعائي. “صورة واحدة يمكن أن تغني عن قراءة عشرات الصفحات”، جملة هي الأخرى قديمة غير أنها قد تقود إلى تعميم الكسل الذهني.

المرء لا يقوى على التفكير في زحمة تلاحق الصور بعد أن صار التقاط الصور شغبا مريحا. يوم كان التصوير الفوتوغرافي يشكل خطرا على الرسم، بدا كما لو أن الرسم لا يملك خطوطا دفاعية.

ذلك لم يكن صحيحا. لقد خدم التصوير الرسم حين وهبه مساحة لم يكن أحد يتخيل أنه قادر على الوصول إليها.

فالرسام حين ينظر إلى العالم فإنه يلتقط صورا، غير أنه لا يودّ الاستيلاء عليها مثلما نفعل كل لحظة عن طريق هواتفنا الذكية. فالرسام يصنع صورا لا تحيل إلى مصادرها.

حين وقفت أمام لوحة بابلو بيكاسو “آنسات أفينيون” المرسومة عام 1907 لم يخطر في بالي الذهاب إلى برشلونه لكي أمشي في الشارع الذي رأى بيكاسو فيه آنساته. كانت المسافة بين ما هو واقعي وما هو وهمي قد تم اختصارها من خلال حقيقة الجمال.

رسم بيكاسو وصدّقناه. لقد اخترع الرسامون لغة صارت مادّة للصور التي صارت تتفوّق بمصداقيتها على الصور التي يتألف منها الواقع. صنع الرسم واقعا لا يمكن إنكاره. إنه الواقع المجاور الذي نلجأ إليه في أيّة لحظة نحتاج فيها إلى الجمال الصافي.

ما فعله الرسم الحديث أنه نقى الواقع من شوائبه. ذهب إلى جوهره. لم تعد الصورة التي تُرى تمثل الواقع. صار الواقع يقع في مكان آخر وصار علينا أن نصدّق ذلك بسبب بلاغة اللغة التي أثبت من خلالها الرسم حضوره.

وإذا ما عدت إلى مسألة تأثير الصورة، فإن الرسم ذهب إلى خيال الصورة. ذلك تحوّل فرضه الرسم على الواقع. عشت في إسكلستونا السويدية خمس سنوات، وكنت أقف على أحد جسورها الصغيرة متأملا الزهور المائية، وأقول لنفسي “كما لو أنها قفزت من لوحات كلود مونيه”، وحين وقفت أمام لوحات مونيه شعرت بالحيرة “مَن يقلد مَن؟”.

مونيه رسم الطبيعة، غير أنني على يقين من أن ما تعلّمه من الطبيعة صار درسا في الرسم من الممكن أن يكون مصدرا لخيالنا ونحن نتأمل الطبيعة.

 
16