سحر القلعة أكبر من كل الإغراءات

الأربعاء 2017/01/04

“شيء في نفسي، لا يمكن أن يعادله أي طموح أو مدى، أنا في الجنة الآن، فلا داعي لأن تسلبوني إياها”.. هي عبارات مختصرة قالها المدافع البرتغالي بيبي عند قدومه منذ سنوات إلى نادي ريال مدريد. اليوم وبعد مرور حوالي عشر سنوات على انضمام الدولي البرتغالي إلى القلعة البيضاء قادما من بورتو، ربما دقت ساعة الرحيل الآن، فعقد بيبي أوشك على النهاية والتجربة المدريدية ربما تعيش آخر لحظاتها خاصة وأن اللاعب لم يتوصل إلى حد هذه اللحظة إلى اتفاق رسمي وعلى إدارة النادي الحسم في شأن عقده.

وفي هذا الخضم فإن هذا المدافع بدأت منذ فترة تصله العروض المغرية، هي عروض قادمة من فرق قوية وعريقة مثل مانشستر يونايتد وأخرى قادمة من خارج القارة الأوروبية وتحديدا من الدوري الصيني الذي بات منذ أكثر من سنة قبلة بعض النجوم بفضل إغراء المال والعروض الخرافية المقدمة. اليوم بات بيبي في مفترق الطرق، فإما الرضوخ لشروط إدارة الريال المالية لمواصلة البقاء في “الجنة” أو قبول العروض القادمة من كل صوب وحدب والتنعم بامتيازات مالية كبيرة وبالتالي الخروج من القلعة التي طالما حلم بها في صغره، وعاش خلالها أغلب فترات مسيرته الرياضية.

الخيار صعب للغاية، والتفكير العميق لا يكاد يبرح بيبي، لقد أقض مضجعه وأحال أحلامه إلى مجرد حسابات دقيقة خالية من كل روح وراحة، فأي نار سيختار؟ وبأي نعيم سينعم؟ نار فراق الريال وبدء مسيرة جديدة في المنعطف الأخير من “عمره” الكروي سينعم خلالها بمنح وامتيازات تكفيه العمر كله، أما نار البقاء في قلعة يسيّرها حكام أدركوا أن بيبي بلغ اللّفة الأخيرة في سباق اللعب مع كبار القوم في مدريد، لكن رغم ذلك تبقى هي الجنة التي لهث وراءها طويلا وهو صغير ليعمر فيها بعد ذلك برفقة أحبة وأصدقاء سيفتقدهم كثيرا إذا خيّر قرار الرحيل، وفي مقدمتهم ابن بلده رونالدو.

منذ سنوات طويلة برز هذا اللاعب مع نادي بورتو حيث ساعده على البروز أوروبيا والحصول على ألقاب عدة، لقد كافح وعمل طويلا كي يطور دوما مستواه، كان يمني النفس بأن تفتح القلعة أبوابها ذات يوم أمامه. لحظة فارقة أبكته طويلا بسعادة غامرة وفرح طفولي لصبي حلم بأن يلج “جنة” كرة القدم من البوابة الرئيسية لقلعة الريال، لقد وصله العرض الذي حلم به، فلم يفكر كثيرا بعد أن بكى من شدة السعادة والحبور، وبدأ المسيرة…

مسيرة عرفت الكثير من المحطات والأحداث الإيجابية والمفرحة وبعض الأحداث التي كادت تهدد وجوده داخل أسوار القلعة، فبيبي عرف بكونه مدافعا عنيفا لا يتورع عن ضرب منافسيه، نافس زميله سيرجيو راموس على الحصول على الإنذارات والإقصاءات، لكن رغم ذلك كان يعود أقوى من ذي قبل، فرسّم نفسه ضمن التشكيل الأساسي للريال طيلة سنوات طويلة. عايش عددا لا بأس به من اللاعبين الذين لعبوا في صفوف الفريق، وكوّن صداقة قوية للغاية مع رونالدو وكاسياس وراموس، نال قسطا من محبة عشاق القلعة البيضاء، وتذوق حلاوة الحصول على الألقاب وخاصة لقبي دوري أبطال أوروبا، لكن سيأتي يوم ينتهي خلاله الحلم، حلم البقاء في جنة القلعة.

فبيبي بلغ من العمر 33 سنة، وما مضى وانقضى من سنوات الشباب الأولى لن يعود، فتفطن مسؤولو النادي المدريدي إلى هذا المعطى، لذلك لا سبيل لتجديد عقده مع الريال بامتيازات مالية كبيرة، فهو ليس بقوة وتأثير رونالدو ولا في شباب فاران أو سحر راموس ومودريتش، من الممكن أن يكون لاعبا احتياطيا لأن الحلول البديلة متوفرة في القلعة، لذلك ينبغي عليه أن يستجيب للشروط المقترحة من الإدارة كي يضمن البقاء لفترة أطول وسط أصدقائه وأحبائه في هذه القلعة عريقة المقام.

مقابل هذا الموقف من قبل إدارة النادي الملكي بخصوص العقد الجديد الذي يمكن أن يربط بيبي بالفريق الذي أحبه وعشقه وعاش فيه ردحا من الزمن، هناك جنة أخرى بانتظار هذا اللاعب، هي جنة جديدة وعد بها كل من وافق على اللعب في الدوري الصيني، فالامتيازات المالية مغرية ومجزية للغاية، والراتب الذي سيحصل عليه إذا وافق على اللعب في هذا الدوري يفوق ما يحصل عليه حاليا مع الريال بثلاثة أضعاف وربما أكثر، فالربح المالي مضمون سواء لعب أساسيا أم لا، ولا يهم حينها تحقيق مكاسب كروية مادام العمر قد تقدم به ولا توجد أحلام تعادل حلم اللعب لعشر سنوات مع الريال.

بيد أن الحنين لسنوات طويلة ومقام لم يزل بعد، قد يبقي بيبي في القلعة لسنتين إضافيتين على الأقل، فبيبي يبدو أنه لم يعد مهتما بالمال بقدر اهتمامه بالبقاء لأطول فترة ممكنة في الريال، ورغم تأخر الإعلان عن قرار البقاء وفقا لأي شروط ووضع إلا أن بيبي يتجه نحو البقاء، فسحر هذه القلعة الشامخة لا يعادله أي إغراء حتى وإن قدم من خلف سور الصين العظيم.

صحافي تونسي

23