سحر الكلمة

الخميس 2014/01/09

هل حقّاً تحتفظ الكلمة المكتوبة بسحرها وسطوتها..؟ إلى أيّ حدّ يستمرّ سحر الكلمة المكتوبة أو المنطوقة بالتفعّل والتجدّد مستقبلاً..؟ هل يمكن أن يتمّ ترقيم الكلمة في مسعى تمهيديّ لترقيم الإنسان نفسه..؟ هل سيطرأ أيّ تغيير على حكم تاريخيّة وعِبَر كرّستها الكلمة بالتراكم وتجد نفسها في بحر عالم متبدّل..؟

أسئلة ربّما تراود أذهان الكثيرين في بحر اجتياح الصورة والتكنولوجيا، ذلك أنّ العالم الحديث يتّجه نحو تقييد الكلمة في صورة أو جعلها لاحقة على الصورة، بحيث تتقدمها الصورة وتحتل الصدارة والواجهة في سباق الزمن نحو المستقبل، إذ يكون الحاضر تمهيداً لتسييد الصورة على حساب تراجع دور الكلمة وتأثيرها، لتصبح السطوة العظمى للصورة، ولاسيّما أنّ هناك أمثالاً وأقوالاً تدعم هذا التوجه، من قبيل أن صورة واحدة قد تعبر أكثر من ألوف الكلمات. تحتفظ الكلمة المكتوبة بألقها وسحرها وتأثيرها الكبير، لأنّها تظلّ حمّالة الأفكار وناقلة لها، ولا يخفى أنّ الانتقال من مرحلة الشفاهة إلى الكتابة شكّل ثورة كبرى في تاريخ البشرية، ذلك أنّه مهد لتراكم مكتبة ضخمة تنقل العلوم والخبرات والتواريخ والأحداث والوقائع من جيل إلى آخر، بطريقة دقيقة، مع اللجوء إلى الترجمة من لغة إلى أخرى حين اللزوم، وذلك أيضاً يندرج في إطار الفعل الكلامي وتأثير المنقول العابر للأزمنة.

للكلمة سحر لا يكبّل بزمن معين، وبريق لا يقيد بمكان بعينه، بل يكون لصداها المتردد في الآفاق التأثير الأكبر على الناس المصنفين بالنسبة للكلمة إلى مرسلين لها أو مستقبلين أو ناقلين، وفي الحالات كلها تكون الكلمة ملازمة لهم في حلهم وترحالهم، وعبرها يكون التعبير والتغيير.

بعيداً عن أي تقليل من شأن الكلمة أو الصورة، ينفرد كل منهما بمزاياه الخاصة، ويكون تأثيرها الأقوى حين يجتمعان ليؤدّيا رسائل مشتركة، يتكاملان لتأدية مفاهيم وتحقيق أهداف إنسانية، ويختلف الأمر من صراع إلى تكامل، لأنّ الكلمة لا تدخل في أي صراع مع أي شيء آخر، ولا الصورة كذلك، ومن هنا يكون الحديث عن تغليب أحدهما على الآخر أو انتصاره عليه، بحيث يعلَن بنوع من التبسيط والتسطيح أنّ الكلمة انحسرت واحتجبت وغابت في زحام الصورة المتسيّدة الشاشات والأماكن وتقنع البشر عبر مداهمة الأنظار أنّها الوحيدة المؤثر ذات السطوة والسيادة.

كل كلمة تحمل العديد من الصور في معانيها، ولا يعني الأمر هنا الصور الإبداعية، بل يتعدّاه إلى الصور الحياتية، فيكمن الاعتماد على الكلمة لترسم مشاهد من حيَوات سابقة أو بعيدة، وتكون بذلك حمّالة الأوجه والصور، وبثاثة الأخيلة وربّما التهويمات أيضاً. كما أنّ كلّ صورة بدورها تحتمل الكثير من التفسير والتحليل والتوضيح والنبش، بحيث تنفتح على عالم الكلمة عبر الكتابة وتنطلق في فضاء التخييل والتلبيس لتكون بدورها بثاثة للأخيلة ومحرضة عليها.

الكلمة عدة الكاتب ووسيلة وزوّادته، الصورة عالم المصوّر والفنّان وفضاؤهما، وفي هذا العصر أصبحت الصورة وسيلة متاحة للجميع، تحتفظ بحالات متباينة من الفرح والترح، وتنفتح على الذات والآخر، وإذا لم يكن بوسع تقاطيع الشخصيّة، بسبب طبيعتها اللسانيّة الانسجام مع إدراك مباشر، فإنّ ذلك يستلزم من جهة القارئ إعادة خلق خياليّ مطابق للواقع. والواقع هنا مكمن اختبار الكلمة وامتحان مدى تأثيرها المفترض والمنشود، ولاسيّما أنّ حقل الكلمة يظلّ ملعب الأدباء والكتّاب ومعبرهم إلى الآخر.


* كاتب من سوريا

14