سخرية عميقة ومنحرفة من المحاولات الرومانسية للخلاص

الكثير من النصوص الرومانسية تحتفي بالجنون وتتغنى به، وتقاربه بسذاجة طفولية دون معرفة عميقة بتكويناته وبالمعارف اللاعقلانية التي يقدمها، فالحالة الغنائية المرتبطة بالجنون لا تتجاوز السطحي والمبتذل ومخالفة العرف العام، في حين الجنون، وبعيدا عن التوصيفات الطبية المجحفة، يمثل كشفا معرفيا وتراجيديا في بعض الأحيان، هو فاتحة للانهيار الذي لا تراجع عنه، هو ليس تجربة مؤقتة، بل رحلة لا عودة منها.
السبت 2017/11/04
شخصيات ممسوسة تحكي قصة شعب (لوحة للفنان بهرام حجو)

باريس - يتلمس الكاتب والناقد الفلسطيني راجي بطحيش في روايته الجديدة “يولا وأخواته” عوالم هشة قوامها الانحرافات العقلية والاستسلام لثقل الوجع، وكأن لحظة الجنون الشخصي التي حلت بسوسن، والتي تتطابق مع تاريخ مجزرة صبرا وشاتيلا، محرك لانحراف التاريخ وحكاياته، إذ نقرأ عن الصراع العربي الإسرائيلي، ومجازر تأتي من بعيد، وقصور خالية إلا من الدنس والسوائل المتعفنة وشخوص تطفو بانتظار الغرق، فبطحيش ينقب عن آثار تختفي بمجرد الكتابة عنها، هو يصور أسرة وتاريخا لم يبق منهما سوى أسماء أبطاله وبقاياهم المتعفنة.

حكايات الممسوسين

الرواية، الصادرة هذا العام عن دار المتوسط الإيطالية، مقسمة إلى 19 فصلا قصيرا تجعلها أشبه بشريط سينمائي يخضع للمونتاج والتلاعب بالزمن، حتى التكرار الذي نراه أحيانا أشبه بمحاولات مخرج لإيجاد اللقطة المناسبة، فالرواية تقدم لنا سردا مشتتا لا يلتزم بزمن أفقي للحكاية، وكأن الجنون المفترض لا يعرف ترتيبا منطقيا، لتتحول الذاكرة إلى كتلة واحدة غير مرتبة ولاعقلانية، وهذا اللاانتظام والهلوسة والتهيؤات لا تقتصر على سوسن، بل تمتد إلى يولا وأخواته أيضا كونهم عرضة لاحتمالات الجنون/المجزرة، فـجانيت في كندا ولا تسأل عن أحد، ومي انتحرت وسوسن في دار الرعاية النفسية وأميل مات بالإيدز، أما الراوي فعاشق للعلاقات العابرة مع الفحول الذين يرون فيه عارهم ومتعهم السرية في ذات الوقت.

يكتشف بطحيش في الرواية العوالم المحرمة والانحرافات السرية، عوالم المتع تارة وتلك النابعة من القرف تارة أخرى، لتغدو الاندفاعات الجسدية وسائل لتلمس الوجود والتأكد منه، فاللذة والألم يرتبطان بتغيير وضعية الجسد الظاهراتية، هي حالات الاستثناء التي يقاس عبرها الزمن الهيولي، كما في الفانتازم الجنسي للراوي مع عامر، الذي تبدو الصيغة المتخيلة منه أشد ألقا ولذة من تلك الواقعية التي يعيشها الاثنان حين يلتقيان، هذه العلاقة بين المصنع لغويا وبين الواقعي تنسحب على طبيعة الحكايات التي تتناولها الرواية سواء تلك الشخصية منها التي تتناول تاريخ الشخصيات الذاتي، أو تلك السياسية المرتبطة بالأحداث الكبرى، كمجزرة صبرا وشاتيلا، حيث يرصد بطحيش عبر حيوات شخوصه الممسوسة آلية تكوين الحكايات وتحول الحدث التاريخي إلى أقصوصة أو تكوين لغوي جديد.

الرواية أشبه بشريط سينمائي يخضع للمونتاج والتلاعب بالزمن، حيث يحول الكاتب الحدث التاريخي إلى أقصوصة ولغة جديدة

تبرز العلاقة مع اللغة في أوجها لدى الراوي الذي يتبدل شخصه واللسان الذي يتحدث به، فهو يتأمل نفسه، ويعي أنه يؤدي أفعال الكلام، يتلمس جسده ويسميه ويحدد سوائله وتبدلاتها الفيزيائية، هذه العلاقة مع الوضعيات اللغوية نراها مخلخلة أثر الجنون الذي حل بالأسرة، سوء الفهم اللغوي الناتج عن الجنون يتضح في البداية، حين توقع والدة يولا باسم ابنتها المجنونة سوسن، لا باسمها، وكأننا أمام سلسلة من الانعطافات اللغوية التي تغير كل مرة التاريخ والحكاية الشخصية.

خراب التاريخ

يعمل بطحيش في الرواية على التقاط ذاكرة الخراب، ورسم التناقضات التاريخية بين الشعبي وبين السياسي، فجانيت مهووسة بالهولكوست، إذ تركت منزلها الخاوي المليء بالخردوات والترهات لتسافر إلى معسكرات التركيز في أوروبا الشرقية، وخصوصا ماكينات القتل في أوشفيتز، وعبر جانيت يرسم بطحيش فضاء لسياسات الموت، يتمثل بفلسطين والاحتلال والمجازر والقمع اليومي الممارس على الجميع وذلك التاريخي الذي يحمل ذنبه الجميع بفعل السياسة والمتمثل بالهولكوست، حيث نقرأ كيف تحولت الحكاية التاريخية إلى صيغة متحفية، إلى استعراض للضحايا وأغراضهم، هي تجل بورنوغرافي للمأساة، متاحف مصممة بصورة دقيقة ومعروضة بحيث تثير رد فعل واحد ودقيق، الانهيار والبكاء، وتوليد ذنب تاريخي أمام أي شخص يقف أمامها.

رواية تحكيها شخصيات مجنونة

الفرق أن أحداث أوشفيتز تحولت إلى مزار ومعلم سياحي لترسيخ الحكايات لأجيال قادمة، أما منزل الأسرة المنهار فغارق في حكايات أفراده لينهار ويتداعى تدريجيا، لا خصوصية فيه، فأحذية يهود المحرقة مرتبة ومصفوفة للعلن وتحيل إلى حدث واحد فقط، ماكينة الموت، أما أحذية يولا وأخواته فلا أثر لها، هي ضائعة بين الغبار والعناكب وأغراض الكيتش المبتذلة.

تتعدد في فصول الرواية الأشكال السردية والأصوات التي يتبناها الراوي، فمرة نراه يعدد ما حوله من أغراض المنزل وأغراضه الشخصية، فيعيد تعريفها وتوصيفها بما يلائمه، وفي فصول أخرى نراه يعيد ترتيب مدينة الناصرة وتكوين تاريخها، كما نقرأ أحداثا يتوازى فيها التاريخي والفني مع الشخصي، عبر حادثة مرت بها سوسن، إذ كانت تؤدي في إحدى المسرحيات التي تحاكي مسرحيات الرحابنة الغنائية، حيث تلعب ذات الدور الذي أدته فيروز. لكن كما توقفت المسرحية في بيروت بسبب اشتداد القتال الطائفي في السبعينات من القرن الماضي، تتوقف محاولة إعادة تمثيل المسرحية لاحقا في الناصرة إثر انهيار ديكور المسرح، ليتكوم الجميع كهضبة من لحم تفقد أمامها سوسن صوتها.

تحمل الرواية سخرية عميقة ومنحرفة من الحكايات نفسها، من المحاولات الرومانسية للخلاص، وكأن يولا وأفراد أسرته أصيبوا بالعدوى من جنون سوسن، أما وعيهم الزائف وادعاؤهم العقل فليسا إلا كذبة لا بد أن تنتهي، فسوسن هي الأشجع كونها رفضت أن تستمر بالكذب، وسلمت بنهايتها كمن يعلم أن مصيره الغرق، فلا يتسمك بالماء ولا حبال النجاة الوهمية.

15