سخيف دون سياق

الثلاثاء 2017/04/25

الإنسان لا يطيق أن يبدو سخيفا. قد يتقبّل السخف لكن على مضض ولساعة أو ساعتين في حفلة تنكرية مثلا. في الحفلة التنكرية نفسها لا يبدو الإنسان سخيفا جدا بل مجرد سخيف. هذا لأن هناك سياقا، هناك حفلة وهناك عشرات السخفاء: هذا روبن هود وذاك أدولف هتلر وهذه جون دارك وهكذا. هناك قراصنة وقطاع طرق وخلفاء عباسيون وليس هناك محصل ضرائب واحد.

المشكلة أساسها أن الإنسان الذي يصرّ على أن يبدو هارون الرشيد ويقود سيارة هايونداي ينسى ماذا يرتدي. وربما تسوقه حماقته إلى السوبرماركت ليشتري لتر حليب. ليس هناك مرآة وينسى مظهره كما قلنا. هنا يبدو الإنسان سخيفا جدا فالسياق لا يسمح هارون الرشيد. ثلاجات السوبرماركت لا تسمح. لكن المتنكر قد نسي تماما مظهره ويروح يجادل العاملين ويستفسر ويروح ويجيء وهو هارون الرشيد.

شاهدت ذات مرة عائلة كاملة، أب وأم وولدين، في أحد الدكاكين وكلهم من أصحاب روبن هود. نسوا منظرهم وبدوا سخفاء جدا وهم يتنافشون حول كرتونات العصير ووجوههم مقطبة وجادة والأم تضرب الأرض بقدمها بعصبية وهي في زي قطاع الطرق من سكان غابة شيروود برفقة روبن هود.

في ميدان رمسيس المزدحم أبدا في القاهرة، كان هناك محل يبيع أقراص الطعمية في ساندويتشات. خلق كثيرون متحلقون حول مدخل المحل الصغير وهناك ضجيج وصراخ من الجمهور الكريم. لكن وسط كل هؤلاء هناك رجل بدين واقف أمام مقلاة لم أر أكبر منها وهو يرمي قطع الطعمية ليقليها بسرعة ونشاط. كل شيء طبيعي لولا أن الرجل الذي يقلي الطعمية ويزعق طالبا المزيد من عجين الطعمية ألبسوه ملابس غريبة أظنهم يريدونه أن يكون خليفة عباسيا.

لسبب أو لآخر حسبته المتوكل. ملابسه مذهبة وعلى رأسه عمامة كبيرة مزخرفة. هو المتوكل في رؤية التلفزيونات العربية. الخلفاء في تلفزيوناتنا وأفلامنا يرتدون عباءات مزركشة وعمائم من قماش لمّاع. نسي أنه المتوكل وكان يقلي الطعمية ويصرخ في الصبي المساعد طالبا المزيد من عجينة الطعمية. بدا سخيفا ومضحكا حقا.

ما ذكرني بكل هذا السخف هو أني أبحث عن تلفزيون جديد. لاحظت انحسارا واضحا في عروض التلفزيونات المجسمة. وهناك انحسار مواز في إنتاج الأفلام المجسمة قياسا بما كان عليه الوضع قبل أقل من عقد.

ستنحسر ثم تنقرض الأفلام الثلاثية الأبعاد كما حصل من قبل، في الخمسينات والسبعينات والتسعينات. مكتوب على المجسم الانحسار لأنه يتطلب ارتداء نظارات غريبة تجعل الإنسان يبدو سخيفا، والإنسان لا يريد أن يجلس في بيته مرتديا عدسات خضراء وحمراء، لا يريد أن يبدو سخيفا.

24